مرة أخرى يتأكد زيف شعار “دولة الحق والقانون” فيما غدا يعرف بقضية المدون المغربي محمد الراجي الذي توبع بمقال نشره في جريدة الكترونية بعد أن نشره في مدونته عبر فيه عن رأيه في الهبات والأعطيات الملكية وكونها ترسخ سلوك الاتكال والتقاعس والخمول، وهو رأي معروف متداول وشائع اعتبر موضوع تحليل في مقرر الفرنسية في الباكالوريا خلال سبعينيات القرن الماضي انطلاقا من قولة أحد الاقتصاديين الفرنسيين حيث قال:”donnez cinq sou à un pauvre c est retarder le développement cinq ans.”   وقبله فولتير: “بدل أن تعطيني سمكة علمني كيف أصطادها”، أي أن ما ذهب إليه المودون الراجي قراءة -مجرد قراءة- لما قد يترتب على الهبات والأعطيات من سلوك يتنافى والانخراط الجدي في التنمية والإنتاج؛ فهل بهذا يكون المدون قد أخل بالاحترام الواجب لشخص الملك؟ ولنفرض جدلا أن الإساءة حصلت وأن محمد الراجي يجب أن يتابع، فهل مسطرة المتابعة التي اعتمدت كانت سليمة؟ ثم ألا تعتبر إثارة قضايا كهذه وحشر شخص الملك في كل صغيرة قبل الكبيرة إساءة حقيقية للملك؟ وهل بهذه المتابعات -دون وصفها- ستحمى هيبة شخص الملك؟

   المسألة أكبر من تراجع المحكمة عن قرار إدانة المدون المغربي محمد الراجي وتمتيعه بالسراح المؤقت، لأنه تبين أن شروط المحاكمة العادلة غير متوفرة، بل النازلة بما تمثله من تهديد لحرية الأشخاص في الرأي والتعبير تقتضي فتح تحقيق عن ملابسات القضية بدءً من تحريك مسطرة المتابعة وانتهاءً بإصدار حكم بالإدانة للمدون المغربي الذي صنعت له العقلية المخزنية شهرة طبقت الآفاق. فتح تحقيق في النازلة ضروري صونا لحريات الأشخاص وحقهم في التعبير عن آرائهم وفق الضوابط المعتبرة، وفتح نقاش سياسي جدي حول مصداقية القضاء الذي يتم توريطه في كل مرة بالتعليمات والتعليمات المضادة، فمكالمة ساخنة تأمر بالمتابعة والإدانة، وأخرى تستغرب وتستنكر المتابعة وتأمر بالتراجع عنها، وهنا تحضرني المقولة الشعبية التي تصور العقلية المزاجية للمخزن: “طْـلعْ تَاكُلْ الكرموس، نزلْ شْكُونْ قالها لِيكْ”. إذن يوجد في المخزن فريقان أو تياران: فريق “اِطلعْ” وفريق “اِنْـزِلْ”، وبين إصدار الأمرين المتناقضين تتحرك أجهزة وتبذل جهود وتستهلك طاقة وتستنفر إدارات وتضطرب حركة سير وتحرر محاضر وتفعل مساطر وتعقد محاكمات تدين المتابع أو المتابعين وتستفز منظمات حقوقية محلية ودولية وتتحرك الصحافة تعبئ الرأي العام وتصدر أوامر خارج أوقات العمل أن أطلقوا المدون المغربي محمد الراجي الذي فاقت شعبيته في أيام شعبية “أوباما”.

   قضية محمد الراجي تؤكد هيمنة منطق التعليمات الذي يعلو ولا يعلى عليه، وتؤكد العزم الملح والحنين للعهد القديم حماية لمصالح ودرءً لما يترتب عن عملية التصحيح والإصلاح من متابعات للجناة الذي ورطوا البلاد في أزمات خانقة سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية استحال معها الترقيع والتدارك.

   وختاما، نسجل لرجال المخزن هذا “الإنجاز” الذي ولا شك سيفقد المغرب نقطا مهمة في الشأن الحقوقي، هو أحوج ما يكون إليها جلبا للاستثمار والسياح لإنعاش خزينة منهكة أصلا بنهب المال العام وسوء تدبيره. مثلما نسجل أن يقظة المخزن كبيرة، يراقب الخواطر ويحصي الأنفاس، بحيث لا يمكن أن يخفى عليه المتلاعبون بمصالح الشعب الناهبون مقدرات البلد العابثون بحقوق العباد المستغلون للنفوذ الممتصون دم الفقراء..، وهو -مع علمه ويقينه بما يقع- إذ لا يحرك مساطر المتابعة ولا يفتح محاضر المساءلة يكون شريكا فيما يُقترَفُ في حق العباد والبلاد يصبح شريكا وراعيا للفساد والعبث بمصالح الشعب.