رابعا: ضرورة المنهاج:

لن يفيدنا تشخيص داء الأمة ووصف الدواء إن اقتصر الأمر على التمني أو الاتكالية، أو انحصر في دائرة ردود الفعل أو التفكير المشتت والجهود المتناثرة.

التجديد اجتهاد لجمع شتات العلم والعمل في بناء نسقي يقودنا إلى وحدة جهاد، ووحدة سلوك، ووحدة تصور، ووحدة إرادة. لا بد من منهاج علم وعمل، يجمع الشتات ويوحد الجهود ويؤسس لرؤية مستقبلية، بدون ذلك تكون سفرتنا إلى غير رشاد، وأدنى خلاف يوقفنا، ولذا يجب ألا يتحرك الركب في ميدان العمل قبل أن يتأكد من أن المنهاج محكم، وأنه لا خلل يخاف في الصف نتيجة لنقص في التربية، أو لتفكك في التنظيم، أو لغموض في الرؤية، أو لعجز عن الإنجاز والإتقان وتحمل المسؤولية.

المنهاج هو الطريق الواضح، وهو آلة العلم ومرشد العمل، وهو الجسر بين الحق في كتاب الله وبين حياة المسلمين، وهو اكتشاف جديد للمحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو إذن فهم وعلم وعمل وطريق.

المنهاج هو الفقه الجامع يجمع القلوب على الله عز وجل، ويوحد الجهود لجهاد في سبيل الله، ويوحد العقول للفهم عن الله عز وجل، يجمع خلاص الفرد وخلاص الأمة في مشروع متكامل، يجمع العدل والإحسان، ويشمل الدنيا والآخرة، ويؤاخي بين الدعوة والدولة.

خامسا: مبتغانا عمران أخوي:

خلقنا الله عز وجل شعوبا وقبائل لنتعارف، وبين الغاية من ذلك ” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ “(الذاريات: 56) واستعمرنا في الأرض من أجل ذلك ” هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ “(هود: 61). عمارة الأرض إذن أمر إلهي، نعمرها بالخير والمحبة والعدل والإحسان. وبنفس اللفظ أمرنا الله كذلك بعمارة المساجد ليطبع عمارتنا للأرض بروح مسجدية ونفس إيماني يعطيان لحياتنا وجهة ولوجودنا معنى. ” إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ “(التوبة:18).

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان (الأخيرة)

عمارتان أختيان تتكاملان مع بعضهما، وكلاهما عبادة، وحق العمارة في كمالهما معا. مبتغانا عمارة الأرض بروح المسجد. فالخير كله، للمجتمع والفرد، في سيادة روح المسجد على حركة المجتمع، بذلك يتشكل رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وبذلك يعرف كل غاية وجوده فيكون الجهد منظما ومتواصلا يخدمه شعور الفرد بالانتماء لأمة والكينونة وسط جماعة، وتكون الحوافز فيه مغايرة والأهداف مختلفة عن باقي البدائل، وإن بقيت الوسائل واحدة.

بهذا الفهم نعصم حركتنا من الغفلة عن الله، ونضع لأدائنا صمام أمان من الانحراف ذات اليمين وذات الشمال.

سادسا: الإنسان أولا:

خلق الله الإنسان فسواه ونفخ فيه من روحه، وهداه النجدين، وخلق كل الكون له واستخلفه فيه، وبعث له النبيين مبشرين ومنذرين ليردوه إلى الفطرة.

يجب ألا ينسينا هذيان العالم وضغط الحياة وإكراهات التنمية هذا الأمر، فننشغل بشيء آخر غير الإنسان ندعوه إلى الله عز وجل حتى يعرفه، وندله على رسالة الإسلام ليتدرج في سلم القرب من الله عز وجل من إسلام لإيمان لإحسان. نطلب الازدهار الاقتصادي والتطور المعرفي والتقدم التكنولوجي، لكن كل ذلك وسيلة، ونكون بئس العباد و نخسر آخرتنا إن ألهتنا الوسيلة عن الغاية والمهم عن الأهم.

والإنسان بما هو كائن ومخلوق محتاج لا بد من توفير متطلباته حتى لا تصده الحاجة والفقر عن سماع الحق.

سابعا: اليقين في الله حادينا:

لا يحد أفقنا تخلف المسلمين وفتنتهم، ولا يحجب عنا استكبار المستكبرين وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وعد الله عز وجل لنا بالاستخلاف ” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً “(النور:55 ) وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بخلافة ثانية على منهاج النبوة نجعلهما نصب أعيننا نبذل لتحقيقهما جهد المستطاع ونتخذ لذلك الوسيلة المناسبة، ونجتهد وسعنا وكلنا يقين في الله عز وجل ناصر المستضعفين وقاصم الجبارين.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان.. الهوية-الغايات-المواقف-الوسائل (1)

وظيفتنا غرس هذا اليقين في الأمة حتى تحسن الظن بالله، وحتى تفتح باب الأمل بعد طول يأس وحرمان؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول “تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه”.