تقديم

مر على وجودنا في ميدان الدعوة الإسلامية زمن ليس باليسير، وفقنا الله عز وجل خلاله لبناء جماعة، وكتابة منهاج، وإعداد قيادة، ونشر دعوة، وحضور في الميدان. فلله الحمد في الأمر كله.

ومنذ تلك البدايات لم نأل جهدا في التعريف بما نفكر فيه وما نعمل له. اخترنا الوضوح والمسؤولية على الغموض والالتواء. حرصنا على الحديث عن أنفسنا حتى نفهم كما نحن وليس كما يهوى غيرنا، فأصدرنا عشرات الكتب والمقالات والأشرطة والمطويات والجرائد والمجلات.

واليوم، ونحن على أعتاب مرحلة أخرى نستشرف فيها آفاقا جديدة، ارتأينا تحيين الورقة التعريفية الرسمية لجماعتنا ومشروعنا مواكبة للمستجدات ومسايرة للتطورات حتى نوسع دائرة التواصل مع غيرنا، ونسد الباب على من يتحدث باسمنا دون معرفة مشروعنا أو معايشة لحركتنا فيجانب الحقيقة عن قصد أو عن غير قصد.

نستهدف بهذا المشروع تلبية رغبة طالما ألح عليها كثيرون: أعضاء من جماعتنا، وباحثون أكاديميون، وساسة وإسلاميون وإعلاميون… لنوضح بشكل مركز: من نحن، وماذا نريد؟. ومن أراد التوسع ففي باقي كتبنا ومنشوراتنا تفصيل ما أجملناه هنا.

نتحدث إن شاء الله دون وسائط مشوشة أو مشوهة، عن منهاجنا في التربية والتعليم والتنظيم والدعوة والسياسة، وعن مبادئنا في التنظير، وعن طرائقنا في التفكير، وعن وسائلنا في العمل، وعن مواقفنا مما يجري حولنا.. ولا نفتأ نؤكد أن هذا وحده لا يكفي، بل تعضده إن شاء الله المعايشة عن قرب، والمعاينة الميدانية. ولن يتم هذا إلا إن رفع الحصار والتضييق عن حركتنا وأعضائنا وأفكارنا وأنشطتنا.

نرجو أن يجد كل قارئ لهذه الوثيقة بغيته، وأن تكون جامعة للقلوب على الله، وللعقول فهما عن الله، وللأبدان جهادا في سبيل الله. فما خط حرف من حروفها إلا ابتغاء مرضاة الله، وما صيغت فكرة من أفكارها إلا للدلالة على الله، وما كان الدافع لنشرها إلا الدعوة إلى الله. لا إله إلا الله، محمد رسول الله عليه أفضل وأزكى صلوات الله.

الفصل الأول: مقدمات عامة

أولا: الانكسار التاريخي:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد رحمه الله بسنده الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”. ثم سكت.

حري بحركة إسلامية تنشد إعادة البناء على الأساس الأول الذي أثله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام أن تتخذ من هذا الحديث وأمثاله دليلا لمعرفة الانحراف الذي حصل في حياة المسلمين فأفقد الأمة مقوماتها. بدون ذلك سيبقى فهمنا لحاضرنا ومستقبلنا مضببا بل ومشوشا.

ماذا حدث؟ وكيف وقع الانحدار؟ ومتى بدأ وما هي نتائجه؟ وهل يكفي الوقوف على مظاهر الداء، أم لابد من التعمق لمعرفة أسبابه وأصوله؟

هناك من يختار الطريق السهل فيشخص ما بالأمة مقتصرا على الأعراض والمظاهر، لكننا انحزنا إلى الوحي نتتلمذ على يديه مباشرة ونستظل بظلاله الفيحاء، واخترنا سلوك ما نراه الطريق البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك، فجعلنا القرآن الكريم والسنة النبوية الضوء الكاشف لكل ما جرى من وقائع وأحداث، ونتصفح كتاب العالم فنرى فيه حكمة الله وسنته التي لا تبديل لها، ونستخلص من كل ذلك العبر بيقين الذي لا يساور قلبه وعقله شك في موعود الله ورسوله، وفي قضاء الله الماضي إلى قدره شئنا أم أبينا وأطعنا أم عصينا.

هكذا نختار التتلمذ للوحي بقلب خاشع يتلقى نور النبوة وهي رحمة كلها، وعقل نزيه حريص على معرفة الحق، وبجوارح خاضعة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”.

أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فوصف لنا بداية الداء الذي ينتشر مثل الوباء الخبيث في جسد الأمة حتى لا يترك فيه مكانا معافى، إنه الحكم، ثم توالت العرى بعده انتقاضا.

انفرط عقد الحكم، وذهبت الشورى بعد انتقال الخلافة الراشدة إلى ملك عاض عض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه، وحل الاستبداد محل العدل. فكان حقا انكسارا تاريخيا لا يمكن أن يقفز عليه باحث أو متهمم بما آلت إليه أوضاع الأمة ويسعى لإرجاع الأمور إلى نصابها.

ماتت الشورى وأقبرت وأصبحت الطاعة للسيف لا لله ولرسوله، فذهب الصفاء وحل الكدر، واحتضر الإحسان وحلت الفتنة.

ثانيا: الفتنة داؤنا:

منذ ذاك الزمن ونحن تتقاذفنا أمواج الفتن كقطع الليل المظلم، لا يحجبنا عنها توسع دار الإسلام، ولا ازدهار عمراني، ولا تطور علومي.

الفتنة هي أدق وصف يطلق على واقع المسلمين، هي مصطلح نبوي أوسع دلالة وأشمل مضمونا، وتشمل كذلك معاني التخلف والأزمة وعدم الاستقرار، كما تتضمن معاني الابتلاء والامتحان والاختبار، وفيها استبشار وحسن ظن بالأمة التي لا يعدم منها الخير لأن الفتنة اختلاط الحق بالباطل، وفيها كذلك رحمة ورفق بالأمة؛ وتلك وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بالصبر والتحمل والتؤدة وضبط النفس وحقن الدماء والعفو ونبذ العنف.

ثالثا: التجديد دواؤنا:

الفتنة التي تصيب الأمة قسمان: خاصة وعامة. تصيب الفتنة الخاصة الإنسان فيفتتن ببني جلدته، وبالسلطان، والطبيعة، والشيطان، والله خلق الموت والحياة والدنيا وعبور الإنسان ليبلو العباد أيهم يحسن عملا وأيهم يسيء.

والفتنة العامة تصيب الأمة، وقد تضمنت أحاديث نبوية إخبارات لما يقع لهذه الأمة من محن وثورات وأحداث.

فكيف السبيل إلى عدل الإسلام ورحمة الإسلام وصفاء الإسلام؟

نحن اليوم أزيد من مليار مسلم، مفتونون فرديون غثاء كغثاء السيل، في حاجة إلى من يبصرنا بمنهاج العمل ويجدد لنا إيماننا الذي بلي بعدما تراكمت عليه الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويجدد لنا ديننا الذي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجديده على رأس كل مائة سنة.

روى الإمام أحمد وحسنه السيوطي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الإيمان يخلق (يبلى) في القلب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم”، وفي حديث آخر “جددوا إيمانكم، قيل وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” رواه أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح.

في هذه الأحاديث وصف دقيق لما يعتري الإيمان من ضعف والقلوب من تنكر لقيمه، ولما يعتري الأمة من وهن وهوان، وفيها دواء هذا وذاك.

تجديد الإيمان وتجديد الدين، واجهتان متكاملتان وعاملان ممزوجان، ومشروعان لا ينفصلان. خلاص فردي وجماعي، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والخطاب القرآني موجه للذين آمنوا، ولن ينهضوا استجابة لندائه إن لم يتجدد الإيمان في قلوبهم وينعكس أخلاقا وأعمالا في سلوكهم، ورحم الله عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين قال فيما رواه الحاكم على شرط الشيخين وصححه: “لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن. وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزواجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ولقد رأيت رجالا يوتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره وزاجره، وما ينبغي أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل (رديء التمر)”.

وصف دقيق ورقيق وعميق للداء والدواء. تجديد الإيمان في القلوب، وهي المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، هي العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها.