مفاهيم مغلوطة   يثير لفظ الحركة الإسلامية التباسا لدى العديد من الناس حول مدلوله والمعني به، فمنهم من يضيقه حتى لا يكاد يستوعب إلا تنظيمات قليلة، ومنهم من يوسعه حتى يصبح فضفاضا يستوعب كل شيء. وغاية هذه الدراسة تحديد دلالة المفهوم ومحدداته وخصائصه ليسهل بعد ذلك تحديد التنظيمات التي يمكن اعتبارها حركات إسلامية. وغير خاف أن هذا الأمر مهم في ظل ركام مفاهيمي واصطلاحي.

   فأول ما يعترضك وأنت تتتبع الإعلام السائد، مسموعا كان أو مرئيا أو مقروءا، سيلٌ عارمٌ من المصطلحات يتبادر إلى ذهن المتتبع “العادي” أنها مجرد أسماء لمسمى واحد، ولا مشاحة في الاصطلاح، أو كما قال الأصوليون “إذا اتضحت المعاني فلا حجر على المباني”. لكن الباحث المتعمق يعرف أن المصطلح ينشأ في بيئة تعطيه مضمونا معَيَّنا، و قد يكتسي من جراء التداول حمولة لا يمكن التنكر لها إلا بإعطاء مدلول آخر للمصطلح أو الوقوف على دلالته الحقيقية سواء لغة أو اصطلاحا أو تاريخا، وصحة هذا الكلام ستتضح حينما نتناول بالتحليل مصطلح الحركة الإسلامية وغيرها من المصطلحات التي تبدو من الوهلة الأولى متشابهة مثل “الأصولية”، “التطرف”، “الصحوة”، & لكن لِمَ كل هذا العناء ؟!!؟

   هذا الركام الاصطلاحي يضع الباحث أمام خيارين، على اختيار أحدهما تعود نتائج البحث، إما أن يخلط بينها باعتبارها أسماء لمسمى واحد، وإما أن يميز، للاختلافات الموجودة بينها. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن العديد من هذه المصطلحات تلقى رفضا من قبل الإسلاميين، إما لأنها تستعمل في سياق قدحي أو لتعارض حمولتها الإديولوجية مع مضمون ما يدعون إليه؛ ولنأخذ مثلا مصطلح الأصولية فنستقرئ وجهة نظر إسلامية في هذا الوصف وخلفياته الإيديولوجية، يقول السيد حسين فضل الله: “عندما نستنطق الأصولية كمصطلح غربي، فإننا نلاحظ أن الغربيين يحاولون أن يعطوا الأصولية أكثر عناصر السلفية، لأنهم يجعلونها في دائرة الاستغراق في الجذور من دون الانفتاح على الآفاق (..) كما يحاولون أن يعطوها صفة العنف التي تنطلق في إلغاء الآخر بالمستوى الذي تبتعد فيه عن الانفتاح عليه حتى في دائرة الحوار”(1)، تحفظ إذن أساسه استبطان الوصف لدلالات الماضوية والتقوقع على الذات والعنف والإقصاء، وهذه المعاني يؤكدها الأستاذ عبد الهادي بوطالب حينما يعرف الأصولية: “استعمال لفظ الأًصولية في لغتنا العربية إنما هو ترجمة حرفية لكلمة (Fundamentalism) الإنجليزية (..) ولا تستعمل إلا قليلا في اللغات اللاتينية، ولها علاقة كما هو معلوم بكلمتي (Fondation) و(Fendement)، وتزدحم في التعابير الثلاثة معاني التأسيس والتأصيل والقاعدة والحقيقة والجوهر (..) لكن مصطلح “فوندمانتاليزم” له معنى آخر في لغة الكنيسة البروتيستانتية الأمريكية، فهو يشير إلى حقيقة تاريخية عاشتها الكنيسة في بداية قرنها هذا، عندما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية نزعة دينية أطلقت على نفسها اسم الأصولية (..) وكانت تطالب بالتشبث بحرفية نصوص الإنجيل والتمسك بالأصولية الكنسية وتعارض تأويل النصوص (..) وقد تطورت هذه النزعة من مناهضة التقدم المادي وما يتصل بقضايا التحديث والمعاصرة إلى تحريم دراسة بعض النظريات التي توصف بالعلمية كنظرية داروين حول التطور التي تقدمت بمبادرة تحريمها إلى الكونغريس سنة 1918 جمعية أنشئت لذلك باسم “الجمعية الأصولية لمسيحي العالم” (World s Christian Fundamental Association)(2)، ثم يعلق: “وإذا كان إطلاق لفظ الأصولية في معناه الأول على الظاهرة الإسلامية لا يعتبر حكما تقييميا لها أو عليها، فإن إطلاقه على الظاهرة في معناه الثاني يعبر عن تضمينها في نطاق النزعة الأصولية البروتستانتية الأمريكية المتحجرة المناهضة للتطور والتقدم والتحديث وهو ما يرادف لفظ (Integrisme)(3). وفي رفض التحجر والتقوقع يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “نفهم ونمثل بالسلوك أننا لا نعتبر الغرب ولا الشرق الجاهليين شيطانين ملعونين، لكن نعيد طرح السؤال والنقد، كل مسلمة علمية وكل مبدإ علمي، وكل ترتيب وكل مكتسبات العقل البشري والجهد البشري هي مكتسباتنا، هي حق إنساني ليس لأحد أن يضيمنا فيه”(4).

طالع أيضا  الحركة الإسلامية: قراءة في المفهوم والوظيفة والسياق(2)

   يتحصل إذن أن الوصف ادعاء، فليس هناك إلغاء للآخر أو ماضوية أو عنف، وإنما الأمر تفاعل مع الحاضر واستفادة من كل إيجابياته، لأن الحكمة ضالة المؤمن والاستعانة على كل صنعة بصالح أهلها أمر مطلوب، وفي كتاب الله الدعوة لإمعان النظر في كتاب العالم. وإن ما ينطبق على هذا الوصف ينطبق على أوصاف أخرى، ولا نرى طائلا من تتبع كل واحد على حدة، وحسبنا أن الجامع بينها سياقها القدحي، والرفض المبدئي لها من قبل الإسلاميين.

   بعد أن تناولنا نموذجا للمفاهيم المرفوضة من قبل الإسلاميين وأسباب رفضها، ننتقل لنوع ثان، وهو المفاهيم التي يشوب مضمونَها غبشٌ لا يصل إلى النوع الأول، ونأخذ لذلك مثالا: مصطلح الصحوة. فما معنى الصحوة الإسلامية؟ وما الفرق بينها و بين الحركة الإسلامية؟

   الصحوة الإسلامية: “الصحو في اللغة يطلق على الصحو من السكر، أو على صحوة القلب بعد غفلته أو غفوته، أو على الصحو بعد نوم أو نعاس خفيفين”(5). والصحوة أيضا ترجمة لكلمة إنجليزية (Revival) ونظيرتها بالفرنسية (Reveil)، لكنها تعبير عربي فصيح مشتق من صحا من النوم أو السكر بمعنى أفاق وأخذ يحس: أي الدخول في استعادة الوعي بعد فقده نتيجة مانع طبيعي هو النوم، أو اصطناعي هو السكر. والعرب يعتبرون هذه الصحوة قوة واعية، وينيطونها بالعقل أو القلب. ومن ذلك قول جرير في حاشيته المشهورة: أتصحو أم فؤادك غير صاح ؟. ويمكن أن يكون اشتقاقها من “صحت” السماء إذا انقشعت سحبُها فبرزت الشمس وتبدد الظلام”(6)

   والمتتبع لمسيرة الأمة يلاحظ غفلة ونومة وتراجعا عن أداء رسالتها العمرانية، ونومة أفقدتها مقومات وجودها: خيريتها المؤمنة الناصحة “كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله” (آل عمران، آية 110)، ووسطيتها الشاهدة “وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس” (سورة البقرة، آية 142)، ووحدتها الجامعة “وإن هذه أمتكم أمة واحدة” (الأنبياء، آية 91).

طالع أيضا  الحركة الإسلامية: قراءة في المفهوم والوظيفة والسياق(3)

   لكن مع أوائل هذا القرن شهد العالم الإسلامي انبعاثا جديدا قوامه الانتشار الكبير للتعاليم الإسلامية وسط المسلمين بمعناها الشامل (علاقة الإنسان بربه، وبالإنسان، وبالكون). هذا الانبعاث هو ما يمكن وصفه بالصحوة الإسلامية فهي “تمثل اليقظة الإسلامية التي تعيشها الأمة في انفتاحها على إسلامها من خلال الصدمة التي تعيشها في واقع التحديات التي واجهتها الأمة في غفلتها عن حركة الإسلام في الواقع، وعن أصالته فيم وقع الحياة (..)، الصحوة تمثل الحالة العقلية والعاطفية والواقعية التي يتحرك فيها المسلمون في مواجهتهم للمستقبل على أساس ما يحمله الإسلام من غنى ومن فرص كثيرة للوصول إلى الأهداف الكبرى (..) ليخرجوا من حالة اليأس إلى حالة الأمل والثقة بالله ولينطلقوا بعيدا عن حالة الانهزامية إلى حالة التخطيط للنصر”(7). الصحوة إذن مؤشر يقظة، وأمل ثقة بعد طول غياب وشعور بيأس وانهزام تنامت حتى أصبحت حقيقة قائمة وأمرا واقعا يشغل بال الغيورين والمتربصين على السواء، وشاع الحديث عن الخطر الإسلامي باعتباره المهدد الأول لمصالح الغرب والسد المنيع أمام توسعه، ولا غرو أن تتعالى أصوات غربية بضرورة الإبقاء على الحلف الأطلسي لمواجهتها، “لم يعد يشك أحد في أهمية الحضور الذي أصبحت تتمتع به الحركات الإسلامية داخل أقطار ما يسمى بالعالم الإسلامي (..)، لهذا ليس عبثا أن تتولى وكالة المخابرات الأمريكية في سنة واحدة 1983 التمويل الكامل أو الجزئي لأكثر من 120 مؤتمرا أو ندوة في موضوع واحد هو الصحوة الإسلامية”(8)، ولهذا التنامي الإسلامي تجليات في الواقع، نجملها في تجلي عام، وآخر خاص.

   1- التجلي العام: العمل بالإسلام: وهو ما تعرفه شعوب دول العالم من رجوع واسع للدين، وتطبيق له في مجالات الحياة على اختلاف حيثياتهم الاجتماعية والعلمية، لكن يبقى عاما لأنه يقتصر على العمل بالإسلام.

طالع أيضا  الحركة الإسلامية: قراءة في المفهوم والوظيفة والسياق(4)

   2- التجلي الخاص: العمل للإسلام: يستوعب الأول ويتجاوزه إلى العمل للإسلام، وهذا يتضح مما يلي:

       – تنامي نشاط خطباء المساجد والتفاف العديد من الناس حولهم (كشك، المحلاوي، الزمزمي، بن الصديق..).

       – تنامي نشاط الجمعيات الإسلامية ذات الأهداف الخيرية الاجتماعية.

       – تنامي الطرق الصوفية.

       – تنامي نشاط المفكرين الإسلاميين غير المرتبطين بأي تنظيم إسلامي.

       – تنامي نشاط التنظيمات الإسلامية، أو ما يصطلح عليه بالحركات الإسلامية، حيث عم وجودها كل الدول الإسلامية. لذلك فالحركة الإسلامية لا تشكل سوى تجلٍّ من تجليات الصحوة الإسلامية.

   في حلقة قادمة نتناول مفهوم الحركة الإسلامية.

——————————————–

(1) حوارات مع السيد حسين فضل الله، “خطاب الإسلاميين والمستقبل”، ط 2، 1996، دار الملاك  لبنان، ص 23.

(2) عبد الهادي بوطالب، “قراءة في مفاهيم”، مقال في مجلة “الأكاديمية” العدد 11، 1994، ص 17-18.

(3) ن. م. السابق.

(4) عبد السلام ياسين: “الإسلام والقومية العلمانية”، ط1، 1989، دار الخطابي  فضالة، ص130.

(5) “لسان العرب” لابن منظور، نقلا عن جريدة المحجة، عدد 16، 31 أكتوبر 1994، ص7.

(6) عبد الهادي بوطالب: & . م س: ص 26.

(7) حسين فضل الله: “خطاب الإسلاميين والمستقبل”، م. س. ص20.

(8) صلاح الدين الجورشي. مقال في “الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية”، إعداد وتقديم: فهد النفيسي، ط1، 1989، مكتبة مدبولي، ص219.