ها هو الشهر الفضيل قد آذن بالوداع وما أصعب الكلمة. نسأل الله باسمه الطيب المبارك الأحب إليه أن يتقبل منا الصيام والقيام وأن يجعلنا فيه من المقبولين، كما نسأله بمنه وكرمه وفيض عطائه أن يعيده علينا وعلى سائر المسلمين أياما عديدة وأزمنة مديدة.

   ضيفنا العزيز: لقد زرتنا فاستبشرنا بزيارتك وأقمت بيننا ثلاثين يوما فسعدنا بمقامك، وها أنت راحل عنا.. وددنا لو كانت كل شهور السنة وأيامها رمضانا..

   ها أنت راحل عنا وكلنا يقين بأن أرواحنا بعدك لن تكون كأرواحنا فيك، ونفوسنا بعدك لن تكون كنفوسنا فيك، وحالنا بعدك لن يكون كحالنا فيك. لكنها سنة الله.

   نودعك أيها الغالي الحبيب بعيون دامعة وقلوب خاشعة وأياد إلى الله ضارعةٍ سائلةٍ راجية بأن يكون الكريم الوهاب قد غفر لنا وتاب علينا وأعتق رقابنا وقضى حوائجنا وجعلنا من المقبولين في هذا الشهر العظيم.

   أخي الصائم، أختي الصائمة: جاء رمضان وانقضى وهذه سنة الله في خلقه، فماذا بعد؟

   هنيئا لمن شمر عن ساعد الجد وتعرض لنفحات الله ورحماته، هنيئا لمن سابق إلى إحراز مزايا هذا الشهر وحسناته، هنيئا لمن صام نهاره وأحيى ليله اغتناما لفضائله، هنيئا لمن صفت روحه وزكت نفسه واطمأن قلبه، هنيئا لمن علت همته وقويت إرادته وشحذت عزيمته.

   لكن ما السبيل الموصل إلى الحفاظ على كل ذلك؟ ما السبيل للثبات على الأمر والعزيمة على الرشد؟ ما السبيل للحفاظ على نور القلب وصفاء السريرة؟ .

   إليك أخي الكريم/أختي الكريمة بعض الوصايا التي تعينني وإياك على ذلك بعد رمضان:

   1- أكثر من الدعاء بأن يحفظ الله عليك دينك وإيمانك وأن يرزقك الاستقامة.

   2- احذر الشيطان: قد يقع لك في يوم العيد نوع من التراخي نتيجة شهر كامل من الاجتهاد والعبادة المتواصلة في الوقت الذي يُطلق فيه سراح الشيطان الذي لا محالة سيكون مسعورا وهائجا مائجا نتيجة اعتقاله طيلة ثلاثين يوما ونتيجة اجتهادك في العبادة، لذلك سيسعى بكل خيله ورجله وبقوة لأن يثبطك ويُقعدك عن الفرائض والنوافل وأعمال الخير.

طالع أيضا  يا باغي الخير أقبل (3): وقفات مع المرأة في شهر الصيام

   لذلك أخي الكريم عليك أن تنتبه لهذا اليوم والأسبوع الأول، حتى يعلم الشيطان أنك تغيرت وأن قدرتك على مقاومته قد ارتفعت، واحرص أن لا تكون كريطة بنت سعد التي كانت تغزل طول يومها غزلا محكما ثم تنقضه أنكاثا (أي تفسده بعد إحكامه) قال تعالى: ” ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ”

   فلا تنقض أخي الكريم غزلك الذي أحسنت غزله في الشهر الفضيل.

   3- لا تنس صيام ستة أيام من شهر شوال، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر” (رواه مسلم).

   وسأسوق هنا- تعميما للفائدة بعض الفوائد من صيام الست من شوال من كلام الحافظ ابن رجب، يقول (رحمه الله): ” إن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله.

   إن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة.. وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل فيحتاج إلى ما يجبره من الأعمال.

   إن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب كما سبق ذكره، وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر وهو يوم الجوائز، فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكراً لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب،كان النبي يقوم حتى تتورّم قدماه فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟! فيقول: “أفلا أكون عبداً شكورا””.

   4 – لقد أنعم الله عليك بعبادة طويلة واجتهاد عظيم في شهر رمضان، لكن من الصعب أن تحافظ على نفس البرنامج الذي كنت عليه في هذا الشهر لروحانيته العالية وخصائصه العظيمة التي أودعها الله فيه، كما أنه من الخطأ أن تترك كل شئ وتنقض غزلك، لكن من الممكن أن تحافظ على الحد الأدنى من البرنامج والذي يجب أن ينطلق من يوم العيد، وتذكر أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

طالع أيضا  يا باغي الخير أقبل(2): كيف نحيى رمضان؟

   وإليك بعض معالم هذا البرنامج التي يمكن أن تعتبر ثوابت يجب المحافظة عليها، ولك أن تجتهد أكثر بحسب استطاعتك:

   أ- حافظ على الصلوات الخمس في وقتها جماعة.

   ب- حافظ على قراءة حزبين في اليوم من القرآن الكريم حتى تختمه في نهاية الشهر.

   د- حافظ على نوافل الصلاة (اثني عشرة ركعة في اليوم والليلة): ركعتان قبل صلاة الصبح وركعتان قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان قبل العصر وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء.

   ه- واظب على صيام الاثنين والخميس والأيام الفاضلة كستة أيام من شوال ويوم عرفة وغيرهما..

   – إن كانت ليلة القدر تأتي مرة في السنة فهناك منحة إلهية وهدية ربانية تعرض علينا في كل ليلة ” ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه” (رواه الشيخان).

   حافظ على صلاة الليل ولو بأربع ركعات حتى تظفر بالهدية العظيمة: التوبة والمغفرة وقضاء الحوائج. ولا تنس الاستغفار بالسحر.

   – واظب على ورد يومي من الكلمة الطيبة ” لا إله إلا الله ” ومن الاستغفار والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

   – حافظ على خُلقك الذي كنت عليه في رمضان، وأغث الملهوف وواس الفقراء والمحرومين وساعد المحتاجين واقض حوائج الناس.

… ختامالقد كان رمضان نقطة بداية لا نقطة نهاية فلنحافظ على صلاح القلب وصفاء الروح والله المعين والموفق لصالح الأعمال.

اللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنهما إلا أنت.