سبق للكاتب الأستاذ سعيد مولاي التاج أن أجرى لفائدة موقع الجماعة نت سلسلة حوارات مع الشاعر والأديب الأستاذ منير ركراكي حوارات أدبية فنية ثقافية، نجدد نشرها لمتعتها ومضمونها.

حوار هو أشبه بالنسمات العليلة في هواجر الصيف، جلنا فيه في رحاب الشعر والأدب والفكر، وطفنا فيه بعوالم الروح في سبحاتها وتأملاتها، تتبعنا البدايات كيف كانت وسألنا عن الشعر ما معناه وما مغزاه وما مبناه، فكان الجواب نثرا وشعرا وتأملا وفكرا، بلغة رائقة شائقة غيورة سامقة، تمتع القارئ والسامع، فجاء الحوار فصلا من فصول الإمتاع والمؤانسة مع الشاعر الداعية الأستاذ منير ركراكي ننشره على حلقات:

ينصب أغلب الإبداع الاسلامي على الشعر والخطابة، فما حظ الإسلاميين من المسرح والرواية والقصة وأشكال التعبير الأخرى؟

أخي الكريم، للشعر والخطابة مكانة تاريخية لا تضاهى بين فنون الأدب الأخرى في أمتنا العربية والإسلامية التي عُرفت – أول ما عُرفت – بهذين اللونين من ألوان التعبير والتأثير المُبرعِمِ في ضمائر الأجيال. لكن دورهما خلال العقود الأخيرة تأخر لحساب فنون أخرى ظهرت وانتشرت غداة اصطدام الشرق بالغرب، وهيمنة هذا الأخير على أنماط التفكير والتعبير في عالمنا العربي المنهزم بعد سقوط الرجل المريض، وتوزيع إرثه بين الشركاء المتشاكسين الذين عملوا على طمس الهوية العربية الإسلامية بنشر نحلة الغالب بدل الإسلام، ولغة المنتصر بدل العربية، وقيم الحاكم الغازي الغاصب المحتل بدل آداب وقيم المجتمع الأصيل المستضعف، المستخف به و المستغل. من هنا ظهرت، مع ظهور الطباعة وانتشار الصحافة وتسويق المذاهب التحررية الهدامة، بل برزت وهيمنت فنون القصة والرواية والمسرحية لتصبح أكثر حضورا واستقطابا للقاعدة العريضة من جمهور القراء والباحثين والمهتمين، خاصة مع ما أصبح للصورة من سيطرة وانتشار واسع مهيمن على حياتنا المعاصرة، ولاقتران الفنون الأخرى – غير الشعر والخطابة – بالتمثيل، وما يذر على الجيوب من أموال تجعله أكثر قابلية للاتجار والاستثمار في أسواق المرئيات والمسموعات والمقروءات… ومما زاد الطين بلة أن الشعر أضحى أصيلُهُ للمناسبات الرسمية، ودخيلُهُ – الذي لا يمكن أن يسمى شعرا إلا تجاوزا – ظهرا سهلا يمتطيه كل متشاعر ليقول كل شئ، وأي شئ إلا الشعر، أو ليعلوه كل ناعق ومتنطع مارق، غارق في نرجسيته، أو ساديته، أو مازوشستيته، أو وجوديته بحثا عن الذات في ظل تجربة الفراغ والضياع، ليقول المبهم الذي لا يفهم، أو ليحكي عما لا يعلمه والله أعلم، فيهرف بما لا يعرف، أو بما لا يعرفه إلا هو، من هنا فقد الشعر مكانته وأهميته ومهمته ورسالته، وفقد بذلك جمهوره ليصبح قصائد تولد ميتة، أو تموت فور ولادتها، ولم يثبت منها إلا ما دعمه النغم بأصوات مشهورة وملحنين معروفين، أو ما عالج مواضيع الوقت بطريقة فنية مثيرة ومؤثرة، غريبة أو عجيبة تلامس ذوق الشارع، بعد أن تكون قد لامست بؤرة من بؤر الواقع. وقليل ما هم، بل ناذرون، أولئك الشعراء المطبوعون الملتزمون الذين تمنعوا على موضات التعبير المبتذلة، وعارضات أزياء الإعلام، وواجهات عصر السرعة والسمعة والبضاعة المزجاة من الدين والعلم والأخلاق، وكل شريف نظيف في هذه الحياة.

طالع أيضا  حوار أدبي مع الشاعر منير ركراكيالرحلة الخامسة

غاية الشعر والأدب والفن أن يكون مساحيق تجلي الجمال ولا تحجبه، وألوانا تبرز صورة الرسالة الربانية النبوية ولا تخفيها، وموسيقى هادئة مهموسة تقدم دعوة الحق في آنية النغم الهادف، لا صخبا تُذهب زحمة أوانيه المتقارعة المتصارعة مضمونَ الكلام، ونشيدَ الإسلام المُبرعِمٍ في الضمائر، والموجه للبصائر نحو أفضل المصائر.

أما الخطابة فقد أضحت قناة لتمرير الرسميات، أو نمنمات بديعية بعيدة عن الجدوى والفاعلية في زمن الاقتصاد والسياسة، ومشاريع التنمية والبناء القائمة على الإحصاء والضبط والإنجاز، والعلم المنشئ للعمل الهادف إلى التجديد والتطوير، بدل النمطية والتعالي المنبري الخشبي و الحجري غير القابل للنزول والتنزيل على أرض الواقع من أجل التفعيل وتقديم البديل. من هنا كان المطلوب ولا يزال، أن نعيد للشعر وللخطابة مكانتهما ودورهما في البناء والتعمير، والتعبئة والتنمية من أجل التجديد والتطوير، والإصلاح والتغيير. ثم أن نهتم بالفنون الأدبية الأخرى لما لها من أدوار طلائعية في هذا العصر، عصر الصورة والسرعة والمنافسة التي إن لم تكن فيها الكلمة للتقوى بالنموذج الناجح الراجح الصالح الفالح، الجاد المتجدد المجدي والجيد، كانت الكلمة الفصل للأقوى بالنموذج الساقط، أو القاسط، أو المؤله للهوى.

وأذكر – أيها الأخ الكريم – أننا ونحن شباب يافع في السبعينات من القرن الماضي، وقد أشرت إلى ذلك في بداية هذا الحوار، قد انصرفنا عن الشعر – الذي أصبح عملة ذات وجهين: وجه رسمي منبطح، ووجه غامض شاحب كالح – إلى قصص نجيب محفوظ ومسرحيات توفيق الحكيم الواقعية الصراعية المعاشية، أو إلى خواطر جبران الجنونية، أو إلى رومنسيات المنفلوطي ويوسف السباعي وسميرة بنت الجزيرة العربية، أو إلى قوميات شكيب أرسلان ومحمود درويش وغسان كنفاني الثورية، وما فيها من علمانية ووجودية سافرة أو مضمرة.

أذكر كل ذلك، ولا أتحسر على أنني قرأت لهؤلاء وغيرهم، واستفدت من ذلك كثيرا، وحمدت الله على أنني لم أقع في شراك أي من مذاهبهم وتوجهاتهم لأنني وجدت في إسلامي ما يغنيني عن كل هذه الكواكب الآفلة، الفانية الهالكة إذ الباقي وجه الله لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يصفون. لكن العناية الربانية إن حصنت عبدا من الانحراف والانجراف مع هذه التيارات السابحة ضد الفطرة بصحبة قائمة راشدة، وجماعة منظمة مجاهدة بالعدل مأمورة وبالإحسان شاهدة، فإن آخرين انحرفوا أو انجرفوا أو لا أقل انصرفوا عن الغاية المنشودة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

طالع أيضا  حوار أدبي مع الشاعر منير ركراكيالرحلة الأولى

ذكرت لك هذا لتعلم ويعلم من سيطلع على حوارنا أن لفنون الأدب الأخرى أهمية كبرى لا يستهان بها في تنشئة الأجيال، وصناعة الرجال. أو في الانتكاس والارتكاس إلى أسوإ الأحوال، وتدسية القلوب والأرواح في الأوحال، حيث الحصاد أشباه رجال. من هنا لا بد أن نهتم بكل أنواع الفنون عموما، وبالأدبية منها على وجه الخصوص، وأن نوليها من العناية واسعا لا لكي نزاحم الأغيار على منابر التعبير والتأثير، ولكن لنكون في المضمار فرسان الإقتحام والتغيير. وكم من قصة، وكم من مسرحية، وكم من رواية كان لها أعظم الأثر في نفسية قارئها فحولت مسار حياته ذات اليمين، أو ذات الشمال، أو ذات الوسط. ما ينبغي لنا أن نستهين بدور الفن رفيعا كان أو وضيعا في الهدم أو البناء . وإنما على الأساس الأول المعول اكتشافا للطاقات، وتحريرا للمبادرات، واحتضانا للمواهب الواعدة، والكفاءات الصاعدة لتصبح قائمة شاهدة، هذه واحدة. والثانية أن نحصن شبابنا من هذه الموجة الحداثية التي اتخدت من هذه الفنون وسيلة شيطانية جهنمية لتمرير السم في الدسم، وللتهويد والتنصير والتمجيس، وكل أنواع تلبيس إبليس ضدا على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فطرة الدين والخير والحق والعدل والإيمان والإحسان. المسألة خطيرة، والمهمة كبرى، والله أكبر وهو المستعان.

الحرية إحدى أهم التحديات أمام الإبداع، خاصة الاسلامي منه كيف تنظرون إلى هذه القضية وما هي حدود هذه الحرية؟

مأساة الحرية في بلداننا العربية والإسلامية كمأساة ليلى، هي واحدة وكم من قيس لها يخطُب وُدها، أو يدعي حبه لها، والمشكلة ليست في قيس وحده بل في ليلى أيضا.

قبل الحديث عن حدود الحرية، يلزم الحديث عن الحرية ذاتها.

ما من جيل من الأجيال إلا وتغنى بالحرية، وطالب بها، وضحى من أجلها. فمن قائل أن الحرية هي التخلص من المقدمات: الطللية والغزلية والخمرية. ومن قائل أنها في الانسلاخ من قيد الماضي، وإطلاق سراح الشعر من سجن الذاكرة. ومن قائل أن الحرية في التملص من المسؤولية، والانعتاق من رقابة المجتمع ووصاية الدين ورجالته، ومن داع إلى كسر بنية الشعر التقليدي وتجديد رؤاه بعيدا عن أغراض الشعر المعروفة، وطقوسه الماضوية المكشوفة، تعبيرا عن الذات وتجربة المعاناة بطريقة فنية بعيدا عن المباشرة التقريرية، وعن الحقيقة المطلقة والمسلمات والبديهيات، فكل ذلك هو من النبش على القبور، ومن الرجوع إلى الوراء، والحنين والأنين المعبر عن الانتظار البليد، والانشطار بين الموجود والمنشود، والواقع والمثال، والحقيقة والخيال.

طالع أيضا  حوار أدبي مع الشاعر منير ركراكيالرحلة الثالثة

الحرية – أخي الكريم – مذاهب ومواقف وآراء وراءها عقليات وذهنيات ومرجعيات إن اشتركت في الدعوة إلى الحرية فإن الاختلاف حاصل – بل هائل – في التعريف بهذه الحرية، وفي التعبير عنها. لكننا نطالب كل هؤلاء على اختلاف مشاربهم ومساربهم أن نجتمع على مائدة سواء بيننا وبينهم، مائدة المتفق عليه وليعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا فيه، لنتحدث عن حرية التفكير والتعبير والانتماء والتحرك والتظاهر والنقد… ولندع الحكم على الذات والآخر للناس والواقع والأيام، بل لله خالق الناس، ومنشئ الواقع من بيده مستقبل الأيام ومصير الأنام. فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

نحن  أخ الإيمان – دعاة لا قضاة، دعاة للحرية في حدودها البشرية المسيجة بسياج الشريعة، والقضاء لا للسيف، وسحابة الصيف، وعابر السبيل والضيف، وإنما لمن له الدوام، ولمن بيده الحق والصواب، والحكمة وفصل الخطاب، وهذا أمر لا يحسم فيه من له المنابر والقنوات والسلطات، ولا تبت في شأنه وسائل الإعلام، ولا التنابز بالألقاب، فالأمر أعظم من هذا وذاك، الأمر لمن بيده الأمر كله، دقه وجله، الأمر لله، هذا ما نقوله وليقل غيرنا ما يشاء، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الحرية ضرورة للإبداع، وإلا فالعبودية والقمع والمنع والاستبداد لا يصنعون إلا الثورة أو الإنصياع وكلاهما بعيد عن الشهادة والوسطية والاعتدال، والتوازن والاستواء على صراط مستقيم. وكم من إبداع وأدته زبانية الجور واضطرته إما للشيطنة الخرساء، أو التواطؤ مع الأعداء، أو لإنكار المنكر بالقلب أضعفِ الإيمان. وكما يقول علال الفاسي – رحمه الله – في كتابه “النقد الذاتي”: إن الحرية كسائر الأشياء الحبيبة محاطة بكثير من المكاره، وهي إما أن تكون كذلك أو لن تكون. يجب أن (نهيئ) الجو المناسب الذي يسمح للكل بإبداء رأيه، وأن نشجعه بعد ذلك على التصريح بما يفكر به، ونعمل على أن نعطيه الوسائل التي تساعده على التفكير والصدع به. إن خجل الكثيرين (أضيف، وخوفهم) يحول بينهم وبين إبداء آرائهم، فيجب أن نساعدهم على التحرر من قيودهم، ويجب أن لا نشترط كثيرا من البلاغة ولا من البيان، لأن مهمتنا قبل كل شيء أن نكوِّن الفكر الذي يمكن أن يقول، ومتى تكوَّن فإنه سيعبر عن نفسه بأي لسان) 1 .


[1] “النقد الذاتي” الطبعة الخاصة، لجنة نشر تراث زعيم التحرير علال الفاسي رحمه الله، الرباط، ص 60.\