سبق للكاتب الأستاذ سعيد مولاي التاج أن أجرى لفائدة موقع الجماعة نت سلسلة حوارات مع الشاعر والأديب الأستاذ منير ركراكي حوارات أدبية فنية ثقافية، نجدد نشرها لمتعتها ومضمونها.

حوار هو أشبه بالنسمات العليلة في هواجر الصيف، جلنا فيه في رحاب الشعر والأدب والفكر، وطفنا فيه بعوالم الروح في سبحاتها وتأملاتها، تتبعنا البدايات كيف كانت وسألنا عن الشعر ما معناه وما مغزاه وما مبناه، فكان الجواب نثرا وشعرا وتأملا وفكرا، بلغة رائقة شائقة غيورة سامقة، تمتع القارئ والسامع، فجاء الحوار فصلا من فصول الإمتاع والمؤانسة مع الشاعر الداعية الأستاذ منير ركراكي ننشره على حلقات:

ب. المحور العام: الأدب الإسلامي

ما الذي يميز هذا الأدب عن غيره؟ وهل يمكن في هذا السياق التحدث عن أدب إسلامي وبوذي ويهودي وغيره؟

أخي الكريم، تقسيم الأدب إلى عصور هو من آثار الاستعمار كما يقول العلامة عبد الله كنون رحمه الله، وكم في التقسيم من مغالطات تزداد كلما ازداد الناس بعدا عن أصولهم، وانتحلوا نحلة الغالب، وانقادوا لدينه كما يقول ابن خلدون رحمه الله.

وقَرْن كلمة أدب بهذه السمة “إسلامي” هو من باب تحصيل الحاصل لو كان الناس يفقهون أن الأدب تأديب لقوله صلى الله عليه وسلم: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”. وهل يؤدب الإنسان أفضل من خالقه ومصوره والعليم بطينته وسريرته؟ وهل يؤدب الإنسان أحد غير الأحد، وغيرُ ما مِن الأحد: كتابه ورسوله، وحَمَلةِ كتابِه، وورثة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الربانيون الذين يعلِّمون الناس بصغار العلم قبل كباره. من هنا لا معنى لإضافة كلمة إسلامي إلى الأدب إلا من زاوية تمييز الأدب عن غير الأدب. ذلك أن كثيرا مما يُكتَب اليومَ لا علاقة له بالأدب، ولا طعم له منه ولا رائحة ولا لون. بل هو حرب على الله، ومسخ للفطرة، وإجهاز على الدين، ومصادرة للأخلاق.. سمِّه ما شئت إلا أن تقول عنه أنه أدب. وإن شئت قل هو من قلة الأدب، وسوء الأدب، بل مِن انعدامه وإعدامه. من هنا جاءت هذه التسمية لا لتميز أدبٍ عن أدب، ولكن لِتُمَيِّز الأدب عن “اللاأدب”. ثم لا بأس من أن ينعت بعض الأدب بيهودي ونصراني ومجوسي وما شئت من التسميات إما لأنه يدين باليهودية والنصرانية والمجوسية، أو لأنه يعمل على تهويد الفطرة التي فطر الله الناس عليها وتنصيرها وتمجيسها، حتى وإن لم يكن المدعو أديبا يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا.

هل لبروز الأدب الإسلامي ارتباط بظهور الحركة الإسلامية وتياراتها في العالم الإسلامي؟

أخ الإسلام، الأدب الإسلامي ظهر قبل ظهور الإسلام أصلا، لا قبل ظهور حركاته فقط. وهل بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق، والدين الخلق، والدين المعاملة. ولهذا نجده صلى الله عليه وسلم يقول: “أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد:”ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل

ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في شأن زهير بن أبي سلمى لِما علم من رشده وحكمته التي صقلتها السنون والتجارب ، لو أدركته لوليته القضاء). وكم من قصيدة، أو أبيات في قصيدة محسوبة على العصر الجاهلي لها من أدب الإسلام وروحه، ومعانيه ومراميه ومقاصده ما لا يمت إلى الجاهلية بصلة. وكم من أدب بُذِرَ في عصور الإسلام وهو من النبات الغريب على الدين وقِيَم المسلمين، بل هو إلى الجاهلية الجهلاء أقرب وبها ألصق وأوثق.

يبقى الأدب أدبا والسلام، قبل ظهور الإسلام وحركات الإسلام. لكن الحركة الإسلامية، بتياراتها المختلفة، أعطت للأديب صفة الالتزام، وهي إضافة نوعية تنضاف إلى صفة “الإسلامية”. الالتزام بقضايانا المصيرية، كقضية الدعوة والتذكير بالله والآخرة، وتزكية النفس، ومطلب الإحسان، ومدافعة الظلم والعدوان على المسلمين وعلى المستضعفين في كل مكان، خاصة في بؤر التوتر التي لها صلة وثيقة بتاريخنا وأمجادنا وأجدادنا وذاكرتنا ووجداننا ومقدساتنا مثل فلسطين، القدس والأقصى، والعراق، ومكة الشريفة والمدينة المنورة الطيبة، وأفغانستان، والبوسنة والهرسك، والشيشان، ولبنان وغيرها من البلدان التي عرفت وتعرف الاحتلال الصهيوني والأمريكاني والمتحالفين معهما، ومع الشيطان ضدا على الإسلام المسمى إرهابا في قاموس النظام العالمي الجديد، ولغة هيأة الأمم، ومجلس الأمن وغيرهما من سدنة الجاهلية الجديدة القديمة كعادة حليمة غير الحليمة، ولا الحكيمة، ولا الرحيمة، ولا السوية ولا السليمة.

ما هو العصر الذي يمكن أن يشكل نموذجا للتجربة الإسلامية، هل هو صدر الإسلام أم العصر الأموي أم العصر العباسي؟

التجربة الإسلامية تجربة رائدة راشدة لا يمكن أن نحصرها في عصر من العصور أو جيل من الأجيال.

نعم لا يقدم على عصر النبوة الرحيمة والخلافة الراشدة عصر من العصور، ولا جيل من الأجيال، لطبيعة المرحلة، ولتنزل الوحي على المتبوع المصحوب الأعظم صلى الله عليه وسلم، ومن قلبه على قلوب أصحابه الذين كانوا آيات بينات في الفصاحة والبيان، فصاحة الجنان قبل فصاحة اللسان، وبيان الإيمان قبل بيان المعاني والأواني. لهذا لا يقدم على شعر حسان وكعب بن مالك وابن رواحة شعر آخر، لأن هذا الجيل من الشعراء تربوا في مدرسة النبوة، وتشبعوا بالكتاب النور والرحمة والفرقان، والحكمة، والفصل والشفاء لما في الصدور، فكانوا قمة القمم على مر العصور وكرِّ الدهور.

لكن الله كما يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة دينها، فهو سبحانه يبعث على رؤوس المئين من يجدد للشعر بيانه وحكمته. والعرب أمة شاعرة، وللشعر في القرآن ذكر وفي السيرة والسنة أثر، وطيلة تاريخ الإسلام والمسلمين دور لا ينكر، في الإنهاض والجهاد والتعليم والتفقيه والترشيد وفي كل محمد للشعر قصيد أو بيت قصيد.

هل يمكن أن تكون مضامين الأدب تكرارا لمضامين تلك العقود؟

أخي لا بد من ثوابت وأصول لا تقبل التبديل والتغيير، وإلا حاد القطار عن سكته، وزاغ عن وجهته. لكن الفتوى وهي من الدين بمكان تتغير بتغير الزمان، فكيف لا يتغير الشعر ليكون حكمة تسدد وتقارب، تحافظ على المكاسب وتصانع ظرفها بما يناسب. فقد استجدت أمور، واستحدثت شرور، ولا يمكن بشعر من سبقونا ببيان أن نعالج أمورنا، ونتطهر من شرورنا، فالزمان غير الزمان، والمكان غير المكان، والإنسان غير الإنسان، ولا بد من بيان غير البيان، ومن حكمة غير الحكمة. إن اشتركا في الاسم فلا بد من اختلاف في الرسم والهم والعلم والفهم والعزم والحسم. فإن كان الشعر الجاد أمسِ وصفا ومدحا ورثاء وحماسة، فهو اليوم عبارة عن قضايا لا أغراض، ومطالب لا مقاصد. قضايا الاحتلال والانحلال، والاستعباد والانقياد، والجاهلية ظنا وحمية وتبرجا وحكما، والفتنة عادة وأنانية وذهنية قطيعية رعوية وهلم حرا و مسخا.

ومطلب العدل والشورى، والإيمان والإحسان، ومطلب الدعوة والدولة، والخلافة… وهي مضامين لا أقول جديدة على الأمة الإسلامية، ولكنها استجابة لمتطلبات العصر وإكراهاته، وعقباته وتحدياته التي تختلف في كثير عما سبق أن عانى منه من مضى وما عاينه. ولا يمكن أن نفكر في قرنين مختلفين بعقلية واحدة، وأن يكون شعرنا رهينة الماضي وحبيس الذاكرة. نعم لا بد من أن نتجاوز طفولة البعث والإحياء إلى شباب التطوير والتجديد ومن ثم إلى رجولة التغيير والتحديث، لكن ما نعنيه من ذلك غير ما يعنيه غيرنا وإن اتفقنا في المصطلح لضرورة تواصلية مؤقتة في أفق استشراف قاموس ينبع من الذات، ويؤسس لأدب أصيل منفتح جاد ومتجدد ومجدد ومُجْدٍ وجيد. ولكل لفظ من هذه الخمس مكانه في منظومة التنظير لهذا الأدب الذي نريده أن يكون مبنيا على خمس: الجدية والتجديد والتجدد والجدوى والجودة.

وأيضا الأشكال والأواني التي ابتكرها العقل المسلم هل يمكن تجاوزها أم ينبغي الوقوف عندها (قصيدة التفعيلة أو القصيدة النثرية نموذجا)؟

أخي الكريم، أحيلك جوابا عن هذا السؤال إلى همسة همس بها في أذن الشعراء الجدد – شعراء التفعيلة والنثر – شاهد من أهلها هو الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، لما سئل نفس السؤال أو ما يقاربه فكان جوابه أهمس في أذن هؤلاء: إن لم يكن لك الخليل خليلا فلا تختبئ في عجزك، أثبت أصولك ثم سافر إلى آخر الدنيا).

كلام أصيل جميل، لابد من مخاللة الخليل بن أحمد الفراهيدي وامتلاك ناصية علمه الذي تفرد به، وهو علم العروض. فإذا أحكم الشاعر هذا العلم وضبط موازينه، ونظم على إيقاعاته فلا بأس من عفو بعد المقدرة، وانزياح إلى التفعيلة والقصيدة المنثورة. وأغلب من أبدعوا في هذا اللون من الشعر هم المخضرمون من نظموا في العمودي ثم توجهوا إلى التفعيلي كبدر شاكر السياب والبياتي وصلاح عبد الصبور والقباني ونازك وطوقان ودرويش وسميح وأحمد مطر…

فأبان انزياحهم على تجديد لا على عجز وتقليد.

لكنني قد أذهب أبعد من سميح القاسم، ليكون حكمي أقسى عليهم من حكمه، فأقول: سم المنظوم على التفعيلة والمنثور شيئا آخر غير الشعر، ودع الشعر وشأنه، فهو كما عرفه أهله: كلام موزون مقفى ذو معنى. أما الذين يقولون أن الشعر تسلية راقية، أو أنه إلهام ومحاكاة، أو أنه الحياة، أو أنه الذات… فهم أثنوا على الشعر ولم يعرفوه. ناهيك عمن قال بأن الشعر هو ركوب الخطر، والثورة على الموروث، والقطيعة مع الماضي، والتنكر للذات، وأنه اللامنطقي واللامعقول، والخوض في المجهول والمحظور، وتحسين ما قبحه الناس وتقبيح ما حسنوه… فهؤلاء مرغوا الشعر في أوحال نفوسهم الخبيثة وخلعوا عليه أسمال الابتذال والارتذال. أما من سمى نفسه نبيا أو مجنونا، ولم يكتب إلا عن نفسه ولنفسه هلوسة ووسوسة من عبدة الشيطان جنه وإنسه فشعر الحكمة منهم براء، وسحر البيان ليس لهم به ولاء، وإنما هم الموصوفون في القرآن الكريم بالشعراء الذين يتبعهم الغاوون، والذين هم في كل واد يهيمون، والذين يقولون ما لا يفعلون. أخص منهم بالذكر جبران المتنبي المجنون، وأدو نيس المتأله الملعون. هذان وأشباههم ممن جندهم الأعداء لإضاعة الأصول، وإتلاف العقول، وإرضاء كل كفور ظلوم جهول، لا ينبغي اعتبار حداثتهم إلا حدثا أكبر ينبغي التطهر من جنابته، والتنزه من نجاسته، وتسمية هرطقاته بمسمياتها الحقيقية حتى لا تنطلي لعبتهم المبيتة في كواليس مكر الليل والنهار إلا على السذج، أو الغاوين الهائمين في متاهات بلا مخرج.