تقديم   مقال كنت كتبت جله في مطلع محرم الحرام من هذه السنة الهجرية، لكن حالت دون إتمامه حوائل ومشاغل، واليوم عادت قضية التقارب الشيعي – السني لتعود إلى السطح بشكل مثير على خلفية ما صرح به الشيخ يوسف القرضاوي أحد كبار رموز ورجالات الاعتدال السني، وما جرته من ردود متشنجة من هذا الطرف أو ذاك، وصلت إلى حد التكفير والتبديع والقذف بالعمالة والخيانة، وهي تهم تاريخية متوارثة جاهزة شكلت على مدى أربعة عشر قرنا دائرة جهنمية حاصرت العقل المسلم وشلت حركيته في التاريخ والكون، وصار الخروج منها هو أشبه بالمستحيل إن لم نقل مستحيلا بالفعل، فعند أبسط خلاف أو أصغر تصريح تتهاوى سنين من الحوار والتقارب والتضامن، ولعل ما وقع مؤخرا خير دليل على ذلك، مما يجعل الحديث عن أي نوع من أنواع التقارب هو حلم إن لم يبن على أسس عقدية متينة تتعالى على التركة التاريخية المسمومة التي لا شك لأطراف أجنبية اليد الطولى في إذكاء جذوة فتنتها ولكن نظرية المؤامرة لا ينبغي أن تشل تفكيرنا.

عاشوراء: ما أعظم مصابنا أيها الإخوان!!!   عاشوراء جرح دام في وجدان أمة الإسلام لا يندمل وفجيعة عظيمة أصابت الأمة في مقتل، مأتم قائم توارثته الأجيال عبر القرون، ومجلس عزاء مفتوح لا يدرى فيه من المعزِّي ومن المعزَّى، قاصمة من القواصم هي مجزرة قتل الإمام الحسين رضي الله عنه وعلامة فارقة مفصلية في تاريخ المسلمين سبغت جميع مجالات حياتهم ووصمتها بوصمة الحزن والدم والفرقة والتنازع فانعكست على العقائد والفقه والتاريخ والسياسة والاجتماع والفلسفة والآداب والفنون…

   تحل ذكرى عاشوراء لتؤكد معاني التمزق بين شطري الأمة الشيعي والسني، فحين يحتفل الشق السني بالتاسع والعاشر من المحرم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي احتفى بنصر الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام والمستضعفين من بني إسرائيل على فرعون، فجعل من إحيائه لهذا اليوم انتصارا لقيم العدل والحق وتأكيدا على استمرار رسالة الأنبياء واستكمالا لهذا الموكب النوراني الرسالي الذي يؤكد قيم الانتصار للمظلومين والمستضعفين في الأرض، نجد أن الشق الشيعي يجعلها أيام مناحات وعزاء على سيد الشهداء وسبط أمير الأنبياء سيدنا الحسين رضي الله عنه وعترته الطيبة، ففي مثل هذه الأيام من المحرم داست سنابك الظلم والجور هامة رمز عزة الأمة وكرامتها وفتوتها وشرفها سيد شباب أهل الجنة بعد أن قام لينتصر لنفس قيم الحق والعدل التي أرسى دعائمها جده صلى الله عليه وسلم على مسمع ومرآى من أمة مغلوبة على أمرها، دخلت عصر الاستضعاف والاستعباد بعد أن استطاعت آلة بني أمية الاستبدادية أن تكرس نظام الحكم من شوروية نبوية راشدة إلى هرقلية كسروية يزيدية.

   كل مراجعة للعلاقة مع الشيعة شيعة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه حقيقة لا ينبغي أن تغيب عنا، لم تبدأ من فتح صفحات التاريخ  السقيفة وصفين أولها وعاشوراء ثانيها – للتأمل والتدبر في ما أفرزته “الفتنة الكبرى” وما نتج عنها من خدوش وجراح في جسم الأمة بمسؤولية وأمانة تتجاوز “التركة المسمومة” التي خلفها المتعصبون والمغالون من الطرفين هو شرعنة للاستبداد.

أسس الحوار   إن من أهم أسس التقريب الوعي المتبادل بضرورة التقارب وفرضيته، ولئن كانت الأمة في ما مضى من تاريخها استطاعت الحفاظ على وجودها في حده الأدنى فهي الآن مهددة في هويتها وذاتها، لذا فإن المدخل الحقيقي لأي تقارب شيعي سني في أفق وحدة كاملة هو الوعي الكامل بأن مسألة الوحدة هي اختيار استراتيجي لحفظ أمن الأمة ووجودها ومستقبل أجيالها. وهذه مسؤولية العلماء والمثقفين والنخب السياسية والفكرية التي ينبغي أن تخرج بالأمة من (التركة المسمومة) وأن تتخلص من سطوة الجماهير وضغط الشارع العام بمخزونه العاطفي وأن تسعى لتوجيهه التوجيه السليم من غضبية نحو عموم أهل السنة إلى غضبية على الظلم ورأسه ما فعله بنو أمية من جرائم في حق الأمة لعل أفجعها رمزيا قتل سيدنا الحسين لكن عمليا أخطرها هو تحويل النظام السياسي والاجتماعي للأمة من نظام قائم على العدل والشورى ووحدة الأمة إلى نظام استبدادي كان السنة أكبر ضحاياه.

   وبالمقابل فعلى أهل السنة الذين انسلكوا في دين الانقياد للحاكم كيفما كان نوعه -طوعا أوكرها- أيضا أن يتفهموا الظروف التاريخية التي شكلت العقل الشيعي عقديا وفقهيا وسياسيا ويلتمسوا الأعذار لإخوانهم الشيعة فأجواء السرية والانكفاء على الذات الاختياري طورا والاضطراري طورا آخر التي عاشها الشيعة تاريخيا وتعرضوا خلالها لشتى أشكال الاضطهاد والجور، كانت بيئة مناسبة لتشكل العديد من العقائد والتصورات المنحرفة عند الشيعة، كما أنها خلفت عاهات نفسية مستديمة عند جمهورهم غذتها قوة الشحن العاطفي (المناحات، مجالس العزاء، احتفالات عاشوراء) في اتجاه رفض أهل السنة ورموزهم فنتج عن كل ذلك نوع من العصبية المقيتة، التي أجهضت كل فرص التقارب، تقارب لن يكون إلا بالحوار الجدي المسؤول والواضح بين علماء الأمة بشقيها، فجلسات ومؤتمرات العلاقات العامة التي تعقد هنا وهناك تتبادل فيها عبارات المديح والمجاملة والأحضان والعناق بدون خطوات عملية للتقارب لن تجدي نفعا أبدا.

   ومن أهم الخطوات التي تقتضي “المصارحة القاسية” بين الطرفين، الاتفاق على مرجعية تاريخية موحدة برجالها وأعلامها ووقائعها تكون أرضية لبلورة مشروع تربوي ثقافي جامع على المدى البعيد يستهدف الأجيال القادمة بتبادل مراكز البحث والجامعات والحوزات والزيارات العلمية لأن من شأن ذلك أن يساهم في بناء جسور الثقة بين السنة والشيعة من جهة ويساهم أيضا في محو أمية وجهل كل طرف بالطرف الآخر فعموم أهل السنة لايميزون بين الشيعي والشيوعي، وإن ميزوا فالشيعة عندهم كفار بإطلاق،-مع أن الأزهر أعتبر الجعفرية والزيدية مذاهب إسلامية كالمذاهب الأربعة مند سنة 1960- والعكس صحيح فأغلب أهل السنة عند الشيعة كلاب ممطورة ووهابية ضالون.

إيران والمسؤولية التاريخية   وفي هذا الإطار تقع على الدولة في إيران باعتبارها قطب الشيعة في العالم -تاريخيا ونموذجا- خاصة بعد ثورة 1979، الآن مسؤولية تاريخية جسيمة تتمثل في أخد المبادرة لتطوير التقارب السني الشيعي، فإيران كيان سياسي يملك سلطة القرار، فقراره وإرادته داخليا حرة رغم الإكراهات الدولية والإقليمية، وإيران الآن دولة قوية موحدة وليست كباقي العالم الإسلامي السني المشتت سياسيا واقتصاديا وحتى مذهبيا وتابع في أغلبه لقوى خارجية، مما يجعل قرار التقارب صعبا إن لم نقل مستحيلا، فحتى السعودية التي تحاول أن تقدم نفسها كقطب للسنة وحامية لهم في العالم بما تملكه من قوة مادية وما تملكه من رمزية خدمة البقاع المقدسة لا تحظى بإجماع في العالم السني لاعتبارات مذهبية وفقهية، أما إيران التي نجحت في أن تكون دولة وازنة في المنطقة على المستوى السياسي والدبلوماسي وأيضا العسكري إن لم تستطع الخروج من النظرة المذهبية الضيقة الموروثة والعصبية المسيطرة لقرون طويلة، ولم تتوقف على أحلام تصدير الثورة وأحلام نشر المذهب الشيعي في العالم السني لن تكون مع الموعد ولن تكون في مستوى التحدي العالمي الذي يهدد العالم الإسلامي برمته، وإيران إن لم تستطع بجهود عقلائها ومتنوريها أن تتخلص من الطائفية الجماهيرية ونشوة الاستعلاء التي قد تخامر قادتها بسبب انتصارات نموذجها الداخلي بعد نجاح ثورة الإمام الخميني ونموذجها الخارجي بعد انتصارات حزب الله، أن توجه شارعها الشيعي لخدمة قضية توحيد الأمة تكون خسرت معركتها التاريخية مع العدوان الخارجي لأن الشارع السني مهما كانت الاختلافات يبقى امتدادها وسندها الشعبي والعقدي.