1- حقيقة الإقرار بفشل السياسة التعليمية   يمكن نعت الموسم الدراسي 2007-2008 بموسم الإقرار الوطني والدولي بكارثية التعليم بالمغرب، ويمكن نعته أيضا بموسم التقارير حول التعليم بامتياز.حيث بدأت هذه التقارير بما تضمنه تقرير نتائج رائز PIRLS-2006(1) (نونبر2007) والذي صنف تلاميذنا في الرتبة ما قبل الأخيرة بمجموع نقط يساوي 323 بعيدا جدا عن المتوسط الدولي الذي يساوي506، نتيجة يمكن الوقوف عند دلالتها وعند نتائج روائز أخرى مثل TIMSS، … وفي 10 دجنبر 2007 أصدر “المجلس القطري للدائرة السياسية” لجماعة العدل والإحسان وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” نبهت إلى الأزمة العامة بالمغرب وإلى هول كارثة التعليم في المغرب، وفي مستهل سنة 2008 تم إصدار تقرير البنك الدولي تحت عنوان: “الطريق غير المسلوك: إصلاح التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” والذي صنف المغرب في المرتبة الرابعة من ذيل لائحة دول المنطقة، ثم تقارير منظمة اليونيسكو الدورية التي تضع الدول العربية برمتها في وضعية المراتب الذيلية بين لائحة دول العالم، وأيضا في فبراير 2008 أصدر المجلس الأعلى للتعليم بلاغ يتضمن الخطوط العامة للتقرير الذي سيصدره خلال أبريل 2008، ويهيئ الرأي العام لأهميته، ولتقبل ما فيه.وصدر التقرير تحت عنوان: “حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها”، وسجل إنجازات المدرسة المغربية، واختلالاتها، ثم تحدث عن مصادر هذه الاختلالات، ليتوجه نحو آفاق إنقاذ هذه المدرسة، وحدد ثلاث مجالات ذات أولوية للعمل: إلزامية التمدرس، وحفز المبادرة والتميز، ومعالجة مشاكل سماها إشكالات أفقية، وضرورة توفير الموارد اللازمة لإنجاح الإصلاح.

   وما ميز هذا التقرير كونه حدد مؤشرات رقمية تظهر لأول مرة الاعتراف الرسمي بالوضع الكارثي للمدرسة المغربية، وبفشل تدبيره للشأن التعليمي، الذي أشرف عليه مستشار الملك ومدبر سياسته في مجال التعليم “مزيان بلفقيه”، قبل صياغة “الميثاق الوطني للتربية والتعليم” وبعد إصداره والإشراف على تنفيذ مقتضياته، بكونه مسؤول اللجنة الملكية للتربية والتكوين وبعد ذلك مرحلة تقلده منصب الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للتعليم.

   إن الوضع المتردي والخطير لمنظومتنا التعليمية والذي اعترف به رسميا، والأزمة الخانقة التي عاشها ويعيشها قطاع التعليم، كان معروفا من المتتبع للشأن التعليمي (ميدانيا ومن خلال ما ينشر في وسائل الإعلام)، قبل أن تعلنها مجموعة التقارير السابقة، وقد نبهت كثير من الفعاليات إلى خطورة الوضع منذ مدة، بل لم تخل سنة أو مرحلة من مراحل “الإصلاحات” في مغرب “استقلال” من هذه التنبيهات، وكان الصمم أو الاستكبار والادعاء بصوابية “المخططات”، وضرورة انتظار النتائج مع الوقت.

   وكثيرا ما كان يزايد المسؤولون في خطاباتهم بضرورة إعطاء الدليل على عدم صحة الطريق الذي يسيرون فيه، في وقت كانوا يحتكرون فيه أرقام الإحصائيات، والنتائج الطامة لتدبيرهم.

   إن ابتعاد الأرقام الرسمية عن الواقع بكثير، لم يستطع إخفاء الوضع الكارثي للتعليم، خلال هذه المدة، ولعل هذا الواقع الذي لم تستطع “أرقام الأوراق” أن تخفيه، هو ما جعل السيد المالكي (الوزير السابق) يصرح في لقاء مع مديري الأكاديميات ونواب الأقاليم ويقول: “وأخلص إلى آخر نقطة، وتتعلق بما يجب أن نقوم به في أفق التحضير للدخول التربوي القادم (2006-2007)، ألا وهي التعامل بشفافية مع الأرقام. لا أقول بأنها كاذبة، ولكن تبتعد شيئا ما عن الواقع. فأصبح علينا من الضروري أن نتعامل بشفافية كبيرة مع الأرقام، لأنكم تساهمون في صنعها وصنعها مرتبط بنا جميعا، ويجب أن تعطوا أرقاما تجسد الواقع كما هو. فالأرقام التي تستعمل كمؤشرات في وضع الميزانية وبرامج العمل والمخططات تكون في بعض الأحيان غير مطابقة للواقع، وهذا لا يليق بنا كنساء وورجال تعليم وتربية. فالأرقام يجب أن تكون مرآة صادقة للواقع، أما إذا كانت عكس ذلك فلا يمكن أن نتقدم.” (2)

   هذا التصريح، يضاف له دخول الوزارة في شراكات وبرامج كثيرة مع عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية(3)، رغبة من الوزارة في الاستفادة من أكبر قدر من الدعم والمساعدات المالية الخارجية، “عفوا استفادة المسؤولين بالوزارة منها” (مثل:Apef procadem ; MEDA ; JIKA ; EPT ; MLA& ) جعل هذه الأخيرة تمتلك هي الأخرى أرقام وإحصائيات التعليم الميدانية، وأصبحت الوزارة ملزمة بتسليم تقارير عن وضعية القطاع بأرقامها الواقعية، وبذلك أصبح المسؤولون عن تسيير القطاع مضطرون للإعلان عن فداحة ما اقترفته أيديهم، وأصبح خطابهم يوافق الوضعية الكارثية للتعليم ميدانيا كما يعيشه المغاربة، أو كما يقول المثل “مضطر أخاك لا بطل”

   وإن كان هناك من مزية تحسب على هذا الانسياق وراء توجيهات المؤسسات والمنظمات الدولية، فهو اضطرار مسؤولينا للتصريح بكارثية سياسة تدبيرهم وفشلهم، ويكفي أن نورد ما جاء على لسان كاتبة الدولة للتعليم المدرسي في نهاية كلمتها أمام لجنة التعليم والشؤون الاجتماعية لمجلس المستشارين في دجنبر 2007، كاعتراف بما كان يحصل سابقا، حيث قالت: “بحيث صرنا لا نخفي شيئا عن شركائنا وعلى المهتمين بالشأن التربوي، وأعتقد أن هذه الخطوات هي التي يمكن أن تذهب بنا إلى المرحلة الحاسمة لتضمن لنا شروط النجاح.”(4)

   نعم هناك تصريح واعتراف بفشل السياسة التعليمية وكارثية تدبير المسؤولين، كما سبق وأن اعترف النظام بما اقترفه خلال “سنوات الرصاص” من فظاعات في حق المواطنين.

   فهل يمكن للنظام المخزني أن يقدم تعويضات للأجيال ضحايا “السياسات التعليمية” التي ضاعت من خلال ما اقترفه ويقترفه في حقها داخل المدارس المغربية، كما قدم تعويضات للضحايا “سنوات الجمر والرصاص” من خلال ما سمي بـ”هيئة الإنصاف والمصالحة”؟

   أما مبدأ محاسبة ومتابعة المسؤولين فهو من المحرمات في أدبيات النظام المخزني.

————————————————

(1) رائز PIRLS تشرف عليه الجمعية الدولية لتقويم التعلمات المدرسية بكندا (IEA)، شمل 45 دولة من مختلف القارات، ويهتم بمجال القراءة والفهم لدى تلاميذ السنة الرابعة (السن العاشرة تقريبا).

(2) كلمة السيد الوزير أمام السيدة والسادة مديرة ومديري الأكاديميات والسيدات والسادة النائبات والنواب الإقليميين يوم 16 فبراير 2006.

(3) بفعل توصيات الأهداف الإنمائية للأمم المتحدة، وتوصيات منظمة اليونيسكو، وبالضبط توصيات الفريق الرفيع المستوى لمتابعة برنامج التعليم من أجل الجميع.

(4) تقديم مشروع ميزانية 2008 أمام لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، الجمعة 14 دجنبر 2007، إعداد خلية الشؤون البرلمانية.