عجبا! ثم عجبا!! عجبا لهذا الشعب الأبي الذي غارت جراحه واتسعت وعمت وطمت. عجبا لهذا الشعب منبع الرجولة، والجامعة التي تخرج منها رواد الفكر والمعرفة والجهاد والتربية ومازال كذلك…

مآس بالجملةكثيرة هي المآسي والمصائب التي أثخنت جسم هذا الشعب، فنزف دما طاهرا، صار هو الآخر شعلة على طريق الصلاح والإصلاح. إنه لم يسلم لا تعليما ولا حكما ولا أخلاقا ولا أعراضا وشرفا… واسأل التقارير الوطنية والدولية تنبؤك بأرقام يندى لها الجبين ويتفطر لها قلب كل غيور. وصار من قدر المغرب ألا يقارن إلا بكل دون من جغرافيا هذا العالم.

آهٍ مراتب متأخرة في التعليم والتنمية والحريات… وعلى رأس لوائح التصنيف في القمع والفساد والرشوة… شباب الأمة الذي يفترض أن يكون عمادها وعامل القوة الأكبر في العطاء والإنتاج والإبداع، تحول بفعل السياسات الخرقاء والمقاربات العرجاء إلى “نعاج” تسلخ أمام المؤسسات الرسمية، والمحظوظ منه- الشباب- من ركب زوارق المجهول وأحرق بطاقات الهوية، استقر به المقام في أعماق البحر المتوسط، الذي لم يبق لحيتانه إلا أن تنتفض وتخرج في مسيرات مرددة: كفى من لحوم المغاربة..

لم يكتف النظام الحاكم بتجويع المغاربة وتفقيرهم فقط، بل أصر على قتل كل معالم الرجولة والمروءة والانتماء الحضاري، وصار المغربي حبيس التفكير في ما يسد به جوعته، وشُنت عليه حرب دروس على: التعليم والأخلاق والأعراض، وزُرع الشوك والعوسج- درءا لخطره الداهم كما زعموا- واختار أن يكون بغير الشعب فقرر الشعب أن يكون بغيرهم. هكذا أريد للمغاربة أن يكونوا، فقتلوا في هذا الشعب المسكين الأمل، وقتلوا فيه المستقبل وأذاعوا فيه ثقافة السلب والانهزامية، لكن هيهات هيهات… الجواهر جواهر وإن تكدست فوقها مئات الأطنان من الغبار…

عديدة هي الآلام، ومختلفة هي المخازي التي رصع بها حكم الجبر تيجانه. وتمتم ذاك الناقم الساخط المغلوب على أمره:فيا موت زر إن الحياة ذميمة *** ويا نفس جدي فإن دهرك هازل

ويبقى الأمل…كثيرة هي الآلام إذن كما أن الآمال كثيرة. فهذا المغربي جوهره دائما يحدثك عن حبه للخير والفضيلة والبر والإحسان، يميل بفطرته المحفوظة بعناية إلهية إلى الحق، وينتصر له وإن في قرارة نفسه، بعد أن تطاحنت في دواخله نوازع الخير والشر، ولئن كان البادي رمادا ففي تحته وجيب حار ينتظر نسمات مباركة تحوله طاقة إيجابية للبناء والتعمير، والسعي في العالمين حاملة راية الحق والعدل والمعرفة. نعم سيفعلها المغاربة كما فعلوها قديما مع ابن بطوطة وسيملؤون الدنيا نورا وأنوارا، سينطلقون تسبقهم أخلاقهم، يتحدون الصعاب ولا يبالون، وسيحرقون سفن الجبن والتولي كما أحرقوها مع طارق بن زياد.

إنهم المغاربة، جواهر نفيسة دنستها أيدي العض والجبر والاستبداد القروني الذي استنفذ سهام كنانته المسمومة، وأعمل معاول الهدم في هوية وإباء وعزة الذين لم يتخلفوا عن كتائب “صلاح الدين” ليسطروا بدمائهم وتضحياتهم أسفار البطولة والاستجابة لأمر الله ورسوله، كانوا كذلك ولا يزالون، وسيظلون رغم كيد الكائدين “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”

قد لاحت في الأفق الطلائع والجحافل قادمة مبشرة بنور يهد صروح الظلام، معلنة كلمة الحق العدل، ولسان الحال يقول في وجه الاستكبار:

– إنك لا تجني من الشوك العنب.

– من يزرع الشر يحصد في عواقبه ندامة.

مع الأخيارمن صوت دفين في أعماق ذلك الإنسان.. من ينابيع الإيمان ومن خلجات الإسلام وبشائر الإحسان… من عنقاء هذا الزمان… من بعد طول اصطبار وبعد الابتلاء والاختبار.. ظهر هؤلاء الأخيار… معقود عليهم الأمل في دفع الخطر ودرء الضرر..

بعد طول انتظار ومزاحمة الأخطار، حل الغرباء، فطوبى لهم وجنات أنهار… وعُقد الأمل من جديد وصار البدر يطلع وأنارت الثريا الطريق…

إنها أصوات دافئة، تدفئها حرارة الانتظار لذاك المنبعث من جديد من بين براثن الظلم الحديد ويغوث الجديد…

نِعم القوم هم ونعم الغاية غايتهم، ونعم الأسلوب أسلوبهم، فشرف الأسلوب مرتبط بشرف الغاية. الغايات العظمى لا يبلغها الشرفاء إلا بالوسائل الطاهرة.

بشرى عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ”(1)

وعند الدار قطني رحمه الله بلفظ المغرب بميم قبل الغين، كما وردت في جل مخطوطات صحيح مسلم: لا يزال أهل المغرب.(2)

قال المسعودي: “أما المغرب فيُقسي القلب، ويُوحش الطبع ويطيش اللب ويذهب بالرحمة، ويكسب الشجاعة، ويقشع الضراعة، وفي أهله غدمر، ولهم خبث ومكر، ديارهم مختلفة وهممهم غير مؤتلفة، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم، وخطب جسيم من أمر يظهر وأحوال تبهر” (3).

وفي الختاممهما طال عمر الظلم فهو قصير، ومهما تلبدت السماء بالغيوم فخلفها ضياء ونور.

فهلم أخي نجدد إيماننا ونعيد بناء أمجاد أمتنا

هلم أخي نذكر ربنا نتزكى ونحيي قلوبنا

تعال ننفض عنا غبار السنين ونعلنها مدوية في العالمين

نجتمع على الله وفي الله يكون نصرنا على من عادانا

——————————————–

1- رواه مسلم في كتاب الإمارة باب: قوله: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق. رقم 3551.

2- انظره بشيء من التفصيل في مقدمات لمستقبل الإسلام. عبد السلام ياسين، ط 1 ص34.

3- مروج الذهب ج1ص194.