هناك دعوات ليكون الأدب تعبيرا عن الواقع بهمومه ولغته، إلى أي حد يتفق الأدب الإسلامي مع هذا الرأي؟

أخي الكريم وصف الواقع مرآوية انعكاسية هي جرح على الجرح. والجرح المجروح قد لا يُشعرك بالألم، ولكنه يشعرك بأكبر من الألم وهو السأم. نعم قد تكون رؤية الداء ومعرفته هي نصف الدواء، ولكن وصف الداء بلا وصفة الدواء داء مضاف وألم مضاعف. وأدهى من هذا وأمر من يصف جراحنا بلغة لا نفهمها، وبغموض لا نملك شفرته، وبتوظيف رموز وانزياحات وأساطير تشعر القارئ بأُمِّيَّته، وتصفعه على قفاه كتلميذ بليد لم يفقه حرفا مما كتب أمامه، ليتربع المبدع على عرش أستاذيته، يرقص فوق جراحنا بلا هوادة، وبحصان طروادة، حيث لا ننتهي من قراءة القصيدة حتى تكون من الإحباط غاية، ومن الخذلان نهاية. ويبقى السؤال معلقا: هل نحن الذين لم نفهم، أم أن الكاتب لم يتكلم أصلا، أو تكلم بلغة أخرى سُطِّرت بحروف عربية؟

متعال مثل هذا لا يكتب إلا لذاته أو لِلِدَّاته، فهو لا يعنينا ولا نعنيه، وواقعي مرآوي انعكاسي مثل ذاك يكتب ما نعانيه ونعاينه، بما يكرس الواقع لا يكسره، ويكرره لا يغيره، ويصفه لا يعالجه، كلاهما سلبي لا يهدي إلى السبيل، ولا يملك البديل عن واقعنا العليل، و التَّرياق لدائنا الوبيل. وإن كان بعض الشر أهون من بعض. والمطلوب غير هذا وذاك أدب يفهمنا ونفهمه، وأديب يكتب ما يفهم لنفهم ما يكتب. لكن الجمال بطاقة مرور لابد منها ليتم عبور ما يكتبه إلى عقولنا وقلوبنا من خلال حواسنا التي تعشق كل جميل، وترتاح إلى كل أصيل. وكما يقول المجنون جبران: أنا مثلك يا أخي إلا أنني عبرت عما تحس به وأنت التزمت الصمت، عبرت بما أمتلكه من الصراحة (هو قال الوقاحة) وأنت صمت لما تتمتع به من السماحة. أو كما قال أديب الخبال.

وما نُعايِنُه بأسلوب مختلف، ومهنة محترف، لا منحرف ولا متطرف، بل بقلم متلطف متصرف متشوف إلى أن نراه فيما نقرأه له، وأن نقرأ ما نراه متسربلا بما يفيد ويمتع، ويقنع ويشبع من أدب جاد ومتجدد ومجدد ومُجْدٍ وجَيِّد.

ومن دفتر ذكرياتي مع الشعر أقرأ لك لطيفة وقعت لي في التسعينات من القرن الماضي، حيث دُعيت إلى إحياء أمسية شعرية في إحدى الجامعات الطلابية المغربية فأجبت الدعوة، وفي الطريق نظمت أشلاء من أبيات، وشظايا من تفعيلات ضمنتها ما لا معنى له من كلام منمق هُراء، لكنه مسكون بالغرائبي والعجائبي والسريالي الطلسم المبهم الذي لا يُفهم. وفي منصة الإلقاء اعتذرت للجمهور، وقلت لهم أنني سألقي على مسامعهم آخر قصيدة شعرية بين يدي اعتزال الشعر والعودة إلى ديوان الموعظة الذي لا أتقن غيره. فضَجَّت أصوات، وتعالت هتافات قبل أن أُسكت الأصوات الضاجة بالاحتجاج، وأُلقِيَ قصيدتي العصماء التي شَنَّفتُ بها المسامعَ لِيَندَلِعَ التصفيقُ والتصفيرُ بشكل منقطع النظير، لم يوقفه إلا سؤال مثير من منير: لماذا هذا الهياج والذي تكلم بما نظم لم يفهم ما عنه تكلم؟ فلكي أضع حدا لهذه المهزلة سأتوقف عن نظم الشعر، وأرجع إلى الموعظة صنعتي المفضلة. حينها ازداد الهياج ممزوجا بنظرات الاحتجاج، وكان الانفراجُ أن بدأت في إلقاء قصائدي تباعا فعلم القوم أنهم وقعوا في شراك نوع من الاستدراج المُمَسرحِ بمَِاكِرٍ من الإخراج، وسلموا للموعظة آذانهم بلا لجاج.

طالع أيضا  حوار أدبي مع الشاعر منير ركراكيالرحلة الأولى

يقول الأديب اللبيب، والشاعر الأريب د. عبد الرحمن صالح العشماوي في لقاء أجراه معه فريق منتديات “أوفاز” الأدبية إجابة عن إحدى الأسئلة الهادفة: الكلمة الصادقة إضاءة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرقي بالكلمة الصادقة، ويجعلها أعلى مكانا، وأسمى هدفا، المهم أن يتوافر للكلمة ـ في مجال الأدب ـ الإبداعُ الفنِّيُّ، والصورةُ البلاغيةُ الجميلةُ، والتدفق البياني الماتِعُ، والمجتمعات البشرية الراقية هي التي يشيع فيها “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بأساليبه المناسبة التي لا شطط فيها ولا مبالغة، وللأدب دور كبير في ذلك، والذين يهونون من قيمة الأدب الناصح الواعظ صنفان):

1 ـ صنف يضيق بهذا الأمر لأنه متشبع بحرية الإنسان المطلقة في سلوكه وتصرفاته).

2 ـ صنف لم يطلع على روائع الأدب الوعظي فيظن أنها ضد الفنية فيحاربها. ولو قرأ نماذج من شعر أبي العتاهية مثلا لغير رأيه). انتهى كلام شاعرنا الداعية الرباني.

عيرني أحدهم بعد شعر ألقيته على مسامع الطلبة قائلا: هذه مواعظ لا قصائد. قلت شرفتني يا أخي بهذا الكلام، هو ثناء منك لا اتهام، وهل القرآن إلا موعظة ناطقة، وهل الموت إلا موعظة صامتة، وهل ثمة بعد هذين الواعظين من هو أفصح لسانا، وأصدق برهانا، وأسحر بيانا، وأجَلُّ مَعْنى، وأدوم زمنا، وأرقى حُسْنا؟ شرف لا أستحقه أن يكون نظمي هذا في نظرك وعظا، فإن كان لي من نور القرآن قَبَس، ومن سكرات الموت نَفَس، فقد عيرتني بما أحب وبما أحب. أرجو أن يكون هذا الثناء منك دعاء، وأشكرك على حسن الظن، وأعوذ بالله أن أُبطل عِظاتِي بالأذى والمَنّ.

في ختام هذا الحوار أُحيلُ القارئ على كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة، آراؤه رائدة راشدة وبالقسط شاهدة، هو كتاب المنظومة الوعظية للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله ورعاه. يقول في منظومته الوعظية: قصدي في منظومتي هذه الوعظية: أن أبلغ على وجه يقنع ويؤثر… )لعل الموعظة المكتسية حلة شعرية تنفذ إلى أعماق النفس. لعلها تطرق في ليل الغفلات أبواب القلب. لعلها تسري بالمستيقظ على ضربات التذكير بالآخرة من دار لدار، من حال لحال، من نمط عيش إلى حياة إيمان) 1 .

ثم يمضي الأستاذ في بسط نظريته الفنية الأدبية الرائدة الراشدة بدء بالحديث عن العقبات والألغام المبثوثة في طريق الأدب إلى الشهود الإسلامي الحقيقي … الإيمان بالله واليوم الآخر مرض في علم حكماء الجاهلية المعاصرة، صنم في فلسفة الآداب السائدة. فبأي صنعة أدبية، وبأية أداة لغوية، وبأية منهجية تعليمية يعالج الأدب الإسلامي والفن الإسلامي والمسرح الإسلامي والنشيد الإسلامي نفوسا صبغتها قليلا أو كثيرا الثقافة المادية السائدة ليمس النبض العميق لفطرة طمست فديارها خراب، وأخرى دُنِّست من نكْت الزنابير والذُّباب؟ )كيف يلتمس الأدب الإسلامي الرواية والقصة طريقا ليعانق الفطرة بعد طرق الأبواب والنفاذ إلى اللباب؟ ثم ليغذي طفولة النفس حتى تكتمل رجولة ورشدا؟) 2 .

ثم يبين حقيقة أسلمة الأدب: لا خير في أدب يُنعتُ إسلاميا إن جرى في مضمار السباق مع الآداب الإنسانية، يُلهبُ الأحاسيس بالتشبيهات البارعة والمبالغات الفنية، والزخارف اللفظية، والنصاعات البيانية، ثم لا تجد له مضمونا إلا خيالا دُغدِغ وصورا حَوَّمَت لحظة في المخيلة ثم احترقت كما يحترق الفراش الهائم).

لا خير في أدب يجول في عرصة الدنيا وعرسها يداعب أهواء الناس وتداعبه، يثير مشاعر الناس وتثيره، يؤجج مشاعر الناس وتؤججه غافلا مغفلا عن المآل، عاجزا مثبطا لعزمات الرجال).

كيف يكون أدبنا قمينا بنعت الإسلامية إن لم يكن على تبليغ رسالة القرآن أمينا، وببيان النبوءة مُبينا؟) 3 .

ثم يحدثنا الأستاذ المرشد حفظه الله ونفعنا بذكره وعلمه وأدبه عن الأدب كَيْفاً مُربِّيا لا كَمّاً غُثائيا: صِدْقُ المضمون وبيان الحقيقة هما الكَيْفُ الذي به يكسب الأدب الإسلامي قوته ونفوذه وفضيلته ليغزو ضمير الإنسان في عالم التجارة العملاقة).

لا قدرة للأدب الإسلامي على المنافسة إن لم يكن تَرياقا أصيلا موصولا بالشفاء القرآني ليُبطل فعل السموم. إن لم يكن عافية باستقائه من النبع النبوي تُقَدَّمُ للمرضى بالبؤس البائس والبؤس المُتخم..) 4 .

يَزْهَقُ الباطل إن قُذِفَ بالحق، ويكشف البُهتان إن صدمه صادق البيان) 5 .

ثم يمضي في التنظير لهذا الأدب الإسلامي معتبرا إياه وسيلة لا غاية: ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك) 6 .

ثم يبين أن هذه الوسيلة ينبغي أن تنفتح على كل مشروع مقبول من الأشكال والأدوات:

طالع أيضا  حوار أدبي مع الشاعر منير ركراكيالرحلة الثانية

وسيلة تربية وكلمة هادفة تأخذ من العصر وسائله، وتروضها وتتزين بزينة الله، وتتلطف بأشكال المقبول شرعا من أدوات التعبير العصرية كما تلطف مبعوث أصحاب الكهف ليقضي حاجة أصحاب الكهف من سوق كانوا يخشون غائلة أهلها).

ثم يلخص رسالة الأدب بهذه الكلمة الجامعة المانعة الرائعة: جهاد كلمة في جهاد تربية، مشاركة كلمة وفن وصنعة بلاغية متلطفة وقول بليغ قوي في مشروع تربية متكاملة تحقن منعة العافية في شرايين أجيال السلامة والإسلام).

بعد ذلك يلتفت المرشد الدال على الحق والحقيقة إلى الشاعر الأديب الفنان ليحدثنا عن رسالته وطبيعة وظيفته فيقول: من وراء شفافية الشعر وتلطف الفن وترقيق الأدب، ينبغي أن يرتسم بوضوح حقيقة من أنا المتكلم الشاعر الأديب الفنان. وينبغي أن تنفذ رسالتي وتبلغ أمينة على البلاغ القرآني النبوي الذي أخدمه عزيزا به مقتحما به متحديا به) 7 .

ثم يحذر من منزلقات خطيرة تُحَوِّلُ قطار الأدب عن سكة الحق والصواب، وتَحيدُ بوجهته عن الحكمة وفصل الخطاب. يقول في إحدى صفحات الكتاب: لكن الأدب والشعر والفن إن استألَفَتْهُ رياض الخيال النَّضِرة، وأبهجه التغريد بالحنين مع شحارير الرياض وهزارات الأفنان وأزهار البستان فَتَلِفَت في يده الأمانة وذَهَلَ لسانُه عن الكلمة المبلِّغة، وزَلق حوضه وجف وعَفَّ عن الجهر بالحق فما هو إلا قرية ظلمت ولم تُؤتِ أكلها، وعَقَّت والديها وأهلها) 8 .

ثم يختم اللقاء مع الفنانين والأدباء والشعراء بهذا النداء، وأكرم به من نداء ورجاء: ولعل الله تعالى يُقَيِّضُ مجاهدين ومجاهدات في ميادين الكلمة والصورة واللون والتركيب والإخراج والتمثيل يُلهِمُهم تحميل الأدب رسالة الإسلام والإيمان والإحسان، بجمالية تَشِفُّ عن المقصود لا تحجبه، تَنِمُّ بتلطف عما وراء الكلمة والصورة والصوت وما تحتهن، تجلو الحقيقة وتَزُفُّها للناس في حُلَلٍ بهية).

لا يَدَّع إسلاميةً أدبٌ وشعر وفن وصناعة إعلامية وخطاب ومحاضرة يطلق العِنان في براح الخيال ومراحه لاهيا عن وظيفة التبليغ ومهمة التربية وفريضة الجهاد) 9 .

والكتاب بعد هذا حافل بالآراء السديدة والأفكار الجديدة الرشيدة الرائدة المنتظمة في سلك عقد فريد، ممتع ومفيد، هو مقدمة لمنظومة وعظية، وجزء من منظومة منهاجية تربوية جهادية نبخسها حقها الشامل كغذاء كامل هو واحد من متعدد، وواحد في متعدد جاد ومتجدد ومجد وجيد ومجدد، إن استغنينا بها عن قراءة الكتاب ككل، وإن استغنينا بقراءة الكتاب عن قراءة التصور العام الذي أخرجه الأستاذ عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي ككتاب جامع، وفي المنهاج النبوي كسلوك جامع لم نقدِّر مشروعه المجتمعي المتكامل، والعمرانيَّ الأخويَّ الشامل حق قدره، ولم نوفِّه ما يستحقُّه من النظر والتأمل والتمثُّل.

طالع أيضا  حوار أدبي مع الشاعر منير ركراكيالرحلة السادسة

[1] المنظومة الوعظية، الأستاذ عبد السلام ياسين، ص5.\
[2] المرجع السابق، ص5.\
[3] المرجع السابق، ص9.\
[4] المرجع السابق، ص12.\
[5] ص13.\
[6] المرجع السابق، ص15.\
[7] المرجع السابق، ص26.\
[8] المرجع السابق، ص27.\
[9] المرجع السابق، ص29.\