الفصل الثاني: المنهاج التربوي

رابعا: وسائل التربية:

تسعى جماعة العدل والإحسان لصياغة مومن شاهد بالقسط قوي أمين، قائم لله ثابت في رباطه لا يتزعزع مهما كانت العقبات “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ” (المائدة: 8)، وحاجتنا كذلك ملحة لإيجاد جماعة مومنة مجاهدة تواجه عقبات الحاضر وتهيئ للمستقبل، مستقبل الخلافة على منهاج النبوة.

لن يتحقق هذا إلا بتربية إيمانية جهادية. وهذه التربية تلزمها وسائل. ولا بد من اختيار الوسيلة المناسبة للهدف المناسب.

لسنا بحمد الله ممن ينغلق على ذاته ويتحجر على وسائل بعينها، فكل وسيلة أجدى هي أولى، وكل وسيلة توصل إلى الهدف نأخذ بها ونعمل بها ما لم تخالف شرعنا، ومتى تيقنا أنها الأصوب والأصلح والأنسب.

طيلة مسيرتها الدعوية استطاعت جماعة العدل والإحسان، والحمد لله من قبل ومن بعد، اعتماد وسائل تربوية عديدة بدء بالأسر الإيمانية، واللقاءات العامة، وحلق الذكر، ومجالس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرباطات التربوية، والاعتكافات الرمضانية، ومجالس الحديث، ومجالس القرآن، ومجالس النصيحة، وغير ذلك من الوسائل التي ييسرها الله عز وجل في كل فترة وحين.

لكن الحرص كله على أن تبقى هذه المجالس كلها مجالس ذكر ومذاكرة وعلم وتعلم، وحلم وتفقه في الدين، وتلاوة ومدارسة يتحقق فيها التجالس في الله، والتزاور فيه، والتحاب فيه، والتباذل فيه والتناصح فيه، والتصافي فيه، والتواصل فيه سبحانه وتعالى لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه.

حرصنا كله على أن تبقى هذه المجالس مجالس تعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تبقى مآدب للإحسان توزع فيها الأرزاق المعنوية، ويصبر فيها المومن نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.

في هذه المجالس تنشرح الصدور ببركة الصحبة والذكر، وبركة صدق المتجالسين في الله عز وجل عبادا لله مفتقرين إلى رحمته.

هذه المجالس الربانية والمحاضن الإيمانية نضعها على رأس الوسائل وننتدب لها صفوة الأعضاء ونختار لها صفوة الأوقات. وهي كلها وسائل جماعية يتقوى فيها المومن بإخوته، ويتذكر فيها إسرافه في أمره وتفريطه في حق الله، حتى ترسخ قدمه ويتحقق له صدق الطلب وقوة الهمة والعزيمة. في هذه المجالس يتساوى الجميع، الكل عباد الله، تذوب بينهم كل الفوارق الاجتماعية والتنظيمية، شعارهم قوله عز وجل “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً” (الكهف : 28 )

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (8)

ثم هناك يوم المومن وليلته ( وستجده ضمن الملحقات )، برنامج يستحضر فيه المومن ربه طيلة يومه، حتى يبقى مع الله ولله وبالله، يختار صفوة الأعمال لصفوة الأوقات، وحتى يمسك زمام نفسه عن التسيب في الأوقات، فيخرج من ظلام الغفلة إلى نور اليقظة، ومن زمن العادة إلى زمن العبادة، فمن لا ورد له لا وارد له. بهذا البرنامج يكون المومن بوقته شحيحا ينفق فيه بمقدار ولا يضيعه فيما لا يعني.

ولتقريب الصورة أمام القارئ الكريم الراغب في معرفة الجماعة بلا وسائط نقدم لمحة موجزة عن بعض هذه الوسائل:

أ- يوم المؤمن وليلته: حتى ينظم المومن وقته ويخرج من عوالم الغفلة إلى دوام المراقبة لله عز وجل، وحتى ترسخ قدمه في عبادة الله عز وجل، وحتى يستكمل شعب الإيمان تقترح الجماعة برنامجا فرديا يوميا عنوانه “يوم المومن وليلته” راعت فيه تقسيم وقت المومن إلى مجموعة أعمال يراعي فيها أوقات المهنة والمدرسة والأسرة والشغل والتحصيل العلمي، وأوقاتا للدعوة إلى الله والجهاد في سبيله سبحانه وتعالى، وأوقاتا لذكر الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاوة القرآن الكريم وحفظه، والاستغفار والتسبيح، وأوقاتا للتقرب إلى الله عز وجل بالفرض والنفل حتى يتعود الوقوف الدائم على الباب والتذلل بين يدي رب الأرباب، وحتى يربى المومن على لزوم باب العبودية امتثالا حريصا دقيقا لأمر الله عز وجل، ومناجاة له وحضورا قلبيا عند ذكر اللسان، وحتى يصبح العبد المومن ذاكرا لله، قائما بين يديه لا يفتر، مجاهدا في سبيله لا يكل ولا يمل.

ب- دعاء الرابطة: قال الله تعالى: “قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم” (الفرقان 77) وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يسأل الله يغضب عليه” والدعاء المأثور عن صالحي هذه الأمة ” رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ”. (الحشر: 10).

لذلك لا نفتأ نؤكد أن الدعاء مخ العبادة، ودعاء الرابطة تجسيم وتطبيق عملي لعقد الأخوة بين المؤمنين، وبه يتحقق الربط بين قلوب المومنين في الجماعة إلى جانب تكرار المجالسة والوقوف بين يدي الله في الصلاة والعمل المشترك. بذلك يكون أعضاء الجماعة على قلب رجل واحد، والله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (9)

ولا ينسى المومن من سبقه بإيمان وإحسان وجهاد، فيدعو الله لهم ليستشعر انتماءه إلى الموكب النوراني، موكب الجهاد والإيمان، من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة فيدخل في بركة أمة الخير التي تولاها الله عز وجل، ويزداد صلة إيمانية ومحبة بمن يدعو لهم عن ظهر الغيب رغبة في الاقتداء بهم والسير على منهاجهم والتماس آثارهم، ونخصص الوالدين بدعاء وهدية خاصة، ولا ننسى والأهل والأقربين وكل من له عليه حق الدعاء.

ويتحرى المومن في الدعاء آدابه حتى يقف متذللا بين يدي الله، ومن ذلك تحري الأوقات الفاضلة، ومنها وقت السحر عندما ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا يدعونا هل من تائب وسائل ومستغفر.

ج- الرباطات التربوية: الرباطات محطات تربوية مطولة تستغرق ما بين ثلاثة أيام وعشرة وقد تصل إلى الأربعين يستغرق فيها الإنسان في ذكر الله وتلاوة القرآن وحفظه، ويمضي فيها المرابطون أياما وليالي في فسحات الإيمان والأخوة والتعاون الجاد والمثمر بعيدا عن ضوضاء الناس وهذيان العالم، يحبسون فيها النفس عن مألوفاتها وعاداتها ويتعلمون فيها الذلة على بعضهم البعض والتواضع وخفض الجناح والإيثار، وغير ذلك من الأخلاق السامية التي تعتبر من ثمار الإكثار من ذكر الله. كما تتميز بطول فضائها الزماني والمكاني اللذين يسعان ويستوعبان ثلة من صفوة أهل الإقبال والرغبة في حب الله ومعرفته، يجتهدون خلالها في التقرب إلى الله عز وجل بالفرض والنفل عسى أن يكونوا من المحبوبين والمجاهدين في سبيل الله، فرباطاتنا ليست خلوة انعزاليين هاربين من مخالطة الناس، بل خلوة من أجل الجهاد والمجاهدة والاستعداد والإقبال على الله عز وجل.

د- الأسر الإيمانية: مجالس تربوية تتكون من عدد من الأعضاء لا يفوق العشرة، تنعقد أسبوعيا يجتهدون خلالها في قراءة القرآن وذكر الله عز وجل، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيام الليل، والدعاء.

ه- الاعتكافات الرمضانية: تنعقد في العشر الأواخر من رمضان، وقد تنعقد في البيوت حين لا يتيسر الأمر في المساجد التي أمّمتها السلطة وأفرغتها من محتواها وعطلتها عن وظيفتها الحقيقية.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (6)

و- مجالس النصيحة: مجالس تعقد أسبوعيا، أو مرتين في الشهر، أو مرة في الشهر على الأقل، تستغرق ما بين العشاءين إلى شروق شمس الغد. لا تأخذ الصبغة الإلزامية، بل التطوع والرغبة والقابلية والاستعداد صبغتها الأساسية، مادتها الرئيسة ذكر الله والتذاكر فيه، والتفكر في آلائه ونعمه، فيها نتعلم تمام الافتقار إلى الله عز وجل وحبه والتوكل عليه والاعتماد عليه سبحانه وتعالى.

ز- المجالس التخصصية: هي مجالس عديدة خاصة بعمل واحد، مثل مجالس القرآن تخصص لختم القرآن في نهاية كل شهر قمري بين العشاءين، في المسجد إن أمكن، أو في بيت من بيوت المومنين ينوب مناب بيت الله حتى يفرج الله، كما يتم فيها التذكير بفضل القرآن تلاوة وحفظا وتجويدا ومدارسة واستماعا. ثم هناك مجالس تخصص لقراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحدى كتب الحديث المعتمدة، والاعتناء بها حفظا وفهما وخدمة وضبطا وتعليما. ثم مجالس للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتحقق الإكثار منها لنكتال بالمكيال الأوفى، وتدارس الشمائل النبوية والسيرة العطرة.

ثم هناك مجالس الذكر والتفكر يكثر فيها المومنون من قول لا إلا الله أعلى شعب الإيمان، مجددة الإيمان، ورافعة الميزان يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

يتضح إذن أن هناك وسائل فردية وأخرى جماعية، وفي ذلك تنويع وتذكير واستنهاض للهمم وسير على المنهاج النبوي في التربية، فقد جاء في فضل الاجتماع على ذكر الله، وفي فضل مجالس الإيمان والعلم أحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده”.

وبهذه المجالس تشحذ العزائم وترتفع الهمم فتتشوق إلى فضل الله ورضاه ووجهه الكريم فتجتهد أينما حلت وارتحلت، وقد تعافس الأهل والدنيا فتفتر ثم تخالط هذه المجالس فتنشط وتحيا، ولا حياة إلا بذكر الله، وصحبة أهل الله، والصدق في طلب فضل الله، ورضى الله، ووجه الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه صلاة وسلام الله.

يتبع