مقدمةصدر للأستاذ نور الدين الملاخ عن منشورات الصفاء وضمن سلسلة “حتى يغيروا ما بأنفسهم” كتابا وسمه بعنوان: “الإنسان الصندوق الحي: ما مفتاحه؟ مقاربة منهاجية..”، يحتوي الكتاب على ثلاثة فصول ومقدمات وخاتمة وملحقين علميين وذلك في ثمان وثمانين 88 صفحة.

أهمية الكتابتأتي أهمية الكتاب بالنظر إلى اعتبارات ثلاث:

– اعتبار المؤلف: الذي هو فرع من شجرة مباركة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، نذكر هنا أن الأستاذ نور الدين زاده الله نورا هو وليد الطود الشامخ أحد الثلاثة الذين بصموا تاريخ الحركة الإسلامية المغربية ببصمات الجهاد الصادق أقصد الأستاذ الفاضل أحمد الملاخ الذي كان إلى جانب الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين والأستاذ المربي محمد العلوي السليماني في مشروع التأسيس الأولي لعمل إسلامي راشد ستحمل لواءه بعدة ذلك جماعة العدل والإحسان، نقول هذا ولا نزكي على الله أحدا لأن الابن عمل أبيه.

الأب كان ممن أوذوا في سبيل الله إثر النصيحة الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” التي وجهها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين ضمن ظرفية تاريخية دقيقة إلى الملك الراحل. والابن رجل تربية وتعليم ووجه إعلامي واعد ورمز من رموز دعوة العدل والإحسان.

– اعتبار السياق العلمي الذي يعرض الكتاب فيه وهو سياق الثورات العلمية الكبرى، خاصة مع ثورة الجينوم البشري وما فتحته هذه الثورة أمام العقل البشري من آفاق التجارب المختبرية التي غدت أشبه ما تكون بزلازل مرعبة أعادت طرح إشكاليات حدود العلم والأخلاق.

– اعتبار المشروع العام الذي يندرج فيه الكتاب وهو مشروع يحمل عنوان “حتى يغيروا ما بأنفسهم”، ذلك العنوان الذي يفهم منه ضرورة الرجوع إلى الذات البشرية لطرح الأسئلة الوجودية الحقيقية المؤرقة التي تمنع إنجازات العقل البشري العلومي أحيانا طرحها حتى إذا جاء الموت وجد الإنسان نفسه قد فاته الخير العظيم والخبر الأعظم.

تأملات في العنوانالعنوان صيغة مركبة من أجزاء:

– الإنسان: مفردة تستدعي مفردات، الإنسان ذلك المجهول الذي حير العلماء والفقهاء والفلاسفة مند أمد بعيد، الإنسان ذلك المعلوم الموجود الفاعل الحاضر في صيرورة الفعل الكوني. ومع هذه المفردات أسئلة كبرى من قبيل من هو الإنسان؟ ما ماهيته؟؟ ما المتحكم في سلوكياته؟؟ هل بوسع الإنسان أن يفكر في الإنسان بموضوعية وإيجابية؟.

– الصندوق: مفردة تحيل ربما على البعد الغرائبي والعجائبي للكائن البشري نتذكر أن حكايات الأساطير والخرافات الشعبية تتحدث دائما عن الصندوق المخفي في مكان آمن والذي دون الوصول إليه متاهات ومغامرات، وعن الصندوق المملوء بالكنوز.. الصندوق رمز للعجيب والغريب، الإنسان كائن مغلق غريب كائن لغز يحتاج إلى من يبحث عنه ويبحث فيه.

– الحي: الإنسان كائن حي فاعل نشيط مؤثر متواصل يولد يتغذى ينمو يتطور يموت يندثر، لكن أي حياة؟؟ وأي معنى لهذه الحياة؟؟

يجمع بين هذه المفردات الثلاث سؤال عريض، هو: ما مفتاحه؟؟

السؤال عن المفتاح سؤال عن آليات المقاربة ومرجعيات النظرية والبحث عن المفتاح، رغبة في:

– النظر في محتويات الصندوق.

– اكتشاف جوهر حياة الإنسان.

– استكناه هذا الكنز الغريب العجيب.

ثم هو سؤال منفتح على الرغبة في ارتياد آفاق العلوم، حكمة الإنسانية باعتبارها بوابة رئيسية لبيان حقيقة هذا الإنسان. وتأتي عبارة مقاربة منهاجية لتؤطر السؤال والبحث والرغبة في الاكتشاف بالمنهاج، والمنهاج هنا مفتاح المفتاح الذي ينادي مذكرا منبها:

“كيف: نكتشف الإنسان الصندوق دون تضييع مفتاح حياته الحقيقية ودون أن ينسينا سؤال الكيف سؤال “لماذا”؟

رهانات الكتابيراهن المؤلف في كتابه على:

1. إسماع الفطرة للإنسان إسماعا حكيما رحيما: “يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك “.الانفطار 8.

2. إعادة طرح إشكالية العلم والإيمان طرحا جديدا يجمع فيه بين النظر العلمي التجريبي السديد المنفتح المجتهد وبين نظر العقل المستمد من الوحي الواقف على عتبة القرآن يسمع بأذن قلبه وصفاء إيمانه.

3. محاولة الجمع بين مكتشفات المختبر ومسلمات الغيب في سعي عمقه “صدق الطلب ودعوة لسبر أعماق الصندوق الإنساني ببصر العقل وبصيرة القلب” ص 8.

وبعد، فالكتاب كما نفهم من مؤلفه هو دعوة:

– لربط المبتدأ بالخبر، مبتدأ وجود الله عز وجل بخبر العودة إليه والرجوع للوقوف بين يديه.

– أن يكتشف الإنسان نفسه وحقيقته فيتفكر في سر وجوده وغاية كينونته ليعرف خالقه فيعبده ويستعد للقياه ليفوز حق الفوز.

– لاستثمار منجزات العقل البشري في المجال العلمي لطرح الأسئلة الحقيقية الغائبة المغيبة حقيقة خالق الإنسان وغاية وجود الإنسان.

– لتجاوز الإرهاب الممارس على العقل الإنساني، ذلك الإرهاب الذي يمنع من طرح الأسئلة المفزعة أحيانا بدعوة لا علميتها ولا موضوعيتها. فيحصر في نطاق الماديات التي تحول دون إدراك عميق لحقيقة وجوده.

إشكاليات الكتاب: عرض مجملخصص المؤلف الفصل الأول من كتابه للحديث عن التطورات الكبرى التي عرفها علم البيولوجيا منذ نشأة النظرية الخلوية، ثم عرف بمراحل ظهور الثورة البيولوجية وموقعها من الثورة العلمية المعاصرة، وعرض لاكتشاف الجينوم البشري وأهميته واقفا عند مجموع المخاوف العظمى التي واكبت ذلك الاكتشاف.

في الفصل الثاني قدم الكاتب تعريفا للجينوم البشري وما يدور في فلكه من مصطلحات علمية دقيقة كالنواة والصبغيات والمورثات والبصمة الوراثية والبروثيوم.

وقد كان هذان الفصلان في الحقيقة مناسبة للمؤلف ليعرض لجملة من القضايا ذات البعد العلمي وعلى رأسها:

– أهمية الثورة البيولوجية في تعميق الأبحاث العلمية ذات الصلة بعلاج بعض الأمراض المستعصية.

– أهمية اكتشاف الجينوم البشري على المستوى العلمي والتقني في إدراك الصفات الوراثية للكائن البشري وفهم خبايا الجسم الإنساني.

هذه القضايا العلمية كانت في العمق معبرا لإثارة قضايا أخلاقية من مثل:

– انحراف الأبحاث الجينية عن وجهتها العلمية الصرفة إلى إجراء تجارب التلاعب بالأجناس البشرية والرغبة في صناعة الإنسان واستنساخه وتعديل أنظمته الوراثية.

– السعي إلى استغلال علم الوراثة للقول بانعدام المساواة بين أجناس البشرية وادعاء وجود نوع راق من الإنسان وهو ما يفتح الباب أمام النزعات العرقية والعنصرية.

– محاولات السيطرة على السلوك الإنساني عن طريق العقاقير الصيدلية مما يفقد الإنسان حريته ومسؤوليته وهما شرطا وجوده.

– السعي نحو إطالة أمد الحياة بل وتحنيط الجثث البشرية سعيا نحو إعادة إحيائها يوما ما..؟!!

لقد سعى المؤلف من خلال عرضه هذا لمجموع تلك القضايا العلمية والأخلاقية للبحث عن مفتاح يفيد في استكناه مغاليق هذا الكائن الحي الصندوق، وهو المفتاح الذي لخص آليات وتقنيات استعماله في الفصل الثالث الذي عنونه بالتفكر في خلق الله.

يدعو الكاتب الإنسان الصندوق الحي العجيب الغريب إلى التفكر في خلق الله عز وجل بدءً من التفكر في ذاته ذات الإنسان طبعا و”في أنفسكم أفلا تبصرون”، وانتهاء بالتفكر في عوالم الكون الفسيحة.

إن التفكر في العالم كتاب الله المنظور قنطرة رئيسة إلى معرفة الخالق عز وجل والاستعداد لتلقي آياته من القرآن كتاب الله المسطور.

إن وقوف المرء منبهرا خاشعا خاضعا أمام دقة الخلايا وتحولاتها تحت آلات المجهر في دقة هندسية رائعة مثيرة يجب أن تدفع إلى التساؤل عن:

“من الذي أقام هذه الأنظمة بكل هذا الإحسان والكمال؟؟”.

“من الذي برمج الجزئيات التي لا شعور لها ولا علم ولا إرادة لكي تقوم بهذه التفاعلات الاستقلابية المتناهية الدقة في التركيز والمنحى؟” ص 56.

يجب أن تدفع الإنسان إلى رحاب الإيمان بالله واليقين التام في وجوده والاستعداد الدائم لقربه.

إن العلم الغافل عن الله ضنك وجهل مركب.

وإن التفكر غير التفكير، إذ التفكر “تناول الأشياء والمعاني من زاوية مرجعيتها إلى الخالق، ومن زاوية معنى وجود الإنسان ومصيره بعد الموت ومخلوقيته ومسؤوليته في الآخرة” ص 64.

خلاصات عامة1* “كل إنسان ينظر إلى حقيقة الأحياء من وجهة نظر غير مادية لابد أن يرى الحقيقة الساطعة كالشمس. إن الكائنات الحية كافة قد وجدت بتأثير قوة لا متناهية وحكمة لا حد لها. أي أنها خلقت من قبل خالق لها، وهذا الخالق هو الله العلي القدير الذي خلق كل شيء من العدم وقال له كن فيكون” ص 56.

2* “إن مزيدا من العلم هو مزيد من شحنة الإيمان، حيث ينقلب الوجود كله إلى محراب لمعرفة الله وعبادته… إن تقدم العلم لن يضعف الإيمان بل يعمقه ” ص 61.60.

3* “العالم العارف هو الإنسان العالم الذي يجعل حركات العقل وخلجات النفس لا تدور حول سؤال “كيف”، بل تتلقى الجواب عن سؤال “لماذا” حتى تكون مهارته في وضع أسئلة الكيف العلومي البحثي المخبري مقارنة مسايرة تابعة لتدبره وحضوره وذكره معنى الوجود وخالق الكون ومحيي الأنام وباعثهم ليوم تشخص فيه الأبصار” ص 63.

وخلاصة الخلاصات”وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيومنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم” الحج 54.