ما إن تفتح حوارا مع مؤمن جاد في السلوك إلى الله عز وجل، راغب في الإقبال عليه، ساع إلى طلب مرضاته، متهمم بمصيره الأخروي إلا وتحدث إليك عن معاناته وضعفه وعجزه، وتساءل عن التناقض الذي يجد نفسه فيه، والحرج الذي يعيشه بين واجب الانجماع على الله عز وجل وإخلاص العمل له سبحانه حتى يصير كله لله، وبين تشتته وضعفه أمام الحياة الدنيا وملذاتها وشهواتها وهوسها.

   هي معاناة مشتركة يمر منها كل مسلم استيقظ ضميره وتفكر في الغاية من وجوده، ولذلك فالسؤال عنها يتكرر مرات ومرات في حلقات المساجد وعلى القنوات الإذاعية والتلفزية، أو حتى في الحوارات الثنائية.

   والغريب أن الإجابة عن هذا السؤال تتعدد وتتنوع، فمن مرشد إلى ضرورة إخلاص النية، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”. رواه البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحهما؛ إلى ناصح بوجوب محاربة النفس الأمارة بالسوء ومغالبتها وتزكيتها لقوله تعالى “قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا” (الشمس: 9) وكذلك “قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى” (الأعلى: 14)؛ وهناك من يدل على الاجتهاد في الطاعات امتثالا للحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه” رواه البخاري رحمه الله.

   وهناك من ينصح بمجالسة العلماء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.. وقائمة الوصفات العلاجية كثيرة، حتى إن من الناصحين من يصفها لك جميعا.

   والواقع أنه سؤال مصيري ومحوري: كيف ألقى الله وهو عني راض؟ كيف أكون من الوجوه الناضرة الناظرة إلى وجه الله الكريم؟ كيف أنال أعلى الدرجات بجوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟

   هو سؤال مصيري يرهن مصير الإنسان في الآخرة ويحدد وجهته في الدنيا. والإجابة عنه لا تكون إلا من عارف مجرب “الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً” (الفرقان: 59) ولا تنتظر إجابة من غير خبير “وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ” (فاطر: 14) لأن الأمر لا يتعلق بمعلومات أو معارف أو مهارات، ولا يرتبط بجدال أو ترف، ولكنه مصير ووجهة.

طالع أيضا  الصحبة مفتاح (2)

   جاء في الحديث الشهير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه .وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت! فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت! قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق، فلبث مليا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم” رواه مسلم‏ رحمه الله.

   أول الطريق أن يستوعب المرء بأن الأمر مقامات: إسلام ثم إيمان ثم إحسان، درجة لا تنتقل لأخرى ما لم تحصل التي قبلها، لقوله تعالى “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” (الحجرات: 14) وفي هذا الصدد يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين “أحدثكم أحبتي، عن الذكر بمعناه الأهم ابتداء من الصلاة وحضور الجماعات. فإن من الإخوان من يحسب أن مقامات الإحسان يتبوؤها المرء قفزا، كلا والله ما يكون إناؤك إلا مثقوبا لا يمسك قطرة، مثلوما لا يبهج نظرة، إن فرطت فيما فرضه الله عليك من عبادات فردية، وقصرت في فرض الصلاة -الصبح في المسجد- ونفلها، وفرض الذكْر ونفله. ونتحدث بعد ذلك -وبعد ذلك فقط- عن السعي الجهادي والعمل داخل الصف، وسائر شعب الإيمان والجهاد” (1). وفي نفس السياق يقول سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله “إذا لم يكن لك إسلام فما يكون لك إيمان، وإذا لم يكن لك إيمان فما يكون لك إيقان، وإذا لم يكن لك إيقان فما يكون له معرفة له وعلم به .. هذه درجات وطبقات”(2).

   يفتح الله تعالى بصيرة العبد على المقامات العليا فيتشوف إلى أعلاها: الإحسان. وحينها يبحث عن أسلك السبل وأيسر الطرق لتزكية النفس لترتقي من نفس أمارة بالسوء إلى نفس راضية مطمئنة، حتى لا يبقى في قلبه إلا الله عز وجل وكل ما دونه يتفرع عنه، ولن يجد آنذاك إلا وصفة واحدة ووحيدة، هي صحبة دال على الله عز وجل، وارث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك يصبح لكل النصائح الأخرى معنى وجدوى، ولذلك فالصحبة مفتاح.

طالع أيضا  الصحبة مفتاح (2)

   إن ميزة العهد الأول للإسلام أنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وصفهم القرآن الكريم ” مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً” (الفتح: 29). السر في تلك المعية والصحبة.

   ولم، ولن، ينقطع الخير، فقد روى الشيخان واللفظ لمسلم رحمه الله عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “يأتي زمان يغزو فئام “جماعة” من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم.”

   فهل يمكن الوصول إلى المقامات العليا دون صحبة؟ هل انتهى خبر صحبة الملازمة بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

   اختلف المسلمون بهذا الشأن وتناقشوا كثيرا على مر التاريخ ولم يحسم هذا الأمر بشكل قطعي، ولكن كانت تبرز بين الحين والآخر تجارب لعلماء فطاحل يشهد لهم الكل بالصلاح والعلم والورع، تجارب تشهد أن صحبة العارفين بالله تعالى شرط لمريد الإحسان. يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في هذا الصدد “ومن معاني الصحبة والجماعة الذاكرة دخول إلى حضرة طبيب يعالج الروح (..) ومن الناس من لا يشعر أن له قلبا ولا يعترف بأن له روحا، ومثل هذا لا علاج له. ومنهم من ينكر أن يكون ثم طبيب للقلوب لديه الدواء الذي يحيي موات القلوب وهذا ميؤوس من تدرجه في معراج الإسلام والإيمان والإحسان، إلا أن يشاء الله فيلهمه سلوك الصالحين”(3) والوقائع الدالة على صدق هذا الكلام كثيرة، تكفي شهادة الإمام الغزالي حجة الإسلام في “المنقذ من الضلال” لمن أخذه الشوق إلى لقاء الله وتعطش قلبه لحب الله واستيقظ في داخله الطلب: طلب وجه الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

طالع أيضا  الصحبة مفتاح (2)

   لذلك لا نفتأ نؤكد بأن الصحبة مفتاح، وعنها يتفرع الخير كله: نعمة في الدنيا ونعيم في الآخرة.

   لكن هل طريق السلوك مسدود إلا على من له مصحوب؟

   إن من يريد البقاء في مرتبة الإسلام لن يحس أبدا بضرورة صحبة شيخ عارف بالله يدله على مقام الإحسان، ليصبح من المحسنين، إيقانا وإتقانا ومعاملة، وهذا لا يحكم عليه بالضلال، لكنه حرم خيرا كثيرا لأنه قنع بالقليل، والرضا بالقليل من صاحب الكثير حرمان.

   قال الإمام الشعراني رحمه الله “فإن قلت ما حكم من أكل الحلال وترك المعاصي وسلك بنفسه من غير شيخ، فهل يصل إلى هذا المقام من الوقوف على العين الأولى للشريعة؟ فالجواب: لا يصح لعبد الوصول إلى المقامات العالية إلا بأحد الأمرين، إما بالجدب الإلهي وإما بالسلوك على يد الأشياخ الصادقين”(4).

   انظر، لن يصل إلى العين الأولى للشريعة!!! أي لن يصل إلى مقام الإحسان.

   لكن مع ذلك هناك استثناءات. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين “الغزالي وجد الحق مع الصوفية (..) وجدها يقينا فالعلماء الأفذاذ لا يلعبون بدينهم. يقين علم منه أن الجلوس إلى أطباء القلوب علماء الآخرة، كما يسمي الغزالي مشايخ الطريق، محطة لابد منها في السلوك ولو كنت أنت حجة الإسلام فقها وأصولا وسعة اطلاع. وابن تيمية بحث عن الحق صادقا وسل صارمه على كل من تخيل أنه عدو للسنة. وتسلط عقله الوقاد وذكاؤه الجاد وحافظته العجيبة فلم يجالس أحدا، ولمكان صدقه ومحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ في آخر عمره “ما لم يكن في الحسبان” كما عبر في سجنه الذي مات فيه”.(5)

   تحصل لنا إذن أن الصحبة مفتاح السلوك إلى الله عز وجل. وإن توفرت يصبح للاجتهاد معنى وجدوى ولذة.

   نقف عند هذا الحد مخافة الإثقال والإطالة، ونعود للموضوع في حلقة أخرى نتحدث فيها عن المصحوب والصاحب حتى تتضح العبارة، وتكتمل الجملة بخبرها ومبتدئها، وحتى يفهم الكلام في سياقه.

————————–

(1) عبد السلام ياسين: رسالة إلى مجالس النصيحة، مؤرخة في الخميس 5 رجب 1418ه.

(2) عبد القادر الجيلاني، الفتح الرباني والفيض الرحماني، ط1، 1983، دار الكتب العلمية، بيروت، ص116.

(3) عبد السلام ياسين، الإسلام بين الدعوة والدولة، ص69-70.

(4) عبد الوهاب الشعراني، الميزان الكبرى، ص 21 نقلا عن “الإسلام بين الدعوة والدولة” للأستاذ عبد السلام ياسين، ص 354.

(5) عبد السلام ياسين: تنوير المؤمنات، ص 1/289.