بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

إخواني وأخواتي من جماعة العدل والإحسان.

إخواني وأخواتي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن شاء الله أن يستمعوا القول فيتبعوا أحسنه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إلى إخوة العدل والإحسان وأخوات العدل والإحسان مذكرة لمن ينسى، وتبصرة للوافد والوافدة اللذين لما ينكشف لهما من أمرنا ما تكنه القلوب، وتنطوي عليه الجوانح، وقد يقصر مدى الصحبة وربما سوء التفاهم عن إبلاغه حياً ماثلاً شاهداً.

إلى إخوتي في الله من أهل الإسلام والغيرة على الدين رسالة مبادءة ودعوة وشرح -يشرحه الله عز وجل- لما في الصدور.

أكتب هذه الصفحات ليلة الجمعة المطابقة لذكرى الإسراء والمعراج، ليلة منورة بما هي جمعة، مباركة، بما هي ذكرى معجزة ناجى فيها الحبيب حبيبه، وجلَّى فيها المولى الكريم سبحانه عنايته، برسوله رحمة العالمين صلى الله عليه وسلم.

ماذا في ذكرى الإسراء والمعراج من عبرة وأسوة للعاملين على نصر دين الله عز وجل في عالم يموج فتنة، ويستنسر فيه الأعداء، يتآمرون على أهل الإيمان؟ وماذا في الجمعات تمر بنا ونحن غافلون عن الله من استنارة ترجى للقلوب المتعرضة لنفحات الله؟

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من الطائف وما لاقى من عنت وشدة على يد المشركين، ولا ولي إلا الله ولا ناصر بعد موت أبي طالب ووفاة أمنا خديجة رضي الله عنها، أحوج الناس إلى رحمة من الله تجدد اليقين وتثبت الأقدام وتدفع لجهاد مستأنف. فكانت المعجزة السماوية والرحلة الخارقة بلسم الرحمة وباعث اليقين.

ولَنَحْنُ، المستضعفين في الأرض، تألبت علينا قوى الجاهلية من خارج متآزرة مع أنظمة الفتنة من داخل، أحوج إلى تجديد إيماننا بما يتجدد به الإيمان من صحبة في الله وذكر لله وإخلاص وصدق في اتباع سنة رسول الله, عليه صلاة الله وسلام الله.

استقامتنا على الهدي النبوي وسيرنا على المنهاج النبوي هي الكرامة يُفيضها الله سبحانه على قلوب العباد الصادقين. وتلك عبرة الذكرى وأسوتها، وتلك نتيجة التعرض في الليالي المباركة المنورة لنفحات الله، حين يَغْفُلُ الغافلون ويرقد على وسادة الهوى واستطابة الهوان المَهينون.

جماعة العدل والإحسان حزب سياسي أم تناومٌ ودروشة؟

هي جماعة بَشَّرت بتغيير المجتمع، فما بالها تتَفيأ ظلال البركات المستفاضة والأنوار المعترَضة؟

أهروباً من ميدان المقارعة إلى سلامة المهادنة؟

كلاّ، وإن إزالة الغموض عن بعض العيون الغمصة الرمصة هدف أول من مذكرتي ورسالتي هذه.

الآفاق السياسية أمام المسلمين كئيبة مظلمة منذرة بالويل والفشل لمن عمي عن تدبير الله عز وجل وعن حكمته في خلقه، وطفق، معتمداً على حوله وقوته، يزعم تغيير المجتمع، وهو في نفسه هوس، وغفلة عن الله، وإضاعة لحقوق الله، وتنكب لسنة رسول الله، واستخفاف بيوم الفزع الأكبر يوم العرض على الله.

لا ترضى جماعة العدل والإحسان بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم المومنين والمومنات دون الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، الإحسان أن تحسن إلى الناس، الإحسان أن يحسُن عملك، الإحسان أن تُجيدَ وتفيد.

أعداء الملة من خارج الملة، ومنافقو الأمة من داخل الأسوار، قوم متمردون على الله، عاصون لأمر الله، سافكون دماء أنصار الله، أكّالون للسحت ظلماً وعدواناً على أرزاق خلق الله.

أفنكون شيئاً آخر غير وجه جديد للتمرد على شرع الله والنفاق في دين الله إن هبت علينا نسمة توبة، وعبرتنا فكرة أوبة، ثم اعتقلنا شيطان الهوى، وجثمت على قلوبنا تأكل منه جذور الإيمان جحافل الشيطان من إنس وجان؟

قوم اصطلحوا مع العصر والقوى المهيمنة في الدنيا، المستكبرة فيها، فهم هناك على كراسي الحكم ينطقون سفها،ً ويفسدون نُكراً وشَرهاَ. اليهود أولياؤهم وأحباؤهم.

كيف نصاول هؤلاء المردة العصاة ونطاولهم ونحن -المومنين بكتاب الله والمومنات- أشتات جماعات وثبات؟ أم تُرانا في جماعة العدل والإحسان نركع يوماً للطاغوت بجباه تغتنم بركات الذكريات الربانية ونفحات الليالي النيرة؟

لا يدفعنا للتصدي أمام الزحف الكافر والدس المنافق والمؤامرة الشيطانية هاجس حزبي ومعارضة سياسية وبواعث وطنية. تلك شعارات ينتشي بترديدها وتلوينها وتشكيلها والخطبة بها غيرنا. ما ينبغي للمومنين والمومنات أن يتحركوا بالنية الساقطة فتحبط أعمالهم. ما ينبغي أن يستخفنا من يريدون الدنيا عن إرادتنا الإيمانية للآخرة، ولا أن تحجب عنا هذه وتلك مقعد الصدق عند الله، الذي يُكرم الله به من آثر الله على ما سواه، ولم يخش إلا الله، ولم تحل بينه إرادة وبين إرادة وجه الله.

آمنت بالله، لا إله إلا الله محمد رسول الله.

أما بعد، فإن جماعة العدل والإحسان تلخص شعب الإيمان وسنة صفوة بني الإنسان في خصال عشر.

هذا مغزاها بإيجاز. ومن أراد من المومنين و المومنات الاطلاع على تفصيل ما ندعو إليه فليسأل إخوة العدل والإحسان وأخوات العدل والإحسان عن”المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً”. فقد طالما بقي الكتاب وحاملو معناه في أسر الكبت الظالم الغاشم.

الخصلة الأولى: صحبة وجماعة الصحبة في الله محبة في الله وتآخٍ وتراحم يرتفع بها الوافد علينا في درجات حب الله وحب رسول الله. والجماعة تنظيم. لا يمكن أن تجابه قوى الكفر والظلم وأنت شتات ورفات. ويختصم التنظيم وضوابطه ومسؤولياته مع ليونة تأليف القلوب، فلا يثبت في الميدان إلا كل قوي الإيمان، يمنعه من التساقط الثقة بالله، وحسن الظن بعباد الله، والصبر على أذى الإخوة والأعداء في ذات الله. يعترض طريق التحاب في الله حب الرئاسات، وقلة الخبرة والعلم بأساليب الرفق والرحمة، فإذا ببعضهم كان يريد الله زعماً، فلما برقت أمام عينيه بارقة شفوفٍ على الأقران نسي الله فأنساه نفسه. أولـئك هم الفاسقون.

الخصلة الثانية: الذكر الذكر توحيد المعبود، وإفراده بالعبادة، والمواظبة على العبادة، والخشوع في العبادة. كل حركات المومنين والمومنات عبادة تقرب إلى الله إن كان لها الصدق حادياً، والصواب ضامناً، والتقوى شافـعاً. “إنما يتقبل الله من المتقين”. فمن زعم أنه ينال من الله رضى وقبولاً بالتجمعات والمجادلات في ساحة العرض، والعبادة متروكة، والذكر نغماتٌ تردد الشعارات الإسلامية في زعمها، فإنما هو بلاءٌ وخسران.

كانت جماعة العدل والإحسان وزعت ورقة عنوانها “يوم المؤمن وليلته”، ضمنتها برنامجاً لأوقات الذكر وكيفيات الانتقال من زمن الغفلة إلى زمن العبادة. بعضهم قرأ الورقة وكأنها جريدة أخبار، لا يعنيه من أمرها إلا الاطلاع، فإذا اطلع فقد برئت ذمته.

إنه سوء تفاهم فظيع إن كان يتوق إلى العدل والإحسان من لم تتم يقظته القلبية، أو هب هبة ثم نام، أو عثرت به عاثرة فما نهض ولا استقام.

إنه عمرك! إنها قضيتك! إنه قبرك! إنه بعثك! إنها جنتك أو نارك! إنه ربك! كيف صدتك الصواد عن طلب مولاك؟ أم كيف أَصمَتتْكَ نداءات “هَوَس العالم” عن سماع منادي الله؟ لفظ بلا معنى أنت!

الخصلة الثالثة: الصدق يتميز المومن والمومنة عن المنافق والمنافقة بأخلاق أربعة تميزًا لا تخطئه حواس الملاحظ، وحدس المراقب: “المنافق إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر”. هكذا هو في توصيف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.

لو تأملت أخي وتأملت أختي في أصل ما يعانيه الناس، وما تعانيه الأمة من وباء، لوجدت النفاق حفرة المرض وبؤرة جوهر الفساد والعرض. ولو فتحت كتاب الله عز وجل لقرأت أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.

منافق من الدركة الابتدائية من نشأ في الحفرة ولم يتحرر من جاذبية البؤرة. منافق من الدركة السفلى من مرد على النفاق وهو يزعم أنه تاب، و تَقَنَّعَ بقناع الإسلام يغالط الأصحاب. ” يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول”.

ويلك! تنافق الناس فينخدعون. أفـتنافق ربك سبحانه وهو عليم بذات الصدور، وأنت إليه سائر صائر سَيرَ خزي وصيرورَة عذاب؟

قوم يختانون أنفسهم ويخادعون الله والذين آمنوا. ما جماعة العدل والإحسان والحمد لله إلا كالماء الذي يدفع عن نفسه. فلا مكان بيننا لأخس الخلق الجبناء المنافقين. برهنت مواقف العدل والإحسان -والمنة لله- أن الصدق ومواجهة الظلمة مزايا لم يفتتها الترهيب ولا الترغيب. لكن أُذَكِّرُ فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وللهوى والشيطان مداخل ومسارب. أعاذنا الله. أجارنا الله.

الخصلة الرابعة: البذل البذل عطاء وسماحة وكرم ومساعدة وخدمة وفُتُوَّة. مُقابلَ أنانية المستكبرين والترفّعِ والتنطعِ والحرصِ الجشع، والصمم عن بؤس البائسين، وحاجة المحتاجين. المعادن الخسيسة لا تعطي، إنما تطمع. لاتُواسي، إنما تلتوي وتتقاعس. لاتهُبُّ لنجدة، إنما تتدثَّرُ بردَاء عافية الجُبناء العاقِّين.

الخصلة الخامسة: العلم العلم ما قربنا إلى الله،وما بصرنا بمصيرنا إلى الله، وما دلَّنا على واجباتنا من قِبَل الله، وما رسَّخ خطانا اتباعا واحتراما لسنة رسول الله. ثم العلم والفقه في أصول الدين وفروع العبادات. ثم العلوم الآلية الضرورية في الحياة مما أنتجته العقول، ورتبته تجربة الإنسان، واكتسبه الجادّون في نُشدان الحكمة، أنَّى وجدوها فهم أحق بها. العلوم الآلية سلاح ضروري لمن وطَّد النفس على خوض غمار المواجهة مع باطلٍ مستكبرٍ في الأرض. تَعود هذه العلوم وبالا وطاعوناً إن حَمَلَت في أوانيها معانيَ الكفر، وفلسفة الزندقة، ودينَ الإلحاد.

الخصلة السادسة: العمل الإيمان تصديق بالجنان، وشهادة باللسان، وعمل بالأركان. الذين آمنوا إنما يعرفون بالعمل الصالح. قال الله تعالى: “الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب”.

عاملون للدنيا هم من العاملة الناصبة التي تصلى نارا حامية. أولئك المنافقون المراؤون، وساعون للآخرة سعيها وهم مومنون، أولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. وساعون لنيل رضى الله والفوز بالقرب من الله، والنظر إلى وجه الله، أولئك هم المحسنون. والله يحب المحسنين.

الخصلة السابعة: السَّمْتُ الحسن السَّمْت التميُّز شكلا ومضموناً عن مظاهر الجاهلية ومخابر الفتنة. السمت الحسن أن تكون لغة خطابنا ومعاني مذهبنا تمْتَحُ من معين القرآن، لاتمتزج بنبع الوحي إفرازاتُ الفلسفات والإيديولوجيات، وكلماتُها، وعباراتُها. إن لم نَحْتَرِز في التميُّز نجد نفسنا يوما وقد ذبُنَا في جسم الجاهلية، وغُصنا في مَرَق الفتنة.

مظهر من مظاهر الذوبان في المحيط المفتون الفاتِن يا مَنْ تتحدث عن تغيير المجتمع رافعا الشعارات الجوفاء باسم الإسلام! انهزمْت قبل أن تخطوَ الخُطوة الأولى يوم حلقت لحيتك استخفاءً. أنكر من ذلك أن تكون حلقتها استهانةً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. أنكى وأنكر أن تكون فعلت نفاقا ورِقّةَ دين.

مَظهرٌ ومثلٌ.

الخصلة الثامنة: التُّؤدَةُ التُّؤدة صبر ورِفق وطولُ نفس، وتحمّلٌ للأذى. أولئك الذين يحبهم الله ويحبونه، قوم أذلةٌ على المومنين أعزةٌ على الكافرين. كيف تكون رحمةً على المسلمين وصاعقة على الكافرين والمنافقين؟

الخصلة التاسعة: الاقتصاد الاقتصاد توسُّطٌ رفيق، وسير حثيث، وخطًى في الدنيا لا تزيغ بك عن قصدك الأخروي ومطلبك الإحساني.

الخصلة العاشرة: الجهاد الجهاد في عُرف الجاهلين جهاد السيف وانتهى السؤال. وكأنَّ الإسلامَ نقمةٌ على بني الإنسان. إن بادؤوك بالعنف وغرّروك بالمزاعم الديموقراطية، ثم صفعوا إرادة الشعب ونكّلوا بالمومنين، فالسكوت هوان والدفاع عن النفس واجب.

أما جهاد البناء فمطاولة تنْقُضُ معاقل الكفر وصروحَ الباطل في الديار لتبني جيلا وعقلية، وإيمانا، ونمط حياة، ومقوِّمات حياة.

“وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”. “والآخرة خير وأبقى”. “والله خير وأبقى”.

وما مطلب الآخرة ومطلب وجه الله بالتي تُنال على الهوان والمسكنة والدروشة ومهادنة الباطل.

لا إله إلا الله محمد رسول الله. وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.

لا تنسوا أخاكم من صالح الدعاء

سلا ليلة الجمعة 27 رجب 1415

عبد السلام ياسين