يا هذا! عاتب نفسك على تفريطها، ثم حاسبها على تخليطها. حدثها بما بين يدها وأخبرها، أشر عليها بمصلحتها ودبرها.استعدي للموت يا نفس واسعي *** للنجــاة فالحــازم المستعد

قد تبيــنت أنه ليــس للحي *** خلــود ولا من المـوت بد

أي ملك في الأرض أو أي حظ *** لامرئ حظه من الأرض لحد

كيف يهــوى امرؤ لذاذة أيام *** عليه الأنفــاس فيهــا تعد   آه لنفوس بغرور هذه الدنيا يخدعن، فإذا فاتهن شيء من فان توجعن! شربن من مياه الغفلة وتجرعن، فلما بانت حبة الفخ أسرعن، فما انجلت ساعة التفريط حتى وقعن، أما علمن أنهن يحصدن ما يزرعن؟ أما تيقن أنهن في هلاكهن يشرعن؟ يا قلة ما تنعمن! ويا احتقار ما تمتعن! أما هن عن قليل في اللحد يضجعن؟ أين تلك الأقدام المشيعة لهن تصدعن؟ بئس حافظ الأجساد تراب يقول: دعهن لما أودعن، طال ما كن يوترن الذنوب ويشفعن، فلو رأيتهن بعد الموت يتضرعن: (رب ارجعون)(1)، لا والله لا يرجعن. يا عجبا هذه الآفات لهن ويهجعن! وهذا الحبس الشديد ويرتعن! يا لها من مواعظ! فهل أثرن أو نَجَعْن(2)؟

يا هذا! اُخل بنفسك في بيت الفكر واعذلها في الهوى، فإن لم تلن فاخرج بها على عسكر المقابر، فإن لم تَرْعَوِ(3) فاضربها بسوط الجوع.

   يا هذا! العزلة تجمع الهم والمخالطة نهابة، الهوى مرضع كثير التخليط، فهذا طفل قلبك كثير المرض عجل فطامه وقد صح. العزلة والقناعة والصبر والعفة والتواضع عقاقير كيمياء النجاة يبلغن بمستعملهن مرتبة الغنى، والحرص والشره والغضب والعجب والكبر كلهم مجانين في مارستان العقل وهو القيم عليهم، فلتحذر الغفلة عنهم فإنه إن أفلت مجنون حل الباقون.

   يا هذا! حصن السلامة العزلة، أقل ما في الخروج منه من الأذى مصادمة الهواء المختلف الهباب في بادية الشهوات، وقد عقبته جنوب المجانبة للصواب فصار وباء. وإياك أن تتعرض للهواء الوَبِي مغترا بصحة مزاجك، فإنك إن سلمت من فضول الفتن من التلف لم تأمن زكمة، ومتى تمكنت زكمة الهمة لم تشم الفضائل.

   يا قلب إلام لا يفيد النصح عمر ولى وقد توالى القبح جرح دام وقد تبدى جرح ما تشعر بالخمر حتى تصحو.

   لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين لاح لهم هلال الهدى في صحراء اليقظة، فبيتوا نية الصوم عن الهوى على عزم: عزفت نفسي عن الدنيا(4).

   دخل محمد بن كعب القرظي رحمه الله على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وقد غيره الزهد فأنكره، فقال: يا ابن كعب، فكيف لو رأيتني بعد ثلاثة أيام في قبري؟لم تبق فيهم حرارات الهوى وجوى الْ *** أحـزان غَيْرَ خيـالات وأشبـاح

تكــاد تنكــرهم عين الخبيـر بهم *** لولا تــردد أنفــاس وأرواح   pكان وهيب بن الورد رحمه الله قد نحل من التعبد، فكانت خُضْرة البقل تبين تحت جلدة بطنه.

   للمهيار رحمه الله:زعمت لا يبلي هواك جسدي *** بلى وحسبي بكـم لقد بَلِى

دارك تدري أنه لولا الهـوى *** ما طل دمع مقلتي في طلل

   إخواني، من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.

وكم نـاحل بين تلك الخيـام *** تحسبه بعض أطْنَـابِهـا(5)   أنضَى(6) القوم رواحل الأبدان في سفر الشوق حبا لتعجيل اللقاء، فكم طووا منزلا على الظماء حتى كَلَّ كُلُّ المطي بتلك الجعجعة، ورفيق الرفق يصيح بهم:دعوها ترد بعد خمس شروعا *** وأرخوا أزمتــها والنُّسُوعا(7)

وقولوا دعــاء لها لا عقرت *** ولا امتد دهــرك إلا ربيــعا

حملن نشــاوى بكأس الغرام *** فكـل غدا لأخيــه رضيــعا

إذا أجـــدبوا خصهم جدبهم *** وإن أخصبـوا كان خصبا جميعا

طوال الســواعد شم الأنوف *** فطابوا أصــولا وطابوا فروعا

أحبوا فـــرادى ولكنهم على *** صيحــة البين مــاتوا جميعا

حمـــوا راحة النوم أجفانهم *** ولفــوا على الزفرات الضلوعا

أسكـان رامة(8) هل من قرى *** فقد دفــع الليل ضيـفا قنـوعا

كفـــاه من الزاد أن تمهدوا *** له نظــرا أو حــديثا وسيـعا   قيل لأبي بكر النهشلي رحمه الله وهو في الموت: اشرب قليلا من الماء، فقال: حتى تغرب الشمس.

   للمهيار:نفرها عن وردها بحـاجر *** شوق يعوق الدمع في المَحَاجِر(9)

وردها على الطوى سواغبا *** ذل الغــرام وحنيـن الذاكــر   واشوقاه إلى تلك الأشباح! سلام الله على تلك الأرواح.ها إنـها منــازل تعـودت *** مني إذا شـارفتها التسليما

وقفت فيها سالما رأد الضحى *** ورحت من وجد بها سليما

يا نفحة الشمـال من تلقـائها *** ردي على ذلك النـسيـما   يا هذا! إن أردت لحاق السادة فخل مخاللة الوسادة، واجعل جلدتك بردتك، وحد عن الخلق والزم وحدتك، كحل عينيك بالسهر والدمع، وضع على قروح الجوع مرهم الصبر، وتزود للسير زاد العزم، واقطع طريق الدنيا بقدم الزهد، واخرج إلى خصب الأخرى عن ضنك الدنيا، وسح في بوادي التقى لتنزل بوادي الفخر، فإن وصلت إلى دوائك تناولته من يد: يحبهم ويحبونه(10)، وإن مت بدائك فمقابر الشهداء: (في مقعد صدق)(11).

——————————————–

(1) سورة المومنون، الآية: 99. إشارة إلى قول الله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون).

(2) نجع الدواءُ: نفع وظهر أثره.

(3) ترعو: تكف عن القبيح.

(4) قول الصحابي الجليل سيدنا الحارث بن مالك رضي الله عنه عندما سأله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة إيمانه.

(5) أطناب: حبال تشد بها الخيمة.

(6) أنضى بعيرَه: هَزَله.

(7) النُّسوع: مفردها: النِّسْع، وهو سير أو حبل عريض طويل تشد به الرِّحال.

(8) رامة: اسم موضع بالبادية.

(9) المحاجر:مفردها مَحْجِر، وهو ما أحاط بالعين.

(10) إشارة إلى قول الله تعالى في سورة المائدة، الآية 54: (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين).

(11) إشارة إلى قول الله تعالى في سورة القمر، الآية 55: (إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر).