الفصل الثالث: المنهاج السياسي

أولا: الهويةنحن حركة مجتمعية مهمتنا الدعوة إلى الله عز وجل، والدلالة على الله عز وجل، نسعى لنكون من الـ”من” الذي يجدد الله به الدين للأمة الوارد في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” رواه أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح.

السياسة بعض شأننا، نحرص أثناء مزاولتها على التوازن بين اهتمامنا بالشأن العام للأمة والشأن الخاص للإنسان، لاقتناعنا أن لا فائدة ترجى من إدارة الشأن العام والإنسان خرب قلبه بالآثام، ومحشو عقله بالمشوشات الحاجبة عن معرفة الله عز وجل، ومكبلة إرادته بإكراهات الواقع وضغوطاته. الهم السياسي جزء لا يتجزأ من فكرنا وعملنا.

شعارنا “العدل والإحسان” نختزل من خلاله برنامجنا وأهدافنا، فلا نرضى بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا نرضى بغاية تتطلع إليها همم المومنين والمومنات دون الإحسان، ولانفصل واحدة عن أخرى.

“العدل والإحسان” عنواننا في شارع السياسة، وديدننا في محاضن التربية، وبشرانا للناس في ميدان الدعوة، هما أم القضايا في الدين والدنيا، وفي الدعوة والدولة، وفي المصير السياسي والمصير الأخروي.

ثانيا: خطنا السياسي الواضحلا نعارض من أجل المعارضة، ولانحصر معارضتنا على مستوى تدبير المعاش، بل نعصي الحكام لأنهم خرجوا عن الإسلام وخربوا الدين وارتضوا أنصاف الحلول وباعوا الأمة لأعدائها. لا ندعو إلى عنف أبدا لاقتناعنا أن ما بني على عنف لا يجنى منه خير، ولأننا أمرنا بالرفق والرحمة وحقن الدماء في زمن الفتنة، ولأن الذين يعوزهم الإقناع بالحجة والدليل هم الذين يلجؤون إلى أساليب الإرهاب والعنف. سياستنا رفق ورحمة بالخلق والمخلوقات.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (7)

ثالثا: النظام السياسي المنشودندعو إلى إقامة نظام سياسي على قاعدة الإسلام، تشكل الشورى والعدل ركيزتيه، والإحسان روحه، والمشاركة العامة والتعددية السياسية وسلطة المؤسسات وسيادة القانون الضامن لاستمراره وحيويته، والحوار والاحتكام إلى الشعب وسيلة ترجيح الخيارات فيه.

قد يعتبر البعض ما ننشده نسخة مكررة لأنظمة ديمقراطية مدبجة خصائصها في كتابات السياسيين، أو مجسدة بعض مبادئها في واقع غيرنا، ولكننا لا نفتأ نؤكد أصالة مشروعنا وتميز بدائلنا بروحها الإيمانية وطابعها الدعوي.

ليس لنا مع الديمقراطية نزاع إن نحن عرفنا حقيقة ظواهرها وبواطنها، ليس لنا معها نزاع فيما أنتجته من دروس في تنظيم الخلاف وترتيب تعددية الآراء في نظام تعددية الأحزاب، وفيما تقره من حق للمعارضة أن تكون ضدا أو رقيبا أو ناقدا أو بديلا، وفيما تقترحه من حرية للشعب في اختيار حكامه وإقالتهم، وفيما تخطه من ضوابط لحسن سير البلاد مثل فصل السلط واحترام حقوق الإنسان وحرية تعبير وسيادة قانون وتداول على السلطة. الديمقراطية في بعض أهدافها شطر مما نسعى إلى تحقيقه، وطلبتنا التي لا بديل عنها إلا الاستبداد.

مأخذنا الجوهري على الديمقراطية أنها تتغافل الشطر الآخر، لا تقترح على الإنسان مخرجا من الكفر وهو الظلم الأكبر، مأخذنا عليها لازمتها وضجيعتها اللاييكية التي تستبعد كل ضابط أخلاقي فإذا بالحرية تتجاوز كل الحدود وتتوق إلى كل ممتنع، ونحن قمة حريتنا أن نكون عبيدا لله (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) (الفرقان: 63). مأخذنا الجوهري عليها أنها فلسفة ضد الإسلام وآلية مقطوعة عن الله، ونحن شورانا عبادة وليست شكلا تواضع عليه الناس، والتحلي بها استجابة لأمر إلهي، وصفة إيمانية تتوج صفات أخرى ذكرت في قوله تعالى “َفمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ و َالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُون” (الشورى، 33-34-35-36).

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (4)

هي إذن عبادة تجمع السعيين معا كما وضحت الآيات السالفات وليست بناء على الهواء، بل مبنية على مقدمات جاءت الشورى في آخرها.

ننظر بعين إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبعين أخرى إلى كتاب العالم، وننفتح على التجارب الإنسانية نستنطق ما أودع الله فيها من أسرار، ونتعظ من دروسها وعبرها. الحكمة ضالتنا أنى وجدناها فنحن أحق بها، وإسلامنا لا يمنع الاستفادة من تجارب الأمم.

لم نكن بحاجة إلى تأكيد هذه المقدمات لولا حملة التشويه وسياسة التعتيم وأساليب الحصار المنتهجة ضدنا، وكثرة من يتكلم باسمنا محرفا أفكارنا ومواقفنا.

لذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى تأكيد مواقفنا ومبادئنا بشأن بعض القضايا التي يتسبب سوء فهم رأينا فيها إلى ما لا يخدم مصلحة أمتنا ومجتمعنا.

1- التعددية السياسية: مزية نعترف بفضلها، ولا ينازع في صوابها عاقل، ولا ينكرها إلا تواق للاستبداد. وهي باب للتنافس الشريف في الخير خدمة لمنافع عامة يعمل لها الجميع إذا ما حكمها ضابط الوضوح والمسؤولية والجدية، ولا نرى بديلا عنها إلا أن يتحول الحاكم إلى جلاد وطاغوت.

مطلبنا تعددية مسؤولة متعاقبة على الحكم، تعددية معبئة للجهود في قنوات منتظمة بدل الفوضى والعنف. تعددية تتراضى على الحلول المثلى وتؤطر الشعب وتنير له الطريق.

2- التداول على السلطة: حكمة بشرية تعصم المجتمع من الاستبداد، وتمنحه مناعة ضد التسلط الأبدي، وتمكنه من التطور وجودة تدبير الشأن العام.

3- سيادة الشعب: مزية مهمة يؤكد جدواها والحاجة إليها ما يعيشه المسلمون من استبداد وفتنة وسيطرة القائد الملهم الذي لا راد لقوله ولا معقب لحكمه، لا يري الناس إلا ما يرى.

مزية تعطي للشعب جدوى وتأثيرا عكس ما يعيشه اليوم من سلبية وانتظارية وقمع لحريته وسلب لإرادته وتوجيه لاختياراته.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (2)

4- فصل السلط وسيادة القانون: حكمة بشرية، وميزان توزن به الدول في مجال الترقي الإنساني، وعاصم من نموذج دولة تسير بهوى الحكام ومصالح صنائعهم، وتؤسس لدولة يعرف فيها كل فرد ومؤسسة حقه وواجباته، وأسلوب حضاري لتفادي الفوضى والعشوائية.

5- الحريات العامة: هي نقطة لقاء. بيننا وبين الداعين إليها نفور من الخنق والاستبداد وتوقان إلى حرية تتعدد فيها الآراء والأساليب والوسائل. بها ينتقل الناس من رعية مسلوبة الإرادة وذهنية رعوية إلى مواطنين لهم كرامتهم وإرادتهم يستخدمونها للحفاظ على كيان مجتمعهم وحماية مصالحهم وهويتهم.

كل هذه حكم ومزايا لو لم تخترعها الديمقراطية للزم أن نخترعها نحن حتى نجتهد لزماننا ومكاننا وظروفنا كما اجتهد من سبقنا بإيمان وإتقان.

لكننا لا نفتأ نؤكد أنها ستبقى حبرا على ورق وأماني معسولة إن لم نجعل بيننا وبينها ميثاقا يكون عهدا ورباطا يضمن استمرارية في الكليات ويترك باب الاجتهاد فيما دون ذلك.