الفصل السادس: المنهاج التنظيمي

أولا: منطلقات

   رغبتان أساسيتان شكلتا المنطلق لتأسيس الجماعة وبنائها؛ رغبة تحقيق أمر شرعي وذلك بالاستجابة للنداء الرباني القرآني “فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ َيتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ” (البلد: 10/16).

   نداء باقتحام العقبة، والعقبة عقبات، عقبات في النفس والواقع. والاقتحام يجمعه التعبير القرآني الكريم “فك رقبة” وهو معنى شامل يسع عتق الرقاب من الرق كما كان في الجاهلية، وعتق الرقاب من كل صور العبودية لغير الله عز وجل، ثم عتقها من النار بسلوك المنهاج الرباني النبوي.

   وفعل الاقتحام أقوى من جهود أفراد متفرقين مهما كانت إراداتهم، ولهذا كان التوجيه الرباني لسلوك طريق “ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة”.

   الاقتحام يحتاج إلى هذا الـ”من” وهو الكينونة مع الذين آمنوا ائتلافا وتضامنا وتكاثفا وصبرا ومصابرة وتواصيا وتعاضدا. وعلى هذا كانت أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي بقوتها وتلاحمها دخل الإسلام القلوب وعبر الحدود وغزا الآفاق. فكانت جماعة ممتثلة للتوجيه النبوي الشريف. وكذلك ينبغي أن نكون محتدين ممتثلين له عليه الصلاة والسلام وهو القائل فيما رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، والقائل “لا يأكل الذئب من الغنم إلا القاصية” أخرجه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود.

   وهكذا تأسست جماعة العدل والإحسان كي تكون ملاذا وملجأ وحضنا لكل راغب في اقتحام جماعي للعقبة، ولاَئِذٍ من غلواء الذئاب؛ ذئب النفس وذئب الشيطان والذئاب الصادين عن الله من الجن والإنس.

   وجماعة العدل والإحسان لا تدعي أنها هي جماعة المسلمين وغيرها خارج عن الإسلام أو بعيد عنه، بل تعتبر نفسها جماعة من المسلمين تساهم إلى جانب باقي الجماعات التي تعمل لنفس الأهداف في النهوض بأمتنا وإخراجها من التردي والانحطاط الذي تعيشه بسبب بعدها عن الله.

   أما الرغبة الثانية فهي الطموح إلى تحويل الأمة الإسلامية من كم مهمل إلى قوة فاعلة مؤثرة، وأن يصبح الرقم الإسلامي -بالتعبير المعاصر- ذا اعتبار إلى جانب باقي الأرقام. غايتنا الخروج من وضعية الاقتيات على الفتات في مائدة اللئام كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله الشريف فيما أخرجه الإمام أبو داود في سننه عن ثوبان رضي الله عنه “يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليقذفن الله في قلوبكم الوهن قلنا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”. الغثاء هو التبن البالي والخشاش والقاذورات الطافية على سطح السيل يجرفها إلى حيث يتجه التيار لا تماسك بينها ولا قوة لها. وهل ترجى القوة ممن لا قوة له ولا تنظيم ولا نظام؟ بل هل من قوة إلا من قواه الله عز وجل؟

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (8)

   ثانيا: سمات التنظيم

أ/ مركزية الإنسان في التنظيم:

   ننطلق في رؤيتنا التنظيمية من حكمة إنسانية مفادها أنه يستحيل على إنسان أن ينظم العالم من حوله وفي كيانه الفوضى. ولهذا نعتبر أن المؤسسات التنظيمية أطلال خاوية وهياكل جوفاء وجلبة وفوضى إن لم يعمرها أعضاء غاية في الترتيب والحياة والحيوية والانتظام. وأول ما ينظم في العضو/الإنسان قلبه وعاطفته وعقله حتى يشع منه الانتظام ويتحقق الانسجام، وإلا يكن هذا فهي الحيرة الروحية والفكرية ونتاجها الفوضى العامة والفلتان.

   ولهذا نركز على أولوية التربية في مشروعنا. فالتربية تغيير لنفس هذا الإنسان، وبعث لإرادته بتصفية رؤيته لنفسه ومصيره وللعالم، وتحرير لعقله ببث روح الإيمان بالغيب. وبالتربية المتكاملة يصبح الإنسان فاعلا تاريخيا يؤثر فيما حوله. فمهما كان وسطه الطبعي وبنية مجتمعه فإن التربية تحول طاقته وتجندها وتطلقها.

   وعلى هذا الأساس فالتنظيم الذي نقصد لا يستهدف ترتيبا وعلاقات فقط بل يتجاوز ذلك ليتحرك على سلم القيم حيث ينقل العضو والجماعة من إسلام لإيمان لإحسان.

فالغاية الإحسانية هي ما ينبغي أن يميز التنظيم الإسلامي عن غيره، كما أن الجهاد المنظم هو ما يخرج المسلمين من الزوايا الباردة المظلمة العاجزة المستقيلة من هم الأمة.

ب/ حافز الاقتحام:

   حافزنا في حركتنا مطلب اقتحام العقبة الذي حض عليه الحق سبحانه في سورة البلد. والأنانية المستعلية من أعتى العقبات التي تهدد كل تنظيم، إسلامي كان أو غير إسلامي.

   فلا قوة ولا أفق لتنظيم تتناطح فيه الأنانيات الفردية لهثا وراء تسلق المناصب والمسؤوليات.

   بغيتنا أن تذوب أنانيات الأفراد بفعل التربية الإيمانية الإحسانية في سلك الجماعة، وأن يتحول الاهتمام بتسلق المسؤوليات إلى اقتحام يسلك بالأفراد فجاج وخلجان النفوس طلبا للكمال الروحي والتشوف إلى رضوان الله تعالى. وهذا ما نصطلح عليه بالخلاص الفردي، وهو في مجموعه واجتماعه يشكل اقتحاما جماعيا، بالجماعة حاليا وبالأمة لاحقا، إلى إقامة كيان مجتمعي يحقق العبودية الجماعية لله تعالى تهيئا للغد الموعود؛ غد الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة إن شاء الله. وهو ما نصطلح عليه بالخلاص الجماعي.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (5)

ج/ مرونة التنظيم:

   ما يجمعنا ليس الانضباط الحديدي الذي لا يسمع فيه غير صرير التعليمات الجافة والقرارات الطارقة المقرعة.

   ما يجمعنا ولاء إيماني “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”(التوبة: 71). ما يجمعنا هي آصرة الإيمان ووشيجة التصاف للصلاة والتكافل المادي والخضوع الجماعي لله عز وجل.

   كل هذا أرض خصبة تتمر العضو الهين اللين الرحيم. وهي قنوات تنساب فيها متطلبات التنظيم من قرارات ومطالب تنفيذية وحركات انسيابا سلسا. كما أنها تشكل أرضية تتحرك فيها النصيحة أو النقد اللازم لتفعيل وتقويم الأفعال والمبادرات تحركا تطاوعيا تطاوع أعضاء الجسم فيما بينها، بما يسري فيها من دم المحبة والأخوة والولاء لله ورسوله والمؤمنين وأديم الإيمان. وهذا وحده، بعد العناية الإلهية، الحصن الحصين من اصطكاك الحديد بالحديد إذا ما كان التنظيم خلوا من لحمة الإيمان.

   ومن مرونة تنظيمنا أننا لسنا متصلبين في أنماط وأشكال تنظيمية محددة، إنما يتطور التنظيم وفق ما تمليه تطورات الواقع وتوسع الجماعة وتجدد الحاجيات. فلا نقدس شكلا معينا ولا مؤسسة ما.

   ولهذا نجد أن جماعة العدل والإحسان تدرجت، منذ نشأتها، في أشكال مختلفة من التنظيم لدرجة أنها لا تحافظ على صيغة تنظيمية أكثر من خمس سنوات في أقصى الأحوال. وللأسف نجد البعض ينظر للجماعة ويحاكمها انطلاقا من المخطط التنظيمي الوارد في كتاب “المنهاج النبوي” في حين أن الجماعة تجاوزت معظم تفاصيل ذلك المخطط، مع التشبث الدائم بثوابت المنهاج التربوية والفكرية والسياسية والتي لم يزدها تطور الجماعة إلا رسوخا ويقينا بها، ولهذا نجد أن جل الكتابات التي جاءت بعد المنهاج النبوي ما زادت إلا تأكيدا على ثوابته وتفصيلا لها. وقد أعلنت الجماعة عن معظم هذه التعديلات التنظيمية ولم تتحفظ إلا عن بعضها للضرورة الأمنية. وهذه التعديلات تنسجم تماما مع روح التطور في التجارب الإدارية والتنظيمية لدى الجماعة أو غيرها من التنظيمات. والعيب هو أن تجمد الجماعة على صيغة تنظيمية معينة رغم التوسع الذاتي عددا ومساحة ومهمات.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (2)

د/ علنية التنظيم:

   اخترنا أسلوب الإعلان عن أنفسنا وعن مشروعنا التنظيمي لاقتناعنا أنه أسلوب الأنبياء عليهم السلام الذين كان ديدنهم وضوح الدعوة والأهداف منذ انطلاق دعواتهم حتى يأخذ دورهم، وهو الشهادة على الناس، كل معناه. فلا معنى للشهادة والقيام بالقسط في ظل غموض المشروع وسرية التنظيم.

   اخترنا أسلوب الإعلان عن أنفسنا وعن مشروعنا التنظيمي منذ البداية، حتى يعرفنا الناس على حقيقتنا، ثم لاقتناعنا بأن أعداء الإسلام من مصلحتهم أن ننهج السرية بما يكتنفها من هواجس وارتياب دائمين، والحال أننا إن نهجنا السرية والغموض فإننا لن نغيب إلا عن أعين الشعب أما أعين المتربصين فلن تعدم الوسيلة لترصد حركتنا لأننا ببساطة نعيش فوق الأرض لا تحتها.

   فكان من الحكمة ألا نسقط في فخ السرية، وما عانينا في سبيل هذا الاختيار من إخواننا الإسلاميين قبل أن يقتنعوا بعدم جدوى السرية، وما عانينا ونعاني من ظلم الظالمين جراء هذا الاختيار نحتسبه عند الله عز وجل ونلتمس تماره التي يرجوها الأعداء ضيقا وانحصارا ونرجوها سعة وفتحا ونصرا قريبا ألم يقل الحق سبحانه “إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً” (النساء:104)، وبشر سبحانه المؤمنين بقوله “وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ”(الأنعام:34).

(يتبع)