عزف على أوتار الزبد، ورقص على أنغام الكبد

بقلم: ذ. سعيد بلمين

   ذات يوم حار من أيام صيف مغربنا الذي زاده بؤس الواقع وقتامة الحاضر حرارة، كنت مستلقيا في بهو المنزل أتابع برامج القناتين المغربيتين على أمل العثور على نشرة إخبارية تعلم بالجديد أو برنامج حواري يزود بالمفيد أو شريط وثائقي يمسح بعض الغبار عن معلومات أصابها الصدأ أو حتى فيلم مثير يعالج قضية من قضايا الإنسانية المعتبرة. ضللت متابعا باهتمام وتركيز كبيرين، ومرت الدقائق تباعا حتى أوشكت على إتمام نصف ساعة كاملة دون أن يحصل المبتغى ويتم المراد.

   تصوروا معي لقد قضيت تلك المدة كاملة بين يدي إذاعة تنقلني من مهرجان موسيقي في المدينة الفلانية، إلى حفلة غنائية في المدينة الفلانية، إلى مسابقة راقصة في الشهر الفلاني… وهلم جرا.

   استغربت مما شاهدت ورأيت. ارتسمت الدهشة على محياي. اكتشفت أني كنت مغبونا بامتياز، فقد تعرضت لعملية نصب واحتيال بالغة الدقة والاحترافية في أثمن وأعز ممتلكاتي، فالوقت من ذهب، دون أن يكون للقانون سلطة على معاقبة مرتكبي الجريمة رغم ثبوت أن العملية كانت عن سبق إصرار وترصد. تأسفت لحال الضحايا، الذين لاشك أنهم كثر، من أمثال حالتي. فجأة تعالت ضحكاتي مدوية وممزوجة بأسى وألم مريرين من سخرية الحدث، فقد كان المرجو من القناتين ساميا ولكن الموجود كان ضحلا، وقديما قيل: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

   قارنت بين ما بثته برامج القناتين وبين ما يملأ صفحات الجرائد وما يصدر عن منظمات محلية ودولية من تقارير حول وضعية المغرب الكارثية، فأدركت أن التناقضات الصارخة والمفارقات الفاضحة هي سيدة الموقف وصاحبة كلمة الحسم. أيقنت أثناءها أن ساسة هذا البلد الفريد استطاعوا أن يصيروه قطعة فسيفساء نادرة الوجود، تحقق فيها التعايش بين واقعين لا يجتمعان في شريعة ولا منطق ولا عقل ولا قانون.

   فمن جهة، مغرب المهرجانات الغنائية والحفلات الموسيقية التي عمت كل أرجاء البلاد، حتى ملأ صداها الأركان شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وعم صخبها العالمين برا وبحرا، ولم يسلم من ضجيجها أحد ليلا ونهارا. تخصص لها من دون شك تمويلات خيالية وميزانيات ضخمة، يتم صرفها في التنظيم واستقطاب الفنانين وأداء مستحقاتهم، خصوصا وأن العدد زاد هذا العام عن سابقه. وللمثال لا الحصر فقد تضاعف الغلاف المالي لميزانية أحدها ليصل إلى 22 مليار سنتيم لدورة واحدة كلها تصرف من مال الأمة وخزانة الدولة.

   ومن جهة أخرى، مغربٌ السواد الأعظم فيه من الشعب يعيش مأساة حقيقية عنوانها “أزمة الكرامة الإنسانية”.

   لقد كرم الله الإنسان ورفع شأنه بين خلقه قال تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” الإسراء، الآية 70. وأسجد له ملائكته وجعله خليفة في الأرض، قال تعالى “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” البقرة، الآية 30. وسخر له الكون بعظمته كي يلبي حاجياته ويضمن استقراره ويعمره بالعبودية، قال تعالى: “الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كال ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار” إبراهيم، الآيات 31-34.

   هذا الإنسان المكرم من قبل رب العزة وملك الملوك، تجده في نسخته المغربية مواطنا يعيش أقسى أحوال الضيق والعنت وأقصى درجات الفقر والحرمان. فالشباب المثقف، وهو زبدة المجتمع وعنوان الحاضر وأمل المستقبل، يتقاضى أجرة شهرية أمام قبة البرلمان بعملة لها أثر مادي بليغ على الضلوع يجسدها شعار “زرواطة لكل معطل”. وأبناء البلد بمختلف شرائحهم يفضلون جحيم الموت ونار الغربة ولهيب السجون وسياط الآفات على العيش في بلد الرجولة فيه تذل، والكرامة تداس، والشرف يدنس، والعرض يهان. وأطفال صغار، لا ذنب لهم، يغتصب حقهم في العيش الكريم ويتمنع عليهم أن يدور بساحتهم أو يجاور مسكنهم. والشعب المغلوب على أمره لم يزدد مع توالي الأيام والسنوات إلا فقرا مدقعا وجهلا متفشيا وذلا ملازما.

   اعترفت في قرارة نفسي أن أصحاب القرار استطاعوا حقا أن يبصموا التاريخ بإنجاز عظيم لم يسبق لمثله. فهم أجبروا الزمن في وقت قياسي، ولله القدرة البالغة، أن يدور دورته فيعيد إنتاج ما كان الاستعمار الأجنبي يسعى لتكريسه زمن الاحتلال من خلال تقسيم المغرب إلى نافع وضار. ولكن عظمة الإنجاز هنا تزداد لأن الأمر يتم هذه المرة على يدي أبنائه وأهله بتقسيم آخر وتسمية جديدة هي مغرب الرقص ومغرب التعاسة.

   وقفت مشدوها أمام هذا المشهد المثير للشفقة، ثم ما لبثت أن طرحت على نفسي سؤالين محيرين:

   الأول: كيف يعقل أن تصرف كل هذه الأموال الطائلة والمبالغ الهائلة، التي تقدر بالملايير، على حفلات ومهرجانات للرقص لا يمكن أن تصنف في وقتنا الحاضر إلا ضمن خانة الكماليات على فرض أن الفن كان جميلا والطرب أصيلا وهادفا وحاملا لقضايا الأمة وهموم المجتمع، فكيف به وهو مجرد هستيريا لموسيقى النشاز وأغاني اللامعنى. وبالمقابل بلد يتوسط فوهة بركان من المشاكل البنيوية في شتى مناحي الحياة، وتمس مختلف الحاجيات الأساسية والضروريات الملحة للمواطن والشعب؟

   قال الله تعالى: “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”. فهل يا ترى زبد الموسيقى المبتذلة أولى بالإنفاق بمثل هذا السخاء “الحاتمي” أم ما ينفع الناس في تحسين مستوى المعيشة وصون الكرامة الإنسانية واحترام الحياة الآدمية؟

   والثاني: كيف يتصور أن مواطنا تخترق جسده النحيف سهام الفقر ونبال الجوع وسيوف الجهل ورماح الفاقة والعوز، وتلجئه صروف الدهر المغربي إلى كل وسائل ضمان العيش التي تمرغ آدميته في التراب، وتردي إنسانيته في مهاوي التحلل والفجور، وتعمل في رجولته معاول الهدم والاجتثاث. ورغم ذلك لا يلبث أن يلملم جراحه المعنوية والمادية ليسارع إلى الحضور المكثف في حفلات يريد منها أصحابها أن تخفي واقع بلد منكوب مغلوب مسلوب لتغني بدل ذلك مقطوعة “العام زين والبلاد بخير”؟

   استنجدت بكل علوم الدنيا ومعارف الكون التي أثلتها الإنسانية طيلة تاريخها الممتد في الزمان البعيد، أبحث فيها عن جواب منطقي على الإشكاليتين وتعليل موضوعي للمعضلتين. خانني البحث وأوصد عالم الحقيقة أبوابه في وجهي، لملمت أطرافي وعزمت على ولوج عالم التوهم فربما يكون عالما أقدر على صياغة الجواب. لم أجد بدا من سلوك هذا المسلك على ما فيه من مخاطر وما يكتنفه من صعاب، فالقضية أصبحت مسألة حياة أو موت للعقل المستفسر. حياة ولو بالحصول على جواب مغلف بمبررات من عالم التوهم، أو موت إذا استعصى الأمر لأن هذا إقرار بأن نظام الكون فيه خلل حاصل وأن نواميس الحياة فيها عجز ظاهر.

   أفاق العقل من دهشته، آويت إلى ركن مظلم من أركان البيت، جلست جلسة هادئة وأخذت نفسا عميقا. أطلقت العنان لمخيلتي تقودني حيث شاءت بعد أن استأذنت الحارث بن أسد المحاسبي رضي الله عنه في دخول عالم التوهم من أوسع أبوابه.

   وجدت نفسي، وأنا أبحث عن جواب السؤال المرتبط بسلوك الدولة في الإنفاق على المهرجانات والذي يتصل عموما بكيفية تدبير قضايا المجتمع، أتوسط حلقة درس من حلقات خبير سياسات الدول والمتخصص في أحوال الأمم ومداخل صلاحها أو فسادها الحكيم عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله. وجدت الحكيم يتذاكر مع تلاميذه حول موضوع “سلوك الدولة في تدبير قضايا المجتمع”. فكان أن استهل حديثه حول الدولة التي يكون منطق الاستبداد متأصلا في بنيتها، وسيف التسلط مصلتا على رقاب أبنائها. وأجمل ما ينظم سلوكها في تدبير القضايا في خمس مرتكزات يفضي بعضها إلى بعض نتيجة حتمية:

   1- العزلة عن المجتمع: فمنهج الدولة في الاستفراد والاستئثار بمقاليد السلطة تولد الظلم المؤذن بخراب العمران، والكساد المفضي إلى استعصاء المعاش على المواطنين، وهو ما يدفع إلى تبني موقف الرفض، سواء المعلن أو الخفي، المطلق للسياسة التي تنتج هذا الوضع، ومن ثم التبرم من البؤس المستشري في أوصال المجتمع، الشيء الذي يورث القطيعة مع الدولة، فتنشأ العزلة النفسية والواقعية بين الطرفين.

   2- اصطدام الحاجيات: هذا الفصام المتبادل يؤدي إلى تكون حاجيات عند الدولة بناء على الموقع الذي ألجأتها إليه القطيعة وهو لا شك موقع الاستكبار، ما يعني أن الحاجة تكون محددة في السعي إلى الاستمرار في توفير جميع ظروف ضمان حياة دائمة للاستبداد. ثم حاجيات عند المجتمع الذي تموقع في موقع الاستضعاف، ما يدفعه إلى التعبير عن حاجته عبر المطالبة الدائمة والمستمرة بالحياة الأفضل والتنمية الحقيقية والوضعية الاجتماعية والاقتصادية المريحة التي يكون مدخل تحقيقها سياسيا صرفا.

   3- تضارب المصالح: يفضي غياب التغلغل وسط الشعب وضعف التجذر في عمق المجتمع إلى ذوبان الارتباط العاطفي المتبادل، كما أن تباعد الحاجيات حد التناقض يفضي إلى حصول الانحسار على مستوى نشدان المصلحة العامة من قبل الدولة، ما يعني أن مصلحة المواطن لا يصبح لها أي اعتبار في أجندة الدولة ودفتر أولوياتها. وبالتأكيد يحل محلها مصالح الدولة السرطانية.

   4- الشذوذ في السلوك: الانفصام عن جوهر المعاناة اليومية والدائمة للمواطن يورث الالتباس في المتطلبات ويغيب عن وعي الدولة الحاجيات الحقيقية للمجتمع، الشيء الذي يجعل سلوكها في سعي دائم لتحقيق مصالحها دون مصالحه، وذلك من خلال تبني سياسة الترقيع على المستوى الداخلي بما لا يفضي إلى حصول تنمية مستدامة، ثم عبر تلميع الصورة الخارجية من خلال البهرجة الكاذبة والمظاهر الزائفة، مع الحرص على تقليد الآخر بدافع عقدة نحلة الغالب. وبذلك تكون كل المبادرات على حالتين اثنتين: المبادرات التي لا موقع لها في خارطة المجتمع جملة وتفصيلا لأنها أجنبية عن الأصل المجتمعي الجامع، ثم المبادرات التي تكون فاقدة لمفتاح الخصوصية الواقعية ومجانبة لاعتبار الأولويات المطلوب.

   5- الفشل في التدبير: عندما تكون الدولة منقبضة عن واقع المجتمع فإن حاجياتها تصبح في تنافر تام مع حاجياته أي أن المصالح التي تأخذ بعين الاعتبار في السياسة العامة هي مصالح الدولة ولذلك فسلوكها في التدبير مهما كان يوحي ظاهره بخدمة المصلحة العامة، ويكون ذلك في الغالب بالتغليط الإعلامي والتمويه السياسي والتعتيم الواقعي، فإن جوهره يبطن خلاف ذلك. وهو ما يؤدي في الأخير إلى فشل ذريع في كل مقاربات التدبير والتسيير على السواء وعلى الدوام.

   بعد أن اتضح الرابط المنطقي بين أصل الدولة الاستبدادي وبين سلوكها الشاذ عن متطلبات المجتمع، والذي ينتج سياسات وتدابير أقل ما يقال عنها أنها ترقص على جراح المواطنين إن لم نقل تعمقها، يممت وجهي نحو وجهة أخرى للبحث عن جواب الإشكالية الثانية. وكان من مشيئة المولى عز وجل أن أقف عند تحليل للخبير في علم التحليل النفسي “سيجموند فرويد” الذي وجدته محاضرا في جامعة فيينا. ومن حسن الحظ وجميل الصدف أن حديثه مع طلابه كان حول موضوع “تجليات الحالة النفسانية للمواطن من خلال سلوك الرقص”. خلص فيها السيد فرويد إلى خلاصة جامعة مفادها ضرورة التمييز بين حالتين اثنتين تعطيان نفس النتيجة والخلاصة رغم اختلاف المسببات والدواعي.

   الأولى: وضع الدولة التي تأسست على قواعد “الحرية، العدالة، الديمقراطية” فأدت كل التزاماتها المعيشية. فأنتجت بذلك مجتمعا تحققت فيه كل مداخل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ما يجعل المواطن يعيش في أمن ورفاهية وثقة في المستقبل. هذا الوضع يورث حالة من الارتياح التي تبعث على “الاستقرار النفسي” فيتم ترجمتها عبر سلوك “الرقص” المؤذن ببلوغ قمة الفرح والاغتباط. وذلك انسجاما مع المثل المغربي الدارج: “إلا شبعت الكرش كتقول للراس غني”.

   والثانية: وضع الدولة التي اختارت ثالوث “الاستبداد، الظلم، الفساد” مرتعا لها. ونجحت بعد ذلك في كل مخططاتها الرامية إلى صناعة واقع تأجيج التسلط السياسي والبؤس الاجتماعي والفساد الإداري والإفساد الاقتصادي، وكرست كل آليات وميكانيزمات استمرار الوضع وإعادة إنتاجه في كل مرحلة من مراحل التاريخ. هذا الواقع يجعل المواطن يعيش كبدا معاشيا وتوجسا من المستقبل يورثه حالة من السخط الذي ينتج عنه “الاضطراب النفسي” فيترجم سلوكيا عبر “الرقص” الدال على بلوغ قمة الأسى والضنك انسجاما مع المثل العربي القائل:لا تحسبوا رقصاتي بينكم طرباً *** فالطير يرقص مذبوحاً من الألم   وهكذا أقول لمن يهمه الأمر: من كان يوهم نفسه أن ما يحتاجه شعب مقهور هو المهرجانات الغنائية والحفلات الراقصة فإنما يسبح ضد تيار التاريخ الذي لا يرحم، ويغفل عن ناموس الكون الذي لا يتأخر، ويسهو عن سنة الحياة التي لا تحابي أحدا.

فالأمر حقا أدعى للمراجعة الفورية والتوبة النصوح، لأن ثلاثة قد يكون في إحداهم هلاك المرء “الشطح والبطح والنطح”.