في آخر هذا الحوار هل من شعر عن الشعر، وبيان عن الفن يلخص ما قلناه، في أبيات لتكون مسك الختام وآخر الكلام، قبل سلام الله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

قبل الاستجابة لما طلبت، أشكرك وأشكر العاملين في هذا الموقع المميز على هذا الحوار، وأرجو أن يكون قد أفاد بغير المكرور والمعاد، وأن يكون فاتحة لحوارات أخرى عن فنون أخرى من الأدب نحن في أمس الحاجة إلى الكلام عنها بما يُذَكِّر ويبشر، ويُيَسِّر ويُنَظِّر ويؤطر ويؤثر ويبعث على ما يُصلح ويُغَيِّر، وينذر ويحذر من المُخَدِّر والمُغَرِّر والمتحرر من كل أصيل مُتَجَذِّر.

جعلنا الله وإياكم من مفاتيح الخير مغاليق الشر وأعاذنا الله وإياكم من مغاليق الخير مفاتيح الشر. وإليك أخي ما طلبت مع الاعتذار السابق إن أطلتُ وأثقلتُ وعما طُلِبَ إليَّ قصَّرتُ، فالعين حسيرة واليد قصيرة ولا حول ولا قوة إلا بيد من بيده مقاليد الأمور في الأولى والآخرة.

شعر المعنى وشعر بلا معنى

قـالوا أردنا الشعر أنغــاما *** وأردته دمــعا وآلامـــا
والشعــر فن يا فتـى فافهم *** واصنع لنا بالشعر أحلامــا
كن بالقـوافي قاسيـا واصفع *** قوما أرادوا المجْدَ أوهامــا
واهجر بحور الشعر كن حرا *** بالنثر يُعطى الشعر أقلامــا
دع عنـك حسَّانا وياسيــنا *** دَع من أرادوا الشعر إسلامـا
واصحب من الشعراء بَشَّـارا *** فالفحش يرفع شعرنا هامــا
واصحب أدونيس الهوى واتبع *** أخوال شيـطان وأعمامــا
من أنجـبوا بالكُفْر أشعــارا *** رجسا وأنصـابا وأزلامــا
دَعْ دَعْ وعُد للشعـر أوزانـا *** فتق به للطبــع أكمـامــا
واجعـله فنا صـادقا وارفـع *** عدلا به للحــق أعلامــا
أيقـظ نيـاما نومـهم أمـسى *** بالموت ينـذر آه أحلامــا
واجعـل من الكلِمات أفـلاكا *** تُنجي من الطـوفان أقوامــا
إن لم تكـن للعـدل مبعـوثا *** إن لم تكن في الحق مِقْدامــا
إن لم تكن في اليوم صـوَّاما *** أو لم تكن في الليـل قوامــا
أبدعـت ما يُطْغي ولا يُغْـني *** وصنَعت بالأنغـام أغنامــا
وبنيت مـا يَفنى ولا يبــقى *** وبما نظمت غدوت هدََّامــا
صلوا على من لم يقل شعـرا *** بَلْ أكرم الشعـراء إكرامــا
صـلوا على طه وأصحـاب *** كانوا له بالشعــر خُدَّامــا
شـرف لكـل شُويعِر منــا *** وافى بحور الشعر عوَّامــا
أبـلى بلاء فيه مشكـــورا *** معنى وأفكــارا وأنغامــا
ما كـان مرتــزقا ولا فِسْلا *** ما كان غَثَّ الشعر نَظَّامــا
بل كان ملتــزما بإبــداع *** هو حكمة تنسـابُ إلهامــا
شعري وشعرك يا أخي هَزْلٌ *** إن لم يكن للأمـن صمَّامــا
إن لم يكـن بالعدل قوَّامــا *** وللوْحَةِ الإحسـان رَسَّامــا

فَنٌّ مِنْ لاه وفَنٌّ لله

لأهل الفن من صَـبّ ثنــاءُ *** فَهُم لمواهب المـولى وِعاءُ
لمن بمديـح أحمـدَ أطربونـا *** وشنَّف سمعنا منهم غِنــاءُ
فما بطروا ولا انتفشوا غرورا *** وغيرهم بِذي الآثام بــاءوا
ولو شاءوا لنالـوا كـل جـاهٍ *** وما وسِعت أمانيهم ســماء
وهل نـال الغـنى إلا معـنٍّ *** أغانيه اجتِـراء واعــتداء
وكم من مطرب ركب الخطايا *** فلما استيقظ انكشف الغِـطاء
بنى بُنيــانَه من غيــر أُسٍّ *** فلم يلبث أن انهدم الــبِناء
فأخلــص واتبع خير البرايا *** فذي الدنيا أخي زبدٌ جُفــاء
وإنَّ مِنَ الحماقَةِ صَرْف وَهبٍ *** إلى الفــاني ولله البــقاء
فَصوْتُكَ نِعْمَــة إن لم تَصُنها *** بتقوى الله غايتها الفــناء
معانيك اقتبِســها من أُسـاة *** وحذْْوَ الصُدْقِ فليكـن الحُداء
فلا شَطْحٌ ولا سُكْــرٌ يُرَوِّي *** فؤاد المهْتَدي كيـف ارتواء؟
ورُفْقَتُك التمِسها من عــرينٍ *** زئير الأُسد يُفسده الثُّغــاء
وخُذْ من منشدي الأقصى مثالا *** أناشيــد الأُسى رَيٌّ رُواء
ومُنْشِدهم رشــيدٌ أو شهيـد *** سعـيد من هِوايته الفــِداء
دعاءَك كل ما يبغي ويشـهَى *** من الدنيا وفي الأخرى الجزاء
ومـسرحنا لذا الإنــشاد كفؤٌ *** وكم من مشهد فيــه الدَّواء
لأعراض وأمــراض تفشَّت *** وطال الدَّاء واستعصى الشِّفاء
فلما شُخِّصت بـانت وهـانت *** وذلَّ الصَّعـب وارتَفَعَ البلاء
ومسرحنا بعرض الجـدِّ يسمو *** ومسرحهم مهـازِلُ أو هُراء
ونمزَح لا نقول سوى صواب *** ويمزج غيرنا بِئْس الخــواء
دَرامـاتٌ لها قصـد شـريفٌ *** وإخراج لطيــف وانتقـاء
لديكور وأشـخاص وعـرضٍ *** مفيدٍ ممــتعٍ فيه الغَــناء
يعالج أمــرنا في كل شـأنٍ *** وإنَّ النَّقد إنْ يَصْدُق بِــناء
فُنونُ المؤمنــين بلا ثِفــال *** وفنُّ المفتــرى نَخْبٌ هَواء
وإنَّ من الفنــون ربيـعَ قلب *** ومنها الــداء ليس له دواء
ألا صلوا عـلى الهادي صـلاةً *** هي التَّرـياق إن عزَّ الشِّفاء
مَن امتدح القريـض وقال يوما *** لِحسَّان اهْجُــهم ولك الثَّناء
فكم في الشعـر من حِكَمٍ غَوالٍ *** وكم سحَرَ البيانُ عِدىً فجاءوا
يريدون الهــدى من بعد غيٍّ *** ويرجون الفلاح وقد أسـاءوا
وذا كعـبٌ أتى يَبْغي سمــاحا *** وعاد ببُردة نعم العـــطاء
ألا صــلوا على الماحي صلاة *** بها يَنْزاح همِّي والعَنــاء
على مَن قـال إيهِ أيا خُــناسٌ *** وزيَّن من هجا منه الـرِّداء
لِيْعــلَم غيــرنا أنَّا أُنــاسٌ *** لنا في الدين بالفنِّ احْتِــفاء
وبالإبــداع عِشْقٌ وافْتِـــتان *** وللإحسان والعدل انتِمــاء
ففي الإنشــاد إحسـان يُرَجَّى *** وفي التمثيل عدل واســتواء
دعـونا من غِناء ليــس يُبقي *** على الأخلاق إن غاب الحياء
دعـونا من عروض فـارغات *** فمسرحُ أمَّة الخير المَضَــاء
دعـونا من بسـاط وانبســاطٍ *** فذي الأسعار سعَّرها الغـلاء
وذا التعليم إســفافٌ وأَبْئِــس *** بتعــليم فشا فيه الغُثــاء
وذا الإعــلام في سُحْقٍ تَرَدّى *** ومـالُ الشَّعْب يَأْكُلهُ الرِّعـاء
وأين الجامــعات جمَعن رَهطاً *** من الطلاَّب موعدهم كَــداءُ
صراع في اقتراعٍ في ضيـاع *** وأين العلم إن عظُم البــلاء
بهــذا يا أخي أنشـد ومثِّل *** وإلاَّ فالــهدى منَّا بـــراء
إذا كنَّا نــُغنِّي لا نبــالي *** بما يُضنـي الورى بِئْس الغِناء
وإن كنَّا نُسلــِّي من أتـانا *** فمسرحُنا “نَعَم” والحــقّ “لاء”
ألا صلُّوا على حامي حِمـانا *** بهَــدْيِ الله سُنّـَته وِجــاء
وآلٍ حبُّهم يَشــفي غلـيلي *** هُمُ الأحبـابُ سيرتهم سِقــاء
ألا صلُّوا على صحـبٍ كرام *** فذِكْر الصَّحب في البلوى عَزاء
ألا صـلوا على أتبــاعٍ أُباةٍ *** هُمُ الآمـال إن قلَّ الرجــاء
ألا صــلوا على إخوان طه *** هُمُ الآبــار لو فطِن الــدِّلاء
انتهى الحوار الذي أجراه سعيد مولاي التاج مع الأستاذ منير الركراكي.

طالع أيضا  حوار أدبي مع الشاعر منير ركراكيالرحلة الرابعة

يوم الأربعاء 7 جمادى الثانية 1429هـ الموافق لـ11 يونيو 2008م.