وروى الترمذي والبيهقي رحمهما الله مرفوعا: “ما من أحد يموت إلا ندم” قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: “إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نَزَع”(1).

   وروى الحاكم رحمه الله مرفوعا: “إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله”، قيل: وكيف يستعمله؟ قال: “يوفقه لعمل صالح قبل الموت”.

   وفي رواية لابن حبان والحاكم والبيهقي رحمهم الله مرفوعا: “إذا أحب الله عبدا عَسَّلَه”، قالوا: وما عسَّله يا رسول الله؟ قال: “يوفق له عملا صالحا بين يدي رحلته حتى يرضى عنه جيرانه، أو قال: من حوله”.

   وروى البخاري رحمه الله مرفوعا: “أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة”.

   وروى الحاكم رحمه الله مرفوعا: “من عُمِّرَ من أمتي سبعين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر”.

   وروى الإمام أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي رحمهم الله مرفوعا: “ألا أنبئكم بخيركم؟” قالوا: نعم يا رسول الله؟ قال: “خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا”.

   وروى الترمذي والطبراني رحمهما الله وغيرهما أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: “من طال عمره وحسن عمله”، قال: فأي الناس شر؟ قال: “من طال عمره وساء عمله”.

   أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعاطى الأسباب التي تذكرنا بالموت وتقصر أملنا كمعاشرة العباد والزهاد في الدنيا امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: “اذكروا هاذم اللذات”. وما لا يتوصل إلى فعل المأمور إلا به فهو من جملة المأمور واجبا لواجب ومندوبا لمندوب.

   فاعلم أن من عاشر الراغبين في الدنيا كالتجار والذين يسعون على الوظائف والأنظار ليلا ونهارا، وطلب أن يكون الموت على باله فقد رام المحال.

   ورأى سيدي علي الخواص رحمه الله تاجرا يبني له دارا ويغرس له فيها جنينة، وقد طعن في السن فقال لفقير كان بجواره: “ارحل يا أخي وإلا فتنك جارك بعمارته، وأنساك الموت والآخرة”. فرحل الفقير.

طالع أيضا  أكيس الناس (1/2)

   وسمعته مرة أخرى يقول: “من الأضداد أن من يذكر الموت يحيا قلبه، ومن ينساه يموت”، وذلك لأن من لازم ذكر الموت قَصْرُ الأمل والمبادرة في العمل، فمثل هذا ولو طال عمره فعمله حسن إن شاء الله تعالى، وذلك أعظم ما يكون العبد عليه.

   فاعلم أن من أعظم نعم الله تعالى على العبد أن يَقْصُرَ أمله ويطول عمره ويحسن عمله، وهناك ينشد لسان حاله للمحجوبين عنه:لا تظنـوا الموت موتا إنـه *** لحياة هي غايات المنى

لا ترُعْكم فجأة الموت فمـا *** هي إلا نُقْلَة من هـاهنا   وإيضاح ذلك أن كل من جاهد نفسه حتى قتلها بسيوف المجاهدات، وترك لذات المنام وأكل الشهوات، فإنما هو ينقل من دار إلى دار، فلا يتأثر على فوات دار الدنيا إلا ليعمل فيها خيرا لا غير، وأما تَعَاطيه لذّاتِها وشهواتِها فيندَم عليها غاية الندم ويفرح لمفارقتها. وأما من لم يجاهد نفسه فيما ذكرناه فهي متعشقة للدنيا مشتبكة بعلائقها كاشتباك الصوف المبلول بالشوك، فيقاسي في طلوع روحه الشدائد، وإنما شدد على الأكابر طلوع روحهم مع كونهم لا التفات لهم إلى الدنيا، ولا تعشق لهم بها إلا من حيث وفور شفقتهم على أصحابهم لعدم وصولهم إلى ما كانوا يطلبونه لهم من المقامات، فكان مقصود الأكابر تأخير أجلهم ليكملوا أصحابهم، وليس مقصودهم البقاء في الدنيا لحظ نفوسهم.

   ولذلك قال بعض الأنبياء لجبريل عليه السلام: ألا تراجع ربك في التأخير؟ قال: جف القلم مما هو كائن.

   ويؤيد ما قررناه قول الجنيد رحمه الله في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “إنه ليغان على قلبي فأستغفر ربي في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة” أن المراد به أنه اطلع على ما تقع فيه أمته من المعاصي بعده، فكان يستغفر الله تعالى لهم لا له، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ذنب عليه، فقال له قائل: فما المراد بقوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)(2)؟ فقال: المراد به ذنب أمته، وإنما أضيف إليه لأنه هو المشرع لتحريمه، فكأنه قيل له: استغفر لأهل الذنب الذي حرمته شريعتك. هكذا رأيته عن الجنيد رحمه الله منقولا في بعض الكتب، وهو اللائق بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  أكيس الناس (1/2)

   وسمعت أخي أفضل الدين رحمه الله يقول: يهون الموت على كل إنسان من الأمة، ويصعب بقدر جهاده لنفسه، فمن بقي عليه بقية مجاهدة صعب عليه طلوع الروح بقدرها والناس بين مقل ومكثر. وأما الخواص الذين لم يبق عليهم من مجاهدة نفوسهم بقية كأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأضرابه فلا يتأثر بطلوع روحه أبدا، وإنما يتأثر الجسم من حيث فراق من كان سببا لحياته المدبرة له، فإن الله تعالى أوحى إلى الروح أن ادخلي كَرْها واخرجي كَرْها، أي ادخلي كرها عليك، واخرجي كرها على الجسد، وذلك لأنها من عالم الانفساح والسراح، والجسم يقيدها فيه عن سرحها، وقد أنشد سيدي علي بن وفا رضي الله عنه في الروح مخمسا:قد سمعــت الروح تحكي *** أن نفـــس المتزكــــي

أنشــدت كالمتشــكـي *** أنا في الغـــربة أبـــكي

ما بكت عيـــن غريبِ

بعد روضي ومُـرُوجـي *** وارتفــاعي وعُــــرُوجي

صرت في الضيق الحريج *** لم أكن عنـــد خروجـــي

من مكــــاني بمصيبِ

كنت حقـــا روح ملْكي *** فتغـربـــْتُ بدَرْكـــــي

مع وَهْم خلــد إفكــي *** فاعجبـــوا لي ولتـــركي

وطنا فيـــه حبيــبي   وأنشد ابن سينا رحمه الله في الروح:هبطتْ إليــك من المحــلّ الأرفعِ *** ورقــاءُ ذات تحجــب وتمنـع

محجوبة عن كــل مُقْلة عــارف *** وهي التي سَفَــرت ولــم تتبرقع

وصلت على كــره إليــك وربما *** كرهت فــراقك وهي ذات تفـجع

نفت ومــا سكنت فلما واصــلت *** أَلِفَتْ مجــاورةَ الخراب البَلْقَع(3)

وأظنُّها نسِيَــتْ عــهودا بالحِمَى *** ومدامــعا هَطَلَـت ولم تتقــطع

إذا عاقها الشَّرَكُ(4) الكثيفُ وصدَّها *** قَفَص عن الأوج الفسيح المــرفع

حتى إذا قرب المسير إلى الحـمى *** ودنا الرّحيل إلى الفضــاء الأوسع

هَجَعَت وقد كشف الغطاء فأبصرت *** مــا لـيس بالعيــون الهُــجَّع

طالع أيضا  أكيس الناس (1/2)

فكــأنما بـرق تلمــع بالحـمى *** ثم انطــوى فكــأنه لم يلمــع   ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ ناصح يخلِّصُه من العوائق والحجب التي تَحْجُبُه عن شهود الدار الآخرة وأهوالها، ويعرفه أنه ما دام في هذه الدار فرُسُلُ الله تعالى مرسمة عليه تكتب عليه جميع ما شاء الله تعالى من الأقوال والأفعال فكأنه في سجن، فإذا خرجت روحه فكأنه أطلق من السجن. ومن لم يسلك كما ذكرنا فمِنْ لازمه نسيانُ الموت والدار الآخرة كما هو حال أكثر الناس اليوم فكلنا في غمرة ساهون، نسأل الله اللطف.

   وفي الحديث: “من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه”. وإنما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ميتا لأنه مات عن التدبير والاختيار مع الله تعالى، وسَلَّمَ نفسَه لمجاري الأقدار، ولم يبق عنده نزاع لها.

   فاسلك يا أخي على يد شيخ ليصير الموت نصب عينيك طبعا من غير تكلّف، فلا ترى إلا عاملا بخير أو مستغفرا من ذنب قد سبق على أيام السلوك لك، والله تعالى يتولى هداك.

————————

(1) نَزَعَ: يَنْزِعُ نُزُوعا: انتهى.

(2) سورة محمد، الآية:19.

(3) البلقع: الأرض القَفْر التي لا شيء بها.

(4) الشرك: حِبَالة الصّائد، مفردها: شَرَكَة.