من المقولات المأثورة عن المغرب هي “مادمت في المغرب فلا تستغرب”. فقد أضحت هذه المقولة علامة مميزة ملازمة للمغرب تتردد على كل لسان لا يستوعب ما يحدث، أو لهول ما يرى.

   فبينما تحاول الدول ذات التاريخ الأسود في مجال حقوق الإنسان تلميع صورتها وتحسينها أمام المحافل الدولية والمنظمات الحقوقية، نجد المخزن المغربي يتمادى في قهره وقمعه للمغاربة دون اعتبار لأي قيم أو معايير.

   فقد أبى مخزن العهد الجديد إلا أن تكون له سنوات رصاصه سيرا على خطى السلف وفاءا للنهج القديم. فبعد ما سمّي بالعهد الجديد والتطبيل والتهليل الذي صاحبه، بدأ المغاربة يستفيقون على الحقيقة المرة بأن لاشيء تغير، بل إن الأوضاع ازدادت سوءا على ما كانت عليه وعلى جميع المستويات: اقتصاديا، اجتماعيا، سياسيا وثقافيا. وما التقارير الدولية والوطنية الصادرة مؤخرا حول وضعية المغرب عنا ببعيد، والتي أظهرت أن المغرب يقبع في ذيل الترتيب في جميع المجالات بما فيها الرياضة.

   ولإخفاء هذه الكوارث وامتصاص غضب الشعب وجد المخزن أن أفضل وسيلة هي الإكثار من السهرات وصرف أموال الشعب على “الفن” الهابط، الذي أصبح المشروع المجتمعي للمخزن، بينما لا يجد الآلاف من أبناء هذا الوطن أجرة الاستحمام -في الحمّامات العمومية-، فبالأحرى أن يستطيع الواحد منهم فتح بيت، كما قالت تلك المرأة من “سيدي إيفني”.

   فقد استمرت سياسة المداهمة والمنع لمجالس “العدل و الإحسان” واعتقال جميع من فيها بما فيهم الأطفال، وتقديم المئات من أعضائها للمحاكمة رغم اعتراف العديد من المحاكم بشرعيتها، في استهتار كلّيّ للقانون الذي وضعه المخزن نفسه. هذا القمع والمنع عرف وتيرة متصاعدة منذ سنتين على خلفية النجاح الذي حققته الأبواب المفتوحة وما أعقبها من تصريح غريب لوزير الداخلية: “إن جماعة “العدل والإحسان” بتكثيفها لأنشطتها تكون قد خرقت القانون!”. هذا التصريح العبثي يذكرنا بتصريح أستاذه الذي علّمه القمع بأن الحصار المفروض على الأستاذ عبد السلام ياسين هو حماية له!!!

   كما استمر القمع في حق الطلبة والمعطلين وتوزع على طول المغرب وعرضه بحيث لم تسلم منه أي منطقة.

   فبمجرد أن تضع اسم المغرب على “اليوتوب” تصاب بالتخمة لكثرة ما هو معروض من انتهاكات لحقوق الإنسان، واعترافات يندى لها الجبين. وأصدق مثال على ذلك ما تناقلته وسائل الإعلام الدولية -أما المحلية فتئنّ تحت قبضة المخزن- من مشاهد منقولة عن اليوتوب حول أحداث “سيدي إيفني”، والتعامل المخجل في حق أبناء “سيدي إيفني”، بعد أن أطلق وزير الداخلية يد قوى القمع على سكان عزّل إلا من حقوقهم المشروعة.

   هذه الأحداث التي لو وقعت في دولة تحترم شعبها لقدمت الحكومة استقالتها وقدمت اعتذارا رسميا لمواطنيها، أما في مغرب التناقضات فالمجرمون والفاسدون يتم ترقيتهم وتحصينهم من المتابعة، وما قضية “النجاة” -التي ذهب ضحيتها الآلاف من الشباب والتي كان بطلها عباس الفاسي- عنا ببعيد، فالمخزن يأبى إلا أن يكرّم خدّامه.

   فالمغرب مليء بالغرائب والعجائب، تكمّم فيه أفواه الصادقين ويترك فيه العنان للمفسدين. انتخاباته شكلية ومضيعة للوقت والمال، فبمجرد ما يحصل أي حزب على الأغلبية حتى يطلع علينا الوزير الأول المعيّن بأنه يطبق برنامج الملك. أما نخبه فمدجّنة ترضى بأن تكون شاهد زور، وقد صدق الفقيه البصري رحمه الله الذي كان في المنفى عندما سئل يوما عن عودته إلى المغرب فقال: لا أريد أن أعود وأفتح دكانا.

   إن ما يقع في المغرب يجعل “رسالة إلى من يهمه الأمر” للأستاذ عبد السلام ياسين حاضرة بقوة رغم محاولات الطمس والتعتيم، وهو الذي حذّر سابقا ممّا يقع لكن لا حياة لمن تنادي.

   فمرة أخرى… “جميعا من أجل الخلاص”…