من كتاب المدهش لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله

عجبا لمن رأى فعل الموت بصحبه، ثم ينسى قرب نحبه، واستبداله ضيق المكان بعد رحبه، من لم ينتبه بوكزه فسينتبه بسحبه.

ما لبَنِي الدنيا غدَوْا *** أهلَ ضلال وغمه
بصيرُهم من جهله *** كأنه حلف أكمه
أنت مقيم سائر *** فلا تقل لم ولمه
ولا تكلّم أحدا *** في غير برّ كلمه
فكل معطى مهلة *** أوقاته منصرمه
ولا تدوم للفتى *** شؤونه المنتظمه
يأتي على الأرض مدى *** وما عليها نسمه
ضاق رحيب العمر عن *** حاجاتنا المزدحمه
أين الأقران وأين سلكوا؟ تالله لقد فنوا وهلكوا، اجتمع الأضداد في الألحاد واشتركوا، وخانهم حبل الأمل بعدما امتسكوا، ونوقشوا على ما خلفوا وتركوا، وصار غاية الأماني أن لو تركوا.

تالله لقد سعد من تدبر، وسلم من الأذى من تصبر، وهلك مؤثر الجري وأدبر، فكأنكم بالفراق يا ركاب المعبر.

يا نائما في لهوه وما نام الحافظ! لاحظ نور الهدى فلا حظ إلا للاحظ، فلا تغتر ببرد العيش فزمان الحساب قائظ، يا مدبرا أمر دنياه ينسى أخراه، فخفف النداء اللافظ! وعجائب الدهر تغني عن وعظ كل واعظ.

يا من رأينا يد التفريط قد ولعت به فأتينا للومه ولعتبه! أما مصير السلف نذير الخلف؟ أما مهد الطفل عنوان اللحد؟

يا من لمع له سراب الأمل فبدد ماء الاحتياط! أتراك ما علمت أن الأماني قمار؟

قال بعض السلف: ارتكبت صغيرة فغضب علي قلبي، فلم يرجع إلي إلا بعد سنة.

إخواني، إطلاق البصر سيف يقع في الضارب.

يا للرجال لنظرة سفكت دما *** ولحادث لمم ألفه مستسلما
وأرى السهام تؤم من يرمى بها *** فعلام سهم اللحظ يصم من رمى
المحرمات حُرَمُ، ونظر المملوك إلى حرم الملك من أقبح الخيانة.

يا بني آدم، تلمحوا تأثير (وعصى). لقمة أثرت إذ عثرت، فعري المكتسي، ونزل العالي، وبكى الضاحك، وقام المترفه يخدم نفسه فاشتد بكاؤه، فنزل جبريل عليه السلام يسليه فزاد برؤيته وجده.

للشريف الرضى:

رأى على الغور وميضا فاشتاق *** ما أجلب البرق لماء الآماق
ما للوميض والفؤاد الخفاق *** قد ذاق من بين الخليط ما ذاق
داء غرام ما له من إفراق *** قد كل آسيه وقد مل الراق
قلبي وطرفي من جوى وإملاق *** في غرق ما ينقضي وإحراق
يا ناق أداك المؤدي يا ناق *** ماذا المقام والفؤاد قد تاق
هل حاجة المأسور إلا الإطلاق؟

كان سيدنا آدم عليه السلام كلما عاين الملائكة تصعد إلى السماء، وجناحه قد قُصَّ، زاد قلقه.

وأصبحت كالبازي المنتف ريشه *** يرى حسرات كلما طار طائرا
يرى خارقات الجو يخرقن في الهوا *** فيذكر ريشا من جناحيه وافرا
وقد كان دهرا في الرياض منعما *** على كل ما يهوى من الصيد قادرا
إلى أن أصابته من الدهر نكبة *** فأصبح مقصوص الجناحين حاسرا
كانت الملائكة إذا نزلت إليه استنشق ريح الوصال من ثياب الواصلين، وتعرف أخبار الديار من نسمات القاصدين.

خبراني عن العقيق خبيرا *** أنتما بالعقيق أحدث عهدا

يا ناقضي العهود، دوموا على البكاء، فمن أشبه أباه فما ظلم.

كانت عابدة من أحسن النساء عينا، فأخذت في البكاء، فقيل لها: تذهب عيناك)، فقالت: إن يكن لي عند الله خير فسيبدلني خيرا منهما، وإن تكن الأخرى فوالله لا أحزن عليهما).

للمتنبي:

قد علم البَيْنُ منا البين أجفانا *** تدمى وألف في ذا القلب أحزانا
قد كنت أشفق من دمعي على بصري *** فاليوم كل عزيز بعدكم هانا
تهدي البوارق أخلاف المياه لكم *** وللمحب من التذكار نيرانا
من سعى إلى جناب العز بأقدام المسكنة، ووقف بباب الكرم على أخمص المسألة، ووصف ندمه على الذنب بعبارة الذل لم يعد بالخيبة.

ملكتم قلبي فما *** لي عنكم منصرف
فودكم منه مكان *** كبدي أو ألطف
فلا بريَ وجدي بكم *** ولا أفاق الشغف
لست وإن أعرضتم *** أيأس من أن تعطفوا
وصبر يعقوب معي *** حتى يعود يوسف
معاشر المذنبين، اسمعوا وصيتي، إذا قمتم من المجلس فادخلوا دار الخلوة، وشاوروا نصيح الذكر، وحاسبوا شريك الخيانة، وتلمحوا تفريط التواني في بضاعة العمر، ويكفي ما قد مضى، فليحذر الأعور الحجر.

إذا نُقِّي خاطر المذكر من ذل الهوى، وصُفّي معين معنى كلامه من كدر الطمع انكشف الغشاء عن عينه، فرأى بالفطنة موضع قُطنه مرهم العافية، فربى حشائش الحكم، وركب فيها معاجين الشفاء، ففتحت سدد الكسل، واستفرغت أخلاط الشواغل.

إذا صدر العلم من عامل به كان كالعربية ينطق بها البدوي، وأحلى أبيات الشعر ما خرج من أبيات الشعر.

جمعت بين الكتاب والسنة ففتحا لي هذه المعاني فهي تنادي السامعين: “ولدت من نكاح لا من سفاح”، ومن جمع بين الجهل والبدعة هذى الهذيان، فكلامه في مرتبة ابن زانية.

إذا فتحت الوردة عينها رأت الشوك حولها، فلتصبر على مجاورته قليلا فوحدها تُجتنى وتٌُبل.

واعجبا لألفاظي وعملها! بطل السحر عندها. كل المذكرين رجَّالة وأنا فارس أخرج إلى المعاني في كمين، فأصيدها لا بأحبولة. إذا حضرت ملكت العيون، وإذا غبت استرهنت القلوب.

طرف نجدية وظرف عراقي *** أي كاس يديرها أي ساق
سنحت والقلوب مطلقة ترعى *** وثابت وكلنا في وثاق
لم تزل تخدع العيون إلى أن *** علقت دمعة على كل ماق