خديجة وإخوانُها   في مطلع كل فجر، وعند كل غروب، و مع كل نَفَسٍ، تَسُلُّ يدُ القدر روحَ عزيز سابق بالإيمان، تغسلها من طينة الكدح، وتُسَرِّحها من إسارِ السَّبْح، لتطيرَ بها في الملكوت ترفعُها إلى درجتِها في مراقي القرب، وتُزين بها الشجرة المباركة تَضَعُهَا في مكانِها من قَدَمِ الصدق عند مليك مقتدر ﴿مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾(النساء 69).

   كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، يرى ذو البصيرة بنور الله ما خلْف أجسادهم العانية من أنوار الْحق مُكَابَدَةً في ذات الله؛ وكانوا يَمدون أكفهم إلى مولاهم ينهلون من وِرْدِ أنواره ورحماته في كل حين، ينثرون بركاتِها على أرواح الْمؤمنين في خلوة الليل لدى أكرم الأبواب. وكلما أجاب منهم مُجيبٌ داعيَ السماء ازداد وازدان عِقْدُ مَنْ لم يلحق بهم من مُريدي اللهِ والدارِ الآخرةِ نورًا يتلألأ في ظلمات الدنيا كأنَّهم ورثوا عنهم أرواحَهُم وأنوارَهم ومعارفَهم ومواضِعَ سجودهم: ﴿فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(آل عمران 170).

   أما أنا وأنتَ وأنتِ، فهانحن أُولاء نقوم، بإذن الله، على ختام ما كان خَطْرَةً وقطرةً وعَبْرَةَ وزفرةَ وعِبْرَةً وتذكرةً أوحى بها رحيلُ حَبَّةٍ من حبَّات هذا العِقد النوراني المنظوم.

   وقد فتح الله تعالى فيما سبق ما فتح، حتى إذا ما رمتُ خَتْمَ المكتوب استعصى علي الأمر حتى ألَمَّ بي منه همٌّ وحَزَن وسُهد.

   وما كان مَرَدَّ الحزن استعصاءُ الحروف وتَمَنُّعُها على القلم، ولكنه الخوفُ من أن يُحْرَمَ العبدُ في الختام كَرَمَ المعطي المنعم المتفضل في الاستهلال. ومِن ضمانِ سدادِ الرمية قوةُ طرفَيِ القوس التي يُرْمَى عنها؛ وما رميتَ إذْ رميتَ، على كل حال، ولكن الله رمى.

طالع أيضا  أكيس الناس

   وقد كنت كلما سطرت نواةَ فكرةٍ ضُرِبَ بيني وبين تمامها بسور لا باب له ولا منفذ، وما كنت أعيد الكرَّة بنواة أخرى حتى ينالني منها ما نالني من أُخْتِها.

   وكنتُ مع تَمَنُّع كل معنًى من المعاني أزداد حَزَنًا على حَزَنٍ وانكسارا إلى انكسار وافتقارا مع افتقار.

   وما أنْداه من حَزَنٍ وما ألَذَّه من انكسار وما أغنى القلب بافتقارٍ يسوق الآبق إلى سيده ومولاه سَوْقًا. فما أندى وما ألذَّ وما أغنى سجدة القلب الحزين المنكسر المفتقر.

   أيُّ رزق يُرْزَقُه القلبُ التائه الواني حين يقذفه وَلِيُّه في تابوت المحبة فيقذفه في يَمِّ العناية فيُلقيه الْيَمُّ بساحل الاِختصاص إذْ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾(آل عمران 74 )!

   وإنه ليكاد ينخلع قلبُ العبد يجري تابوتُه في موج كالجبال، ولكنه سبحانه يربط عليه ويورثه مِن لَدُنْهُ بقدر ما آنس منه بل بقدر ما يَتَفَضَّلُ عليه سبحانه ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(النور 38).

   ويستقر بالعبد التابوتُ لدى عتبات ربه يتلو عندها آيات الحمد فتغشاه رحمته من كل جانب، وتتنزل عليه سكينته سبحانه تَلُفُّ روحَه بين ثناياها لَفّاً وتعرج بها من سماء لسماء إلى أن تنال من الفضل ما قُسِم لها في مَتَمِّ ميقات الربّ.

   فلا تسل عن سِرِّ طرب القلب آنئذ، ولا تعجب من روعة موسيقا الروح فيه، ولا تستكثر على الفقير الحقير من عباد الله أن يُنَزَّلَ عليه فضل الله هنالك!

   هنالك؟

   وما هنالك؟

   وما أدراك ما “هنالك”؟

   ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا، كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً، قَالَ: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ…﴾( آل عمران 37/38).

طالع أيضا  مهلا أخي: وماذا عن ضجعة القبر؟

   ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾: عند شُهود القدرة، وعند اليأس إلاَّ مما بيد الذي يعطي من يشاء بغير حساب، وحيث يخشع القلب الحي الْيَقِظُ المستجيب فيسجدُ للسيد سجدةَ عبوديته، وحيث تُبْصِرُ العينُ عظيمَ قدرته سبحانه فتنثر بين يدي مولاها دمعات حُبِّها، وحيث تُسْلِمُ الروح إلى صاحب الأمر أمرَها، وحيث لا سلطان إلا لله، ولا آثار إلا لرحمة الله، ولا طمع إلا في فضل الله، ولا مضاءَ إلا لحكم الله.

   وسِرُّ السجدةِ كُلُّ السر في ﴿هُنَالِكَ﴾!

   ومَعْنَى الوصول كُلُّ المعنى فيما ﴿هُنَالِكَ﴾!

   فما أعظمها سجدةً يحبها الله من عبده ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾( آل عمران 134)، وما أجزلَه عطاءً يحبه العبد في ربه ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾( آل عمران 74).

   ودون الأمرِ حظوظٌ ونوازغُ وسكرات، ودون الْمَسِيرِ القاصد قُطَّاعٌ وجِبَابٌ(1) وعقبات، ودون العروجِ فالوصولِ إلى الجناب الكريم حُجُبٌ وأهوال وسماوات؛ بَيْدَ أن قدرةَ الله وأمرَه وسلطانَه وحُكمَه وفضلَه ورحمتَه سبحانه يراها الْمُدْلِجُ الساري كما رآها ﴿هُنَالِكَ﴾ وعاشها وَدَلَّ عليها وزرعها في القلوب القلبُ الكامل الواصل الموصول بالله؛ فلهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يَذْكُرُ رَبَّه على كل أحيانه ليعلِّمنا كيف تبقى المعاني الإيمانية والمعارف الإحسانية غَضَّةً طريةً نديّةً راسخةً في قلوبنا لا تَتَفَلَّتُ منها تَفَلُّتَ الإِبِلِ مِنْ عُقُلِهِ. وهذا هو شأنُ السالكِ سبيلَ الداعي إلى الله، وهذا هو برنامجُ المتبعِ سبيلَ من أناب إلى الله، الساعي للآخرة سعيَها، مَنْ يسمع ويَعِي ويفهم عن سَيِّدِ الكلام كلماته فيكونُ في هذه الأرض مجرد عابرِ سبيل بين الدنيا والآخرة.

   “اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبَ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعْهَدَ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ وَتُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وَإِنِّي لاَ أَثِقُ إِلاَّ بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْداً تُوَفِّينِِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ”(2).

طالع أيضا  بين الدنيا والآخرة (الحلقة الأولى)

تمَّ بحمد الله بالدار البيضاء

عصر الجمعة 13 شعبان 1429 هـ/

15 غشت 2008 م

——————————————–

(1) جمع جُبٍّ وهو البئر.

(2) رواه الإمام أحمد في مسنده: عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ… إِلاَّ قَالَ اللهُ لِمَلاَئِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْداً فَأَوْفُوهُ إِيَّاهُ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ”.