واجب المسلم نحو وقته

لما كان للوقت كل هذه الأهمية حتى إنه ليعد هو الحياة حقا، كان على المسلم واجبات نحو وقته، ينبغي عليه أن يدركها، ويضعها نصب عينيه، ومن هذه الواجبات:

– الحرص على الاستفادة من الوقت: إذا كان الإنسان شديد الحرص على المال، شديد المحافظة عليه والاستفادة منه، وهو يعلم أن المال يأتي ويروح؛ فلابد أن يكون حرصه على وقته والاستفادة منه كله فيما ينفعه في دينه ودنياه، وما يعود عليه بالخير والسعادة أكبر، خاصة إذا علم أن ما يذهب منه لا يعود.

ولقد كان السلف الصالح أحرص ما يكونون على أوقاتهم؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها، وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير. يقول الحسن رضي الله عنه: “أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم”.

– تنظيم الوقت: من الواجبات على المسلم نحو وقته تنظيمه بين الواجبات والأعمال المختلفة دينية كانت أو دنيوية بحيث لا يطغى بعضها على بعض، ولا يطغى غير المهم على المهم.

يقول أبو العباس المرسي رحمه الله: “أوقات العبد أربعة لا خامس لها؛ نعمة، أو بلية، طاعة، أو معصية. وله على عبده في كل وقت منها حق؛ ففي النعمة الشكر، وفي البلية الصبر، وفي الطاعة شهود المنة، وفي المعصية اللجأ والإنابة وطلب الإقالة”.

– اغتنام وقت فراغه: الفراغ نعمة يغفل عنها كثير من الناس فنراهم لا يؤدون شكرها، ولا يقدرونها حق قدرها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نعمتان من نعم الله مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ”. رواه الإمام البخاري رحمه الله.

طالع أيضا  الوقت نعمة (1)

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على اغتنامها فقال: “اغتنم خمسا قبل خمس”(2)، وذكر منها: “وفراغك قبل شغلك”. رواه الحاكم رحمه الله.

يقول أحد الصالحين: “فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجرَّ في قياد الشهوات، شوَّش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه”. فلابد للعاقل أن يشغل وقت فراغه بالخير وإلا انقلبت نعمة الفراغ نقمة على صاحبها.

أسباب تعين على حفظ الوقت

– محاسبة النفس: وهي من أعظم الوسائل التي تعين المسلم على اغتنام وقته في طاعة الله، وهي دأب الصالحين وطريق المتقين. فحاسب نفسك واسألها: ماذا عملت في يومك الذي انقضى؟ وأين أنفقت وقتك؟ وفي أي شيء أمضيت ساعات يومك؟ هل تزودت فيه من الحسنات أم اقترفت فيه السيئات؟

– تربية النفس على علو الهمة: فمن ربَّى نفسه على التعلق بمعالي الأمور والتباعد عن سفسافها كان أحرص على اغتنام وقته، ومن علت همته لم يقنع بالدون، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

إذا ما علا المرءُ رام العلا *** ويقنعُ بالدُّونِ من كان دُونَا

– صحبة الأشخاص المحافظين على أوقاتهم: فإن صحبة هؤلاء ومخالطتهم، والحرص على القرب منهم والتأسي بهم تعين على اغتنام الوقت، وتقوي النفس على استغلال ساعات العمر في طاعة الله، ورحم الله من قال:

إذا كنتَ في قومٍ فصاحب خيارهم *** ولا تصحب الأردى فتردى مع الرَّدِي

عن المرء لا تسل وسلْ عن قرينه *** فكـل قريـنٍ بالمقـارن يقتـــدي

– معرفة حال السلف مع الوقت: فإن معرفة أحوالهم وقراءة سيرهم لأكبر عون للمؤمن على حسن استغلال وقته، فهم خير من أدرك قيمة الوقت وأهمية العمر، وهم أروع الأمثلة في اغتنام دقائق العمر واستغلال أنفاسه في طاعة الله.

طالع أيضا  الوقت نعمة (4)

– تنويع ما يُستغل به الوقت: فإن النفس بطبيعتها سريعة الملل، وتنفر من الشيء المكرر، وتنويع الأعمال يساعد النفس على استغلال أكبر قدر ممكن من الوقت.

– إدراك أن ما مضى من الوقت لا يعود ولا يُعوَّض: فكل يوم يمضي، وكل ساعة تنقضي، وكل لحظة تمر، ليس في الإمكان استعادتها ولا يمكن تعويضها. وهذا معنى ما قاله الحسن رضي الله عنه: “ما من يوم يمرُّ على ابن آدم إلا وهو يقول: يا ابن آدم، أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخِّر ما شئت فلن يعود إليك أبداً”.

– تذكر الموت وساعة الاحتضار: حين يستدبر الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة، ويتمنى لو مُنح مهلة من الزمن ليصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات، ولكن هيهات هيهات! فقد انتهى زمن العمل وحان زمن الحساب والجزاء. فتذكُّر الإنسان لهذا يجعله حريصاً على اغتنام وقته في مرضاة الله تعالى.

– الابتعاد عن صحبة مضيعي الأوقات: فإن مصاحبة الكسالى ومخالطة مضيعي الأوقات مهدرة لطاقات الإنسان، مضيعة لأوقاته، والمرء يقاس بجليسه وقرينه، ولهذا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله”.

– تذكر السؤال عن الوقت يوم القيامة: حين يقف الإنسان أمام ربه في ذلك اليوم العصيب فيسأله عن وقته وعمره كيف قضاه، وأين أنفقه، وفيم استغله، وبأي شيء ملأه. تذكرُ هذا يعين المسلم على حفظ وقته، واغتنامه في مرضاة الله.