حينما تقدم التلفزة المغربية برامج وتحقيقات تقلب الأولويات وتكون سطحية لا تنفذ إلى عمق المعالجات ولا تتبع خيوط المشاكل والقضايا لتصل إلى أصولها وتكشف حقائقها الخفية.. تصبح الحقائق التي تكشفها هذه البرامج مقلوبة منقوصة تقدم قراءة مبتورة أو مشوهة لما يجري في المغرب، وإن كانت لا تخلو من إتقان مهني واحترافية…

   قدمت القناة الثانية ليل العاشر من رمضان الأبرك برنامجا تناول ظاهرة التهريب عبر الحدود بين المغرب والجزائر وعبر نقطة العبور بين مدينة الناظور ومليلية المحتلّة، ركزت فيه على العملية الجمركية ومعاناتها مع المهربين، الذين لا يمكن تصورهم وفق المعالجة المقدمة إلا مخربين، همج لا منتظمين ولا واعين، ولا شعور بالمسؤولية لديهم، بل لا شعور وطني لهم….

   صوّر البرنامج ما يعانيه الجمركيون من نقص في العَدد والعُدد، وما يقاسونه في يومهم من تبعات المهامّ الجسيمة الموكلة إليهم، فهم يواجهون التهريب والمهربين وجها لوجه….

   أما المهربون فهم ناس مخالفون للقانون يقومون بأعمال تخريبية مضرة بالاقتصاد الوطني ويجلبون  بلا ضمير حي- بضائع فاسدة ومواد غير صالحة ولا قابلة للاستهلاك يبيعونها في الأسواق المحلية….

   نقف هنا وقفة لنسجل أن هؤلاء “المهربين” ليسوا بالضرورة عصابات إجرامية كما يمكن أن يتصور بعض القراء، لأن الأعداد الكبيرة المقبلة على نقط العبور لا توحي بذلك، كما أن فظاعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المغرب تكذب ذلك. فربما يكون أغلب المهربين إذن مواطنين عاديين يسعون في كسب قوت يومهم… قوت أطفالهم وعيالهم.

   ومن لحظات الانتصار للبرنامج التي “تبيّن” “نباهته” و”يقظته”، تلك اللحظة التي كشف فيها حقيقة امرأة مخادعة وصوّرها على أنّها لا تحترف التهريب فحسب، لكنها مع ذلك تحترف الإغماء. فهو “انتبه” إلى أن هذه المرأة حاولت تسريب بضاعة ما فلما منعت تظاهرت بالإغماء، ثم رصدها وهي تعاود الكرة، لكن بعدما غيرت لباسها(الجلباب)، ثم لمّا كُشف أمرها تظاهرت أيضا بالإغماء.

   يا للإنجاز العظيم!!! كشفنا مخادعة.

   إنه لا بد من الاعتراف بأن جمع المعطيات الواردة في البرنامج وعملية المتابعة وتصوير الأحداث قد تمّت باحترافية (ولخبراء الميدان تقييم العمل تقنيا وفنيا)، لكن الاتجاه الذي ذهب فيه التحليل يقود رأسا إلى الخلط والإبهام بما لا يفيد معالجة ولا إظهارا للحقائق.

   والعجب كيف ينصرف البرنامج إلى التركيز على معاناة الجمركيين (ومعاناتهم حقّ لا غبار عليه، وإبرازها أمر جيد وطبيعي فهم من أفراد الشعب المغربي المنكوب اقتصاديا واجتماعيا) ويتمّ إغفال حال المدنيين – ويبدو أن معظمهم من النساء، مما يزيد الحقائق سوءا ومرارة- رغم أن الصور والأحداث الملتقطة طافحة بدلائل البؤس العميق والشقاء البيّن الذي يعيشون فيه….

   كان من أولى الأولويات أن تتم الإشارة إلى أن هذه الصور والأحداث -المؤسفة حقا- إنما تدل دلالة قطعية  لمن كان له أدنى حسّ من إدراك- على أن المغاربة، كثير منهم أو أغلبهم، يعيشون في أدنى مستويات الكرامة الآدمية، بل إن كرامتهم مهدورة إهدارا تامّا منكرا…

   كان ينبغي التوضيح أن ذلك البؤس المتفاقم وتلك الفاقة والحاجة الماسّة هي ما يدفع أولئك البؤساء إلى اتبّاع سبل التهريب وغيره… وليس في الأمر تبرير-كما سيسارع البعض للتعليق-، لكنّ فيه مسكا بجانب من جوانب المشكل الحقيقية التي تقودنا إلى تساؤلات سياسية واقتصادية واجتماعية هي عمق وغور القضية، حتى لا نكون سطحيين في المعالجة.

   ثم نكون على طريق المعالجة الحقيقية حينما نتتبع الخيط إلى أصله لنبيّن ونحدّد الأسباب الحقيقية الأصلية التي تؤدي إلى مثل هذا الواقع العفن، واقع التهريب وتداعياته وجوانبه السيئة، وهذه الخروق وهذه الفوضى، إلى أن نضع الأصبع على بؤرته عندما نحدد المسؤول عن كل ذلك  أشخاصا وممارسات- وعن طبيعة المسؤولية وكيف أدى تسلسل حلقاتها من أعلى الهرم نزولا إلى الواقع المرير الذي صوّر لنا جزءا منه البرنامج المذكور.

   وأما أن نصوٍّر امرأة على أنها مخادعة ونظن أننا أنجزنا شيئا ذا بال فذلك الوهم بعينه، ونعبر بذلك على سطحيتنا وقصورنا لا على حذقنا ونباهتنا وشجاعتنا… ذلك أن امرأة-ورجلا وشابا وطفلا- في حال من الفاقة والعوز والبؤس، وظروف سيئة تغنيك الصور المشاهدة عن البحث والتساؤل عن خفاياها المزرية… إن امرأة في مثل هذه الأوضاع المعيشية المؤلمة المبكية لا يمكن أن ننتظر منها  بعد احتراف التهريب- إلا التظاهر بالإغماء أو حتى بالموت أو الجنون…. بل إن ذلك هو أهون وأيسر ما يمكن أن تفعل. فهي في الحقيقة إنما تتحايل بالحيل الممكنة لتفوز لنفسها ولأطفالها، أو لأمّها العجوز أو أبيها المقعد… بلقمات تقلّ أو تكثر (وما لقماتٌ أمام ما ينفقه المتخمون بغير حق المسرفون في مال غيرهم؟) أو ربما لتفوز بمذقة حليب تدرّها ثدياها لرضيعها… (كناية عن الطعام الذي هو سبب إدرار الحليب في ثدي الأم).

   قد كنّا لنقبل أن تلك كانت فعلا نباهة ودقة وتحريا يقظا وكشفا لو أظهر لنا البرنامج من جهة أخرى  وهو من باب أولى وأسبق- مخادعة واحد  ولو واحد- من كبار المسؤولين، وكشف لنا ممارساتهم اللاإنسانية واللاوطنية في التلاعب بالأملاك والثروات التي لا تنبغي لهم لا شرعا ولا قانونا والتي هي سبب مباشر في تردي أوضاع المعيشة عند أولئك الذين يحترفون التهريب وغيرهم من طبقات المجتمع المغربي المهمّشة.. وبذلك هي سبب أصلي لآفة التهريب وخطرها.

   كنا لنقبل لو أن البرنامج، أو برامج موازية- كشفت وتحرّت عن التخريب الذي يتعرض له الاقتصاد الوطني المغربي على أيدي من وضعوا أنفسهم فوق القانون والمحاسبة والمتابعة والمساءلة، ومن هم في أوضاع سلطوية آمنة، تتيح لهم استغلال الاقتصاد للاستغناء الفاحش بقوة الهيبة المخزنية غير القابلة للمخالفة أو النقد أو الاعتراض…، لأن ذلك هو أنكى للاقتصاد الوطني وأقوى تخريبا له من التهريب… فإن كنا نفضح تخريبا قبيحا ونسكت عن آخر هو أقبح منه وسبب من أسبابه الرئيسة، فلا نزاهة ولا شفافية ولا تحقيق ولا برنامج… ولا إعلام. وأما إن كنّا نمجّد سياسات المسؤولين عن التخريب الأكبر ونصوّرها إلهاما ورشادا وسدادا .. وربما “وحيا”، فتلك الطامة العظمى، وذلك الإخفاق المبين.

   إن ما ظهر في البرنامج من صور ولقطات وأحداث تجري على الحدود ونقط العبور، وتخفي وراءها وفي طياتها ، بل تنبئ، عن حقائق معاناة المغاربة ومقاساتهم المعيشية اليومية.. -وهو ما كان سيؤدي في ظروف صحية سليمة طبيعية إلى ضجة وطنية تقيم الدنيا فلا تقعدها-، ليدعو  وهو ما لم ينمّ عنه البرنامج- إلى وضع المسؤولين سياسيا في البلد موضع المساءلة عن أحوال هؤلاء الناس، كيف وصلت إلى ما وصلت إليه؟ من أوصلها؟ بفعل من وصلت، وأي فعل؟ بخطإ من وصلت، وأي خطإ؟ تحت مسؤولية من، وبأي ممارسات؟، فهذا التحقيق، وهذا التحرّي، وهكذا إجلاء الحقائق وكشفها ومعالجة القضايا والمشاكل، لا أن نكتفي بالتفرج على الوضع من خلال تقديم برنامج تلفزي “هادئ” (لا حرارة فيه إلا فيما سكت عنه البرنامج ممّا يعيشه المغاربة من ضنك وفوضى) يبيّن واقع التهريب وبعض تفاصيله وأن الجمركيين يبذلون قصارى جهدهم رغم شح الموارد ويبلون في ذلك بلاء حسنا.. ثم نتفرّغّ بعد ذلك لبرامج الطرب والغناء والسهرة….

   فالقضية في نظر المتتبع للبرنامج تتمثل في وجود مواطنين مهرّبين مخربين يقومون بعمل مخالف للقانون والأخلاق، يقابلهم جمركيون (أو إدارة جمركية) يبذلون جهودا جبارة ومضنية خيّرة لمكافحة ومواجهة هذا العمل- الآفة. والاستنتاج والعلاج بسيط: تعزيز العملية الجمركية عددا وآليات بما يمكّن من إيقاف التهريب، وقد حلّ المشكل وانتهى الأمر!!

   إن المعالجة لا تكمن في التعزيزات الجمركية، فذلك ليس إلا جانبا ضيقا واستنتاجا سطحيا، بل القضية أكبر من ذلك، القضية قضية شعب معظمه يعيش في ضنك الفقر وبؤس الحاجة والعوز، بينما يرى نخبا من “المحظوظين”، بما يملكون من سلطة سياسية استبدادية تخوّلهم هيمنة اقتصادية محتكِرة، تعيش في بحبوحة النعيم.

   المرأة الواحدة من أولئك البائسات التي ظهرن في البرنامج تمتهن عمل التهريب بشكل مؤسف حقا، مضطرة اضطرار الحاجة والفقر المدقع كي تنال 75 درهما في اليوم، تنالها في ظروف مذلّة مهينة، في غاية الذلّ والمهانة، بينما ينقل صحفيان فرنسيان في كتاب لهما عن المغرب أن ثروات طائلة تصرف لإشباع نزوات بضعة أشخاص.

   فمن أين تبدأ المعالجة الحقّ؟ من وعي أولئك البؤساء المهينين بما يمارس عليهم من سياسات الظلم والتفقير والاحتكار… بتوعيتهم بوطنيتهم التي لا يعرفون منها إلا واجب الخنوع والخضوع لتلك السياسات الغاشمة؟ أم من مراكز القرار العليا الماسكة بأزمّة السياسة والاقتصاد تدير دفتها، كما تشاء، إلى وجهة مصالحها الشخصية أول شيء، وتمنح للمواطنين مع الحرمان بعض الفتات يتقاسمونه ويتنافسونه؟

   وخلاصة الأمر إن برامجنا التلفزية قاصرة، لمّا تبلغ مبالغ إنجاز تحقيقات بما في الكلمة من معاني العمق والكشف والتحليل، -وأنى لها أن تفعل مادامت القنوات نفسها معتقلة في زنازن الاستبداد والتعليمات-، فيمكن الاستدلال إذن بذلك على عقم الإعلام المغربي  اللهم استثناءات نادرة- وعدم كفاءته في تتبع واستقصاء ثم معالجة قضايا الشعب المغربي ومواكبتها تلك المواكبة الصريحة العميقة المطلوبة والمرجوة.