الفصل الثاني: المنهاج التربوي

أولا: التربية: المفهوم والأهمية

تحصّل لنا مما سبق أن لا علاج للأمة إلا بتجديد الدين والإيمان، وتجديد الإيمان لن يتحقق إلا بالتربية؛ فالله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

التربية تغيير باطني لنفس الإنسان، وجهاد للنفس حتى تتخلى عن الركون إلى الدنيا وملذاتها وتشتاق إلى معالي الأمور؛ الفوز برضى الله والظفر بالنظر إلى وجهه الكريم.

ليست التربية ركونا إلى الانزواء أو دعوة إلى الدروشة، ولكنها تزكية وتطهير وتنمية وتنشئة على شعب الإيمان حتى يرتقي العبد إلى سلك الذين آمنوا المخاطبين في القرآن والمعنيين بأوامره وزواجره.

ليست التربية تثقيفا للفكر ولا تدريبا على أعمال مقطوعة عن الوحي والسنة، بل هي إرادة للانجماع الكامل على الله عز وجل عبادة وعبودية وتوكلا ومراقبة ومحبة حتى يضمن العبد الاستواء على الصراط المستقيم صراط المنعم عليهم في الدنيا بالتمكين في الأرض، وفي الآخرة بالسعادة الأبدية: الفوز بالله عند لقاء الله.

التربية التي ندعو إليها تربية تذكي في المومن يقظة قلبية لبلوغ أعلى مقامات الدين، أي الإحسان بمعانيه الثلاثة:

أ- المعنى العبادي: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ب- والمعنى المعاملاتي: البر بخلق الله ومخلوقاته، كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين .

ج- والمعنى العملي: الإتقان، أي إحسان العمل وإتقانه وإصلاحه.

ومجموع هذه المعاني تعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخُلقه وتعامله مع المجتمع، والوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء. يجمع علم الخشية وخلق الرحمة وناصية الحكمة.هذه هي التربية التى نسعى إليها في جماعة العدل والإحسان.تربية تودع في القلب إيمانا ويقينا وتصديقا بوعد الله وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي العقل حكمة وسدادا وفهما عن الله، وفي الجسم صلابة وقوة ورحمة بخلق الله ومخلوقاته. هي إذن تربية متكاملة ومجالاتها متداخلة، هدفها انجماع العبد على الله، حتى يصير همه الله، وكل هم تفرع عن ذلك خدمة لهذا الهدف الأسنى؛ القرب من الله عز وجل.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (6)

التربية إذن وظيفة دائمة وليست عملية محددة في الزمان أو المكان، التربية تزكية حتى نلقى الله عز وجل. التربية قبل وأثناء وبعد، التربية أولا ووسطا وآخرا.

ثانيا: خصائص التربية

درج المصنفون التبسيطيون على إلحاق كل من تحدث عن التربية والتزكية بالدراويش أو الصوفية أو الطرقية، وهذا فهم سطحي للإسلام وتحريف لحقيقته بما هو تمام الاستسلام لله عز وجل.

كيف يدعي أحد الانتساب إلى حقل الدعوة إلى الله عز وجل وقلبه فارغ من حب الله، ولسانه عاجز عن ذكر الله؟ وجوارحه تتحرك في غفلة عن الله؟ كيف يغير المنكر من في قلبه منكر النفاق؟ وكيف يأمر بالمعروف من لا يعرف الله عز وجل؟ وبالمقابل هل نتصور تحقيق ذلك كله بدون تربية؟

التربية أساس الجهاد وقاعدته وقوامه، إن كانت متوازنة تشمل عقل الإنسان وقلبه وجوارحه، فلا إغراق في الزهادة بدعوى الروحانية، ولا إسراف في الحركة ولا انحراف في الفكر، ولكنها تربية شاملة عميقة قلبية نفسية ربانية قبل كل شيء، ثم فكرية عضلية تنظيمية بعد ذلك.

تربيتنا تدفعنا لعدم الهروب من الميدان فندع العالم وصراعاته بدعوى التفرغ للتقوى والعبادة، لا نفصل خلاصنا الفردي عن خلاص أمتنا. هدفنا تربية متوازنة تتدرج بالإنسان في مقامات الدين حتى يصبح من المحسنين و”الله يحب المحسنين”، وتربية مستقبلية تهيء المؤمن ليكون من صانعي غد أمته، ومستمرة تواكب العمل الجهادي والدعوي في كل مراحله. لا نفرغ من تقويم أنفسنا وتهذيبها حتى لا يغرنا بالله الغرور. ننشد تربية فاعلة غايتها إيجاد فاعل مؤثر في من حوله غير منزو بعيد عن هموم أمته.

ثالثا: شروط التربية:

ليست كل تربية توصل إلى ذلك الهدف، وليست كل تربية تخرج هذا النشء الصالح الفاعل القوي الأمين. فلا بد من توفر شروط هي:

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان.. الهوية-الغايات-المواقف-الوسائل (1)

أ- الصحبة والجماعة: هي الخطوة الأولى في التربية، صحبة رجل صالح، ولي مرشد، عالم عامل، آتاه الله من فضله زيادة على ما يؤتي أحباءه من سر وفتح ومعرفة بربه وتقوى واتباع لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مزية جمع الجماعة والحفاظ على وحدتها حتى تفضي الصحبة إلى جماعة، ويفضي الإثنان إلى مشروع تغييري.

هو المصحوب العارف بالله، والدال على الله. بصحبته تطمئن القلوب وتتنور السرائر وتستقيم الخطى على الصراط المستقيم.

ب- الذكر: ليست الصحبة تبركا أو ألفة طبيعية أو ترفا فكريا أو تسلية. الصحبة في الله يلزمها ذكر الله، هو مصب الإيمان وملتقى شعبه ومصدر نوره، وغايته أن نتولى الله بالقيام بعبادته كما أمرنا حتى يتولانا هو برحمته كما وعدنا، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم. وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا. وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”.

هو ذا الذكر: مجموع العبادات، فرائض ونوافل ترضي الله وتقرب إليه سبحانه.

بذكر الله تسمو روحانية العبد فيطهر قلبه ويحيا، وبحياته يحيا المجتمع. فيفوز الفرد بالله، وتفوز الأمة بالخيرية والوسطية والشهادة على العالمين.

ج- الصدق: لا فائدة ترجى في من لا خبر عنده عن مقامات عليا في الدين، لا خبر عنده أن الله يحِب ويحَب، ولا جدوى من ذكر ذلك عند فاقد العزيمة ضعيف الهمة. الصدق شرط أساس وأول قدم للسالك إلى الله عز وجل حتى يتم البناء على أصل صحيح. الصدق هو استعداد المومن للتحلي بشعب الإيمان والاندماج في الجماعة والتحلي بطول النفس وقوة الإرادة وتمام اليقين. بهذا يكون الصدق الشرط الأساس. فلا فائدة من محاولة تربية من ليس له استعداد.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (4)

الصدق غير الحماس الثائر وغير التمني. الصدق هو الركن الذاتي في التربية والشرط الأول من شروطها، الصدق في الطلب، والنية، والصواب في التوجه والعمل لبلوغ المنزلة العظمى وهي الكينونة من المحسنين ومع المحسنين. لا يغني فلاح من أفلح، ولا استخلاف من استخلف ولا تمكين في الأرض، ولا نصر للأمة إن لم تتحقق للعبد مع الله عز وجل رابطة العبودية والصدق والقرب والمحبة.

بهذا فقط تكون التربية إيمانية تجدد الإيمان والدين، وتخلص الفرد والأمة، وتنفع في الدنيا والآخرة.

حين تجتمع هذه الشروط ينشأ جو إيماني مشع، وينشأ في الجماعة فيض إلهي ورحمة ونور تستمد منه القلوب بعضها من بعض. تتكون الطاقة الإيمانية التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنيّة التنفيذ.

شمولية جهادنا لن تتحقق إلا بتربية شاملة تخرج طليعة مومنة مجاهدة، رهبانا بالليل فرسانا بالنهار. طلب وجه الله لب حياتهم وغايتها، حتى إذا أصبحوا في صف الجهاد انبعثت لهم غاية أخرى تابعة للأولى ومرتبطة بها فهي حسنى بهذا الارتباط لا بنفسها، و هي مسألة النصر والتمكين للمسلمين والمستضعفين. فإن انقلب الميزان، وكان طلب الظهور يمسك بالزمام، فالإيمان في تقلص، والجهاد آيل لمعاني النضال الأرضي المقطوع والمنقطع عن الله. أجارنا الله. فالفضل كل الفضل في دوام الصلة بالله، والتوكل على الله، والارتباط بالله. ولا شيء غير الله.

(يتبع)