تناقلت الصحف الوطنية خلال الأسبوعين الماضيين خبر اقتحام الأجهزة المخزنية بكل من الدار البيضاء والمحمدية منزلين احتضنا لقاءين داخليين لأعضاء جماعة والإحسان بـ”تهمة” عقد اجتماع بصفة غير قانونية أو ما يسميه المخزن “عقد تجمع عمومي دون تصريح”، وبقدر ما غدا السلوك المخزني مألوفا لدى عامة الناس إلى درجة لا يكمل متصفح الجريدة الخبر أو القصاصة إلا أن تعليق الأستاذ حسن بناجح الكاتب العام للقطاع وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية ومدير مكتب الناطق الرسمي باسم الجماعة والذي كان ممن شملتهم الرعاية المخزنية أثارني لتناول النازلة ليس تعقيبا على التعليق، ولكن لكشف جانب من التناقض الصارخ بين تصريحات المسـؤولين الرسمية وبين الممارسة الميدانية للسلطة، عسى أن نقف على حقيقة المسافة الضوئية التي تفصلنا عن مفهوم وواقع الدولة الحديثة، دولة المؤسسات التي تحتكم إلى قانون يسري على الجميع، دولة يحترم فيها الإنسان وتصان فيها كرامته.

   وتعميما للفائدة نذكر بتعليق الأستـاذ حسن بناجح: “تأتي هذه الاعتقالات في إطار الحملة المستمرة على العدل والإحسان لأزيد من سنتين من أجل حصارها والتضييق على نشاطها. نحن نعتبر هذا الاعتقال تعسفيا وخارقا لكل الحقوق السياسية والفردية والقانونية باعتبار جماعة العدل والإحسان جماعة قانونية واجتماعاتها قانونية.”؛ وأضاف قائلا: “هذه الاعتقالات الخرقاء لن تثني الجماعة عن دعوتها وعملها التربوي والدعوي والسياسي، ولن تؤثر فيها لأن العدل والإحسان جزء أصيل من هذا المجتمع”، واستغرب الأستاذ بناجح استمرار هذا العبث السياسي موضحا: ” كيف يعقل أن تواصل السلطات رفع تهمة عقد اجتماعات غير قانونية في الوقت الذي برأت فيه جل محاكم المغرب أعضاء الجماعة من هذه التهمة الوهمية، وأقرت قانونية الجماعة وشرعية نشاطها؟!”.

   الحملة مستمرة وأحكام براءة أغلب المعروضين على المحاكم ابتدائيا واستئنافيا تتوالى بل حدث أن النيابة العامة لم تعترض على حكم البراءة ولم تستأنفه، وهذا يؤكد بطلان التهم التي تصطنعها الأجهزة المخزنية، وتحرر في شأنها محاضر تكلف من الوقت والجهد والورق والأقلام وآلات الكتابة ما تحارَبُ به أمية آلاف المواطنين، وتُهيأ به اللوازم المدرسية لملايين أطفال الأسر المغربية المفقرة.

   لا عجب -ولا داعي للأستاذ حسن بناجح وهو أحد من خبر السياسة المخزنية ونال من “بركاتها” وهو طالب أن يستغرب- أن تأتي الدعوة لاستقلال القضاء على رأس كل المطالب، وما تزال كذلك منذ أكثر من خمسين حجة، ويبدو أن المغاربة تعودوا على ذلك في الخطابات الرسمية. أتساءل وبشكل ساذج: من يحول دون استقلال القضاء؟ ومن يستفيد من عدم استقلاله؟ وماذا يعني استقلال القضاء؟

   أذكر أنني درست قبل ثلاثين سنة في مادة التربية الوطنية أن السلط المكونة للدولة ثلاث:

   – السلطة التشريعية تراقب الجهاز التنفيذي ـ الحكومة ومؤسساتها ـ وتصادق على القوانين.

   – السلطة التنفيذية تباشر الشأن العام للبلاد والعباد، وهي مسؤولة أمام ممثلي الشعب/البرلمان.

   – السلطة القضائية تسهر على احترام القوانين، لذلك يجب أن تكون مستقلة عنهما.

   لا أدري هل هذا الدرس ولد منسوخا -بتعبير مفسري القرآن الكريم- ولم يتم تطبيقه، وبالتالي ظل جهازنا القضائي غير مستقل، إذ تم توظيفه لتصفية حسابات النظام مع خصومه السياسيين وبامتياز خلال ما يعرف بسنوات الرصاص؛ ومن الطرائف المبكية أن المتابعين في أحداث الدار البيضاء خلال ثمانينيات القرن الماضي صدرت في حقهم أحكام بالسجن وهم على متن الشاحنات، أي دون عرضهم على المحكمة ولو شكليا.

   أما في حالة متابعات السلطة المخزنية لأعضاء جماعة العدل والإحسان ومنذ سنتين فتعرض الضابطة القضائية ذات التكوين القانوني على النيابة العامة في شخص وكيل الملك أو من ينوب عنه أعضاء من جماعة العدل والإحسان بمحاضر ثم تقرر النيابة العامة متابعتهم بتهمة “عقد تجمع عمومي دون تصريح” يتبين للمحكمة بعد ساعات التداول والتأمل ابتدائيا واستئنافيا أن “المتهمين” أبرياء مما نسب إليهم، بمعنى أن الضابطة القضائية خرقت القانون في متابعتهم، وقبلها أعوان السلطة لما اقتحموا بيوتا تحتضن لقاءات ذات طابع داخلي لأعضاء جماعة العدل والإحسان تطبيقا لتعليمات فوقية، وأن النيابة بدورها لم تطبق القانون ومنطوق المحاضر وتصريحات المتابعين يؤكد قانونية هذه الاجتماعات ما دامت شروط العمومية لا تتوفر، وأدهى من هذا أن يتكرر هذا السلوك وهذه الخروقات على كل المستويات: سلطة عمومية وضابطة قضائية ونيابة عامة ومحكمة أحيانا، ثم تتكرر في كل خطاب رسمي ضرورة استقلال القضاء، وكأن الأخير ثغر مستعمر يتطلب تعبئة الجميع للمشاركة في تحريره.

   نعم القضاء غير مستقل، واستقلاله يحتاج -قبل أي شيء- إلى إرادة سياسية وعزم على الإصلاح وقطع مع عقود الاستبداد والفساد، لأن قضاءً مستقلا ونزيها هو البوابة الحقيقية للإقلاع والتصحيح والبناء السليم لدولة تستحق وصف “دولة الحق والقانون”.

   القضاء المستقل بكل ما تعنيه الكلمة من مدلول أساس الاستقرار وشرط وجوب لبناء دولة المؤسسات.

   القضاء المستقل هو الذي يحمي المال العام من النهب، ويحارب استغلال النفوذ والمناصب بل والأواصر العائلية للاغتناء اللامشـروع بالسـؤال العمري ـ نسبة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه – “من أين لك هذا؟”.

   القضاء المستقل هو الذي يحمي الحقوق والحريات الخاصة والعامة للأفراد والجماعات من تعسف السلطة وأعوانها، وإلا فالذي ينتهك حرمة الإنسان ويعتدي عليه بالضرب والتعذيب وأحيانا بالقتل ينفذ أوامر عليا، ويعرف أنه محمي وغير متابع. فالأجهزة الأمنية التي استباحت حرم البيوت وأعراض الناس في سيدي إفني تطبق تعليمات، وبالتالي فهي محمية ومطمئنة أنها في غياب قضاء مستقل وبرلمان فاعل لن تتعرض للمساءلة، وكم آلمني خبر تجريد طالبة من ملابسها في مخفر شرطة مراكش وتركت المسكينة عارية ثلاثة أيام أمام رفاقها “مخضبة” بدم العادة الشهرية: أي إذلال أكثر منه هذا؟ وماذا بقي من الكرامة الآدمية؟ بكى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وهو يصلي في بيته فسألته زوجته: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال: “يا فاطمة، إني تقلدت من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أسودها وأحمرها، فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري والمجهود والمظلوم والمقهور والغريب والأسير والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة فخشيت ألا تثبت لي حجة فبكيت.”.

   القضاء المستقل هو مفتاح أقفال أزماتنا المعقدة ضبطا للصلاحيات وحدود المسؤوليات، ودونه لا شيء إلا العبث والتلاعب بكرامة المواطنين وهضم حقوقهم المادية والمعنوية، فتفسد الذمم وتنعدم روح المسؤولية ويؤذن مؤذن الخراب، يقول عز سلطانه في محكم التنزيل: “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا.”(سورة الإسراء، الآية:16)؛ خراب تتوالى التقارير الأممية لدق ناقوس خطره في العديد من القطاعات الحيوية في البلاد، والقضاء على رأسها. خراب أسه العبث الذي استغرب الأستاذ حسن بناجح استمراره في حين أن معطيات الواقع تؤشر ألا شيء سيتغير على المدى القريب أو المتوسط على الأقل، فقد ألف المغاربة أن أزمة تنسي أخرى، وأن فضيحة تنسخ لاحقتها، لتبقى دار لقمان على حالها.

   وأبلغ مثال على محورية القضاء المستقل النزيه لجوء جنرال باكستان ورئيسها المخلوع لعزل أعضاء هيئة القضاء العليا لتمرير قانون بجواز ترشيحه رئيسا، ولما انتهى مسلسل العبث بالسلطة وأُقيل الجنرال الرئيس تحت ضغط الشارع والقوى السياسية أضحى أول مطلب هو إعادة القضاة المعزولين إلى مناصبهم لأن القضاء المستقل والنزيه هو صمام الأمان وضامن الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

   في انتظار أن يستقل قضاؤنا، ويصبح له يوم يحتفل فيه باستقلاله وكسر أغلال التعليمات، نهمس في أذن الأستاذ حسن بناجح بالمقولة المشهورة: “إذا كنت في المغرب فلا تستغرب”.