أدلى الأستاذ عبد الواحد المتوكل، الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، بتصريح لفائدة جريدة “الحياة الجديدة” عدد 23 من 1 إلى 31 غشت، تحدث فيه عن مجمل الملامح التي ميزت ما عرف بـ “العهد الجديد” بعد مرور 9 سنوات على حكم محمد السادس، وأوضح خلفيات رفع تلك الشعارات الكبيرة من قبيل “ملك الفقراء” و”المفهوم الجديد للسلطة” و”طي صفحة الماضي”، ودعا إلى اتخاذ مبادرة شجاعة تعيد الأمل إلى المغاربة.

قبل حوالي تسع سنوات انتقل الملك الحسن إلى الدار الآخرة مخلفا وراءه إرثا ثقيلا أدرك خطورته في أواخر حياته، فعبر عن ذلك في إحدى خطبه بعبارة أصبحت مشهورة له وهي أن المغرب مهدد بالسكتة القلبية. ولم يكن بوسعه فعل أي شيء، نظرا لتدهور حالته الصحية جراء استفحال المرض الذي كان قد ألم به، لإدخال أي تعديل على نظام قد أصبح رهينة له، وإن كان قد هندس له وصنعه بيده وأفاد منه زمانا. ومن تم كان الهم الأوحد آنذاك هو ضمان الانتقال في ظروف هادئة.

وقد أعدت الآلة المخزنية الدعائية العدة لتهيئ هذا الانتقال، وطفقت تسرب أخبارا شتى مفادها أن الفريق القادم للحكم يختلف عن السابق، وأن العزم معقود على القطع مع الماضي سيئ الذكر. وبدأ الترويج لعدد من العبارات المثيرة في وسائل الإعلام المختلفة مثل “ملك الفقراء”، وتمت الإشادة ببعض المواقف مثل “وقوف الملك في الضوء الأحمر” وغير ذلك. ثم بدأ التسويق لعدد من الشعارات مثل “العهد الجديد” و”المفهوم الجديد للسلطة” و”طي صفحة الماضي”، و”الإنصاف والمصالحة” و”الديمقراطية والحداثة”. بل اتخذت بعض الإجراءات الرمزية للدلالة على تمايز العهد الجديد عن القديم مثل المبادرة بإقالة وزير الداخلية السابق إدريس البصري، والسماح بتناول مثالب العهد القديم ورموزه بحرية أكبر، وحتى في وسائل الإعلام الرسمية.

وقد صدّق كثير من الناس هذه الحملة الدعائية الكبرى، بل وشارك فيها أحزاب وجمعيات وشخصيات ومثقفون وجامعيون وعلماء ومفكرون وإعلاميون وغيرهم كثير. ولم نصدق نحن في العدل والإحسان هذه الدعاية كما لم يصدقها آخرون وإن كانوا قلة. لقد كنا ندرك أنها خطة قديمة هدفها الأساس هو ضمان انتقال الملك في ظروف سلسة، ثم سرعان ما تعود حليمة إلى عادتها القديمة. وتريثنا برهة من الوقت خشية أن تقول ألسنة السوء أننا نريد أن نستغل ظروف الانتقال الحساسة لحسابات سياسية ضيقة. بيد أن أصواتا كثيرة وضمنها شخصيات مستقلة و بعض الأصدقاء في جمعيات وأحزاب سياسية ودوائر إعلامية طالبتنا بضرورة الكلام والتعبير عن موقف واضح تجاه مستجدات الوضع السياسي آنذاك. فجاءت رسالة “إلى من يهمه الأمر” للأستاذ عبد السلام ياسين، مرشد العدل والإحسان لتضع النقط على الحروف وتجلي الموقف بالوضوح المعهود. وقد أكدت جملة من الأمور منها أن النظام السياسي الذي صاغه الملك الراحل على عينه، وقاتل من أجل ترسيخه لم يختف مع صاحبه، وإنما لا يزال في مكانه، ومن ثم فإن الحكام الجدد سيكونون له أسارى ولابد. وطالب بإجراءات وازنة إن كانت هناك نية صادقة، وإرادة سياسية حقيقية لتجاوز الماضي الكئيب، والجور الذي امتد لسنين، والدخول في مرحلة جديدة فعلا وصدقا. لكن سدنة الاستبداد تحركوا بسرعة ونظموا حملة واسعة شارك فيها من شارك، ولا تعنينا الأسماء اليوم، للنيل من صاحب الرسالة وجماعة العدل والإحسان عموما. وتراوحت الردود بين الشتائم المجانية والسباب إلى الاتهام بالخروج عن الإجماع إلى تحريض النظام لاتخاذ ما يلزم للتصدي للعدل والإحسان بل وللتخلص منها تماما. وهو ما توجه النظام لتنفيذه بالفعل وفي الحال، بدءا بحظر مخيماتنا الصيفية، والمنع من أداء فريضة الحج، ومحاصرة كل الجمعيات التي يظن أن لها صلة أو عطفا على العدل والإحسان، وحظر كل الأنشطة التي تشارك فيها الجماعة علنا. ثم تطور ذلك إلى مداهمة البيوت، وتشميع بعضها، وسوق المئات من أعضاء الجماعة إلى مخافر الشرطة وعرضهم على محاكمات صورية، وغير ذلك مما هو معلوم لدى الجميع.

هذا بإجمال كان نصيب العدل والإحسان من العهد الجديد. لكن الذي نريد أن نؤكد عليه هنا هو أن الجماعة لم تكن هي المستهدف الوحيد خلال هذه المرحلة، بل إن عسف السلطة السياسية قد امتد إلى شرائح مجتمعية مختلفة، منها جمعيات حقوقية ومنابر إعلامية وصحافيون ومعطلون، وكل قد نال نصيبه بطريقة أو بأخرى. والسؤال المطروح هو أين تلك الوعود التي وزعت ذات اليمن وذات الشمال غداة ما سمي بالعهد الجديد؟ وما الذي تحقق خلال ما يقرب من عقد من الزمان؟

تتحدث الصحافة والمستقلة بصفة خاصة، المحلية والدولية، بانتظام عن الأزمات التي تعصف بهذا البلد الكريم، وعن صور الفساد التي لا تحصى والتي لا يكاد يصدقها عقل، وعن حالة الاحتقان السياسي التي طال أمدها، وكذلك نتحدث نحن في العدل والإحسان، ويتحدث آخرون غيرنا، لكن هذه الأصوات وهذه المنابر بالذات متهمة بالترويج لنظرة سوداوية، وبالتركيز على السلبيات وتجاهل النقط المضيئة وهي، حسب حكامنا الميامين،كثيرة جدا. لذلك لما قررنا في الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان أن نصدر وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” اعتمدنا في صياغتها على المعطيات الرسمية وتقارير المؤسسات المحلية والدولية والتي لا يمكن أن تتهم بتبني مواقف عدائية من النظام المغربي. وخلصنا في النهاية إلى تشخيص لا نحسب أننا ننفرد به، ومؤداه أن البلد يعيش أوضاعا كارثية، وفي تراجع مستمر على كافة المستويات. والمواطن العادي يعرف هذا جيدا، ويلمسه في حياته اليومية، ويراه عن كثب في كل المجالات، في التعليم الذي أعلن رسميا عن إفلاسه، وفي الصحة والإدارة التي ينخر فيها الفساد، وفي الرشوة التي أصبحت وباء حقيقيا، وفي انتشار مختلف الرذائل الاجتماعية وغير ذلك من صور المعاناة التي يكتوي بلظاها المواطن المغربي صباح مساء.

والخلاصة أن حصيلة ما يقرب من عقد من الزمان محزنة ومؤلمة ومخيبة للآمال، وأنها تميزت بكثرة الوعود المخلفة، والمبادرات الفاشلة، والمشاريع المفلسة، وبكثرة الحركة وقلة البركة، وفوق ذلك، كرست أسلوبا من التدبير ثبت فشله، ونمطا من الحكم عفى عليه الزمن. ولا نتوقع في الدخول السياسي القابل أي شيء يخفف من الأزمات الخانقة، والمشاكل المتراكمة إن استمر الوضع على ما هو عليه، بل ظني أن هامش المناورة قد ضاق جدا. ونحن اليوم أمام خيارين: إما أن تتخذ مبادرة شجاعة تعيد الأمل إلى المغاربة، والثقة في المستقبل، وتفتح الباب على مصراعيه لإجراء تغيير جدي وإصلاح حقيقي، وإما أن يتشبث الحكام بمواقعهم ومصالحهم الضيقة، وبأسلوبهم الرديء في تدبير شؤون البلد، وفي تجاهل كامل لمقتضيات العقل والشرع والمنطق وسنن الوجود التي لا تحابي أحدا.

ففي الحالة الأولى فالمأمول انفراج يكون في صالح الجميع، ويلائم الأوضاع المحلية والدولية الراغبة في استقرار هذه المنطقة، وتحسين أحوال أهلها، وتوفير الشروط المناسبة لمعالجة كثير من القضايا التي أصبحت كونية في طبيعتها وأبعادها.

وفي الحالة الثانية فإن العقل والمنطق وسنن الخالق عز وجل الكونية كلها تؤكد أن دوام الحال من المحال، وأن النتيجة الطبيعية لمراكمة الفشل، وتوالي الأزمات مع غياب إستراتيجية واضحة لمعالجتها هو ارتماء بليد في أحضان المجهول واستدعاء مجنون لكل الاحتمالات المحزنة.