توطئة   إذا كانت سورة “الفتح” ترتبط بصلح الحديبية الذي أسس لفتح مكة، وسورة “الأحزاب” ترتبط بغزوة الخندق، وسورة “التوبة” ترتبط بغزوة تبوك، فإن سورة “الأنفال” تتناول بالتحليل، وبتفصيل، غزوة بدر الكبرى أم الغزوات التي شكلت حدثا عظيما أشّر لدخول الدعوة الإسلامية مرحلة جديدة لتستشرف من خلالها آفاق العالمية بعد اندحار العدو التقليدي للدعوة ممثلا في قريش، لذلك ستظل -غزوة بدر الكبرى- ملحمة حبلى بالدلالات. والمسلمون اليوم أكثر من أي وقت مضى في أمس الحاجة لتأمل الغزوة سياقا وإعدادا وتعبئة وتدبيرا واستثمارا، في محاولة لاستلهام الدروس والخطط لانبعاث المسلمين ويقظتهم من سباتهم منذ قرون، حيث انتهكت منهم الأعراض، واستبيحت منهم الدماء، ودنست على مرأى ومسمع منهم المقدسات، وسلبت منهم الثروات، وصاروا قصعة الأمم بالتعبير النبوي.

   ما شروط انبعاث المسلمين ليكون لهم موقع ومكانة بين الأمم؟ سؤال مشروع ووجيه يروم المقال محاولة الإجابة عليه من سورة “الأنفال”.

تـأطير   من الخطإ اعتبار غزوة بدر الكبرى حدثا وإنجازا عسكريا مجردا عن سياق تاريخي، بل هي تتويج لعمل دؤوب منذ انطلاق البعثة النبوية، حيث دشّن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشروع الإسلامي لإنقاذ البشرية من الضلال والتيه وإقامة الوجهة لله تعالى وتحقيق العدل والكرامة للإنسان. وما أروع بلاغة الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه يلخص رسالة الإسلام جوابا على سؤال رستم قائد جيوش الفرس: من أنتم؟ وماذا تريدون؟ ” نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.”.

معالم التربية الإيمانية لرجال بدر الكبرى   مشروع في هذا العمق والضخامة تطلب إعدادا جيدا ومن نوع خاص للجيل الذي سيحمل المشروع ويبلغه للآفاق، حددت سورة “الأنفال” مواصفاته ومعالم تربيته أثناء مرحلة “كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة” قبل الهجرة، تربية تؤطّرها التقوى ومن تجلياتها:

   1. دوام الذكر، وتلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، وإنفاق المال إحياءً للقلوب وترقيا في درجات الإيمان: “إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا..”(4)

   2. التضرع والافتقار بين يدي الحق سبحانه: “إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله..”(9،10)

   3. إخلاص النية وتصحيح القصد في أي عمل: “ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط.”(48)

   4. طاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم باعتباره القائد الموجه وعدم خيانته: “يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول، وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون.”(27)

   5. اليقين في قدرة الله تعالى فهو الفاعل: “فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بـلاءً حسنا، إن الله سميع عليم.”(17). هو سبحانه يفعل وينسب لعباده نيلا للثواب والأجور جزاء صدقهم.

   6. تآلف الصف فلا تباغض ولا تحاسد ولا صراعات تنافسا على زعامة أو جلبا لمصلحة، وإذا حدث -وهذا طبيعي ووارد- فإصلاح ذات البين أمر واجب حفاظا على تلاحم الصف، فلا عجب أن يكون أول أمر قرآني هو: “فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم.”(1)، لأن الفرقة والتنازع تذهب القوة وتشتت الجهود: “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.”(47). ورحم الله تعالى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يقول للجند:” لا يخرجن معنا اليوم من آذى جاره”. وتآلف الصف وتصافيه نعمة إلهية ذكّر بها الحق سبحانه نبيه الكريم إشارة إلى أهميتها: “هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم.”(63)

   7. إعداد العدة والأخذ بالأسباب في حدود المستطاع: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم..”(61)

   8. الثبات عند الزحف وأساسه الثقة في معية الله تعالى مع جنده، ووسيلة ذلك هو دوام الذكر: “يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولّوهم الأدبار..”(15)، “يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون.”(46)

   9. الشورى وصناعة القرار بشكل جماعي ضمانا للانخراط الإيجابي في المشروع، وفي غزوة بدر الكبرى موقف عظيم ناصع للشورى حقق تماسك صف المسلمين، فبعد أن أفلتت القافلة وأمام إصرار صناديد قريش على قتال المسلمين استشار رسول صلى الله عليه وسلم قادة الجيش مناديا فيهم “أشيروا علي أيها الناس” فتدخل من ينوب عن المهاجرين ومن ينوب عن الأنصار كل على حدة، وأجمعوا على المواجهة في مشهد صدق رائع عبّر عنه سعد بن معاذ نيابة عن الأنصار، جاء فيه:” … فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منها رجل واحد..” فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد وقال: “سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.”

   10. التعبئة رفعا للمعنويات وشحذا للهمم: “يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون.”(66)، وبعد قرار المواجهة الحربية “عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده: “هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله.”

شروط النصر ومقتضياته    من خلال ما سبق نخلص إلى شروط النصر التالية:

   1. قيادة ربانية تجمع بين الأهلية للتربية، وتقدم بقدوتها فعلا ومقالا وحالا نموذجا حيا للصدق والتضحية.

   2. مشروع يحظى بالإجماع يلبّي المطالب ويستجيب للحاجيات ويحقق العزة للأمة.

   3. إعداد حاملي المشروع وتأهيلهم الذي استغرق ثلاث عشرة سنة استأصلت من نفوس جيل ملحمة بدر الكبرى الأنانية والوهن والشح والجبن والتسويف والاتكال والتهور والارتجال والـولاء للعشيرة وللقبيلة، ورسخت بالمقابل في القلوب حب الله وحب رسوله وحب المؤمنين والإيثار والتضحية والصبر والشجاعة والانضباط والتخطيط والولاء والتحزب لله ورسوله، فاستكملوا مواصفات جند الله ومعايير الانتساب لحزب الله الموعود بالنصر والتمكين تحقيقا لقوله تعالى: “ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون.”(سورة المائدة:57)، وقوله جل في علاه: “أولئك حزب الله، ألا إنّ حزب الله هم المفلحون.”(سورة المجادلة:21). أهّلهم الإعداد النبوي لاكتساب خصال الخير وشعب الإيمان وشرف الانتساب لحزب الله لما تحققت فيهم معايير العضوية ليكونوا مؤمنين حقا وهي: الإيمان بالله أصل، والهجرة والنصرة والجهاد بالنفس والمال عربون صدق، معايير ختمت بها سورة “الأنفال” لتظل معالم طريق الرجولة الإيمانية واضحة ناصعة ـ لن تتغير رغم تغير الأزمنة والظروف ـ لكل طالب راغب في الالتحاق بصف المؤمنين حقا ليكون من حملة المشروع ورجاله، يقول تعالى: “إن الذين آمنوا وهاجروا وجـاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض. والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا… والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم… والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم.” (72..76)

   على قدر ربانية المربي المعصوم صلى الله عيه وسلم وصدق الصحابة واستعدادهم في طلب وجه الله تعالى أثمرت التربية النبوية جيل غزوة بدر الفريد الذين أيد بهم الله تعالى نبيه ونصر دينه في زمن قياسي، فاستحقوا الثناء الإلهي، يقول تعالى في خواتم سورة “الفتح”: “محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا…”.

   وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.