حرفة الأنبياء

جعل اللهُ تعالى الدعوةَ إليه حِرفة الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين، فاختار لها صفوة خَلقه وكلفهم بإبلاغ دينه إلى الناس كافة، بجميع أجناسهم وألوانهم وحيثياتهم ومستوياتهم وفي كل مساكنهم ومشاغلهم وظروفهم. وهيأهم لإتقان هذه الحرفة تهييئا ربانيا حيث قال سبحانه: الله أعلمُ حيث يجعلُ رسالته 1 . وقد ختم الرسالة بأفضل أنبيائه وأكرم رسله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولخص مضمونها في قوله جل وعلا: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا 2 ، وأخبر أن هذه الدعوة هي وظيفته ووظيفة أتباعه من بعده فقال سبحانه: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان اللهِ وما أنا من المشركين 3 . ورسم له منهاج الدعوة وأسلوب البلاغ، فقال عز وجل: ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن 4 . ومدح القائمين بها وأثنى عليهم وأخبر أنهم يمارسون أفضل عمل فقال سبحانه: ومن أحسنُ قولا ممن دعا إلى الله وعمِل صالحا وقال إنني من المسلمين 5 . وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بعِظَم الثواب فقال: “من دعا إلى هُدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا” 6 .

واعلمْ أن الدعوة إلى الله درجات ومستويات، وعلى كل مسلم يَسُرُّهُ أن يكون من إخوانِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في نِطاقه وحسب طاقته وبمشورة إخوته، وأن يشعر بعمقِ الانتماءِ إلى موكبِ النور: موكب الدعوة إلى الله، وأن يتهمَّمَ بهذه المسؤولية. ولا يُعذرُ أحد ببُخلِه عن الدعوة، ولا يقولَنَّ إن الدعوة من اختصاص العلماء، ولا يُسَوِّفها حتى يكون عالما، فإنه إما أن يموت قبل ذلك فيفوته أجرها، أو أن يدَّعي يوما أنه وَصَلَ وأصبح عالما، والمُدَُّعي لا يَصِل. ومن قال وَصََل فقد وصل إلى سَقَرْ. وكيف يقعد من بلغته الوصية النبوية الخالدة: “بلِّغوا عني ولو آية”.

وجاء من أقصى المدينة

قال الله تعالى: وجاء من أقصى المدينة رَجُل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسَلين. اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون، جاء رجل من أقصى المدينة؛ بمعنى أنه خرج من مكانٍ بعيد وقطع مسافة كبيرة إلى مكان آخر من أجل قضية ما تشغل بالَهَُ. فما هي هذه القضية؟ إنها ببساطةٍ الدعوة إلى الله. ليقولَ لقومه: اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو حامل مِشعل الهداية. قضية الرجل هي دعوةُ قومهِ إلى الاتباع. وقومُه هم الذين يَعرفِهم ويَعْرفونه. فهل جئنا إلى أقوامنا وقبائلنا ودواويرنا لندعوهم إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل بذلنا من جهدنا نصيبا؟

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: … فعلى كل واحد منكم يقع واجب نشر الدعوة، وتبليغ النداء، وتمهيد الطريق أمام المسلمين والمسلمات ليهبوا من رقادهم، ويلتفوا حول لواء لا إله إلا الله. إنها السعادة في الدنيا والآخرة أن يهدي بك الله رجلا واحدا أو امرأة، فكيف إذا وفقك لهداية رجال ونساء).

أوصي كل واحد منكم بنشر الدعوة. وتعزيز الصف من آكد واجباته بشرط أن يربط سعيه الدؤوب في الدعوة بسعيه الجوهري بالتقرب إلى مولاه، إنها قُرْبَة شريفة).

إن من أعلى شعب الإيمان بل من أسبق سابقات الجهاد أن تدعو غيرك إلى الله، إنها مهمة الرسل والأنبياء عليهم السلام ومهنة المصطفين من عباد الله، فتعست هِمَّة لا تطمح هذا المطمح، ولا عاش من لا يحمل هم الأمة. الساكت عن الدعوة ساعة من نهار وفرصة كل لقاء مثبط قاعد).

تكلموا وبلغوا حفظكم الله، إن إيمانك أخي وأختي تُفتح له أبواب المزيد مُتْرَعَةً حين يشْغُلُ بالَك بعد ذكر الله عز وجل الدائم المقيم هَمُ تبليغ رحمةِ الإيمان لغيرك..).

قال الله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجْتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار 7 .

قيل أن المراد بالكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل هي الدعوة إلى الله، وقيل: كل كلمة حسنة.. والمراد بالكلمة الخبيثة: كلمة الكفر أو الدعوة إليه أو الكذب، أو كل كلمة لا يرضاها الله تعالى.

الذكر بأدبه والدعوة بقوامها قرار المؤمن والمؤمنة.

فن البدايات

الداعية الناجح هو الذي يبدأ في العلم وفي العمل من الصغير إلى الكبير، ومن البسيط إلى المركب، ومن صَحَّت بدايته صحت نهايته. الذي يدعو في البادية ينبغي أن يفهم طبائع الناس وقابلياتهم وأن يتحمل أكثر من غيره ماديا ومعنويا، فهو يقطع المسافات الطويلة، ويجمع بين الأفراد المتفرقين بالإضافة إلى معاناة قلة وسائل النقل وضعف الشبكة الطرقية. وليتذكر أن الصحابة قطعوا البحار والغابات وبذلوا أموالهم وأنفسهم لنشر دين الله بين الناس، ومنهم من أكلته السباع ومنهم من مات جوعا في سبيل الله.

فعلى حامل المشعل أن يكون مبتسما مداوما على الرفق والحكمة والرحمة، متجنبا أساليب الجدل والنقاشات التافهة، بعيدا عن أساليب التبديع والتكفير والتشدد. لا تدعي أنك أحسن من الناس.

لا تفعل كما تفعل الأحزاب في مواسم الكذب وبيع الذمم وشهادة الزور واستغفال الأمة، لا تكن دنيويا فتخوض فيما يخوض فيه الغافلون، بل احرص على تعليم الناس الرجولة الإيمانية، ابدأ بإحياء حب الله تعالى وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعلَّم مع الناس إقامة الصلاة: تلاوتها وركوعها وسجودها وخشوعها وحلالها، علَّم الناس ذكر الله تعالى و بُتَّ فيهم روحانية المسجد، وقدسية القرآن، وصلة الرحم، والإحسان إلى الجار، والتكافل والتضامن والمواساة، وزيارة المريض والأخ والصديق… لوجه الله.

وهذا ما لا يملك أن يفعله الذين هَمهُم سوق النخاسة: الديمقراطية التصويتية.

كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا أرسل أُمَراءَه في البلدان أَمَرهم أولاً بالدعوة إلى الله تعالى، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: “إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فلْيَكُن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم”.

محاضن ومواسم

على الداعية أن يستثمر المناسبات المتاحة قبل أن يجتهد في صناعتها وإبداعها، وهي ولله الحمد كثيرة ومتنوعة، وما عليه إلا أن يخطط لها برنامجا دعويا مناسبا ويعد لها ما تتطلبه من رجال ووسائل…ومن هذه المناسبات ما لا ينقطع في أي يوم كمناسبة الصلاة في المسجد حيث يلتقي بالناس ويتعارف ويتآلف، ويخدم المسجد وأهله، ويجالسهم ويطعمهم مما رزقه الله ومن غير تكلف لأن رفع الكُلْفَة شرط الأُلْفَة)، ومنها ما هو مظروف بظروفه كزمن العيد وما يتطلبه من عمل اجتماعي تكافلي لجمع الأُضْحِيات للفقراء والمساكين أو كِسوة أبنائهم، بالإضافة إلى عموم مواسم الخير مثل مواسم القرآن الكريم ومواسم الحديث الشريف ومواسم الربيع ومواسم الحج وغيرها، فهي سُنَنٌ مباركة سَنََّها الذين مِن قَبْلِنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سَنَّ في الإسلام سُنة حسنة، فعمل بها بعده، كُتِب له مثل أجرِ من عمل بها. ولا ينقص من أجورهم شيء. ومن سَنَّ في الإسلام سُنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وِزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء” 8 .

وعلى المؤمن أيضا أن يستثمر الأعراس والمآتم والحفلات، فهي أوقات وأحداث تحتاج إلى المواساة والتضامن والتعاون والمساعدة والزيارة والتذكير والتوجيه والتصويب. وبابُ الخدمة بابُ القربِ السريع من الله.

هذا مع الإكثار من الدعاء الدائم أن يفتح الله قلوبا للخير، وتذكَّر أن سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله بِإلحاحٍ أن ينصر الإسلام بأحَدِ العُمَرين: عمر بن هشام (أبو جهل) أو عمر بن الخطاب، حتى استجاب الله له. ولا يفارقك حُسنُ الظنِّ بالله وحسن الظن بالناس، ولا تقنط أبدا ولا تدَعِ اليأس يتسرب إلى قلبك، وكن صبورا وتذكر أن الصدق هو الدوام). والدعوة الصادقة لا تعرف الإحباط، نعم فالدعوة معاناة دائمة لكنها نجاح دائم، والنصر مع الصبر. وأنت مع الله تشتغل.

صلة الرحم

على المؤمنين والمؤمنات الذين يسكنون بالمدينة أن يلتفتوا إلى بواديهم وعائلاتهم وأقاربهم وأصهارهم ومعارفهم ليبلغوا دعوة الله إليهم، فكم نسمع عن بعض الدعاة الذين لهم صيت وبريق في المدينة لكنهم لا يهتمون بعشيرتهم في البادية وهي أحوج. ولربما لا يوجد من يُذكرهم غيرُه باعتبار القرابة والصحبة، قال الله جل وعلا: وأنذر عشيرتك الأقربين، وليست العشيرة هي من يسكن المدينة فقط، بل أينما كانت، خاصة في البادية التي تعاني من البعد والتهميش والجفاف والإهمال، ولو عُدنا إلى عائلاتنا ودواويرنا وقبائلنا في البوادي وأحيينا معهم الرحم الإيمانية والقرابية لبارك الله في خطواتنا وتخطيطنا ولأحيى قلوبا غُلفا، ولأرانا من فضله ما نعجز عن عدِّه وشكره.

الذي يحمل الدعوة بمفهومها الشامل لا يخزيه الله أبدا، وانظر لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في غار حراء، هرع فزعا إلى أمنا خديجة رضي الله عنها وحكا لها ما حدث، فزمَّلَتْهُ حتى ذهب عنه الروع وقالت: “كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقْري الضيف، وتعين على نوائب الحق” 9 .

وهذا هو مشروع رجل الدعوة. والبداية من صلة الرَّحم. الوالدان أولا، والعمَّة والعم وفروعهما، والخالة والخال وفروعهما، والصِّهر والصديق والقريب والبعيد. إذا كنتَ فلَّاحا فاغرِس شجرةً مباركة، أو حائطا (بستانا) مباركا، في تُربة اليقين واسقه بماء الصحبة والذِّكر. وسترى ثمار الغرس يانعة في حياتك الدنيا وفي آخرتك وللآخرة خيرٌ لك من الأولى.

إذا كنتَ كسَّابًا فاكسِب حُمر النعم، فهي خيرُ ما يدوم كسْبُه “لأن يهدي الله على يدك رَجُلاً واحدا خيرٌ لك من حمر النعم”.

إذا كنتَ تاجرا فتاجر التجارة التي تبقى، بالربح الذي لا يفنى “لأن يهدي الله على يدك رجُلاً واحدا خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس” الحديث.

إذا كنتَ فقيرا فأنت بدعوة الله غَني، وإذا كنتَ غنيا فأنت بها وَفي. إذا كنت متكلما فأحسَنُ الكلام دعوة، وإذا كنت صامتا فخير السكوت تفكر في الله وفي الدعوة إليه.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.


[1] الأنعام: 124.\
[2] الأحزاب: 45 – 46.\
[3] يوسف: 108.\
[4] النحل: 125.\
[5] فصلت: 33.\
[6] صحيح الإمام مسلم رحمه الله.\
[7] إبراهيم 24- 26.\
[8] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[9] رواه الإمام البخاري.\