إنتاج غزيركان جزء هام من النخبة العلمية والدينية لفاس يعتبر الحسن اليوسي بمثابة مجدد القرن. وهذا الأمر راجع إلى الاجتهادات النوعية لهذا العالم والتي تجسدها كتاباته ومؤلفاته المتنوعة والمختلفة باعتبار أنه ألف في مجموعة من المجالات، غير أن المجال المرتبط بالعلوم الدينية أخذ حصة الأسد من اهتمامه. وقد اهتم مجموعة من المستشرقين بإعداد بيبلوغرافيات حول ما أنتجه العالم الحسن اليوسي ومنهم: جاك بيرك، روني باصي، ليفي بروفنصال وغيرهم.

وقد تم تناول هذا الإنتاج الغزير والغني في نفس الوقت في مجموعة من الدراسات البيبلوغرافية ومنها البحث الذي قدمه الباحث الفرنسي روني باصي في المؤتمر الدولي الرابع عشر للمستشرقين بعنوان: “أبحاث بيبلوغرافية في مصادر سلوة الأنفاس”. والدراسة العلمية المشتركة لكل من بن الشنب وليفي بروفنصال والمنشورة في المجلة الإفريقية سنة 1922م بعنوان: “محاولة في فهرسة كرونولوجية للمنشورات بفاس”، وكذلك الباحث بيريتس في دراسته المنشورة بمجلة الدراسات العربية سنة 1947م بعنوان: “فهرس ألفبائي للكتاب الذين نشرت أعمالهم بفاس”. دون أن نغفل الكتاب الهام للباحث ليفي بروفنصال الصادر سنة 1922م والذي حمل كعنوان: “مؤرخو الشرفاء”.

في المجال الديني ومجال المنطق، ألف اليوسي ما يلي: تفسير شرح الكبرى للسنوسي  أجوبة – مشرب العام والخاص من كلمة الإخلاص أو مناهج الخلاص – نفائس الدرر في شرح المختصر – القول الفصل أو الفرق ما بين الذاتي والعرضي  التهاني – نيل المتاني في شرح التهاني – تفسير تلخيص المفتاح للقزويني.

في المجال القانوني، ألف اليوسي كتاب القانون والكوكب الساطع في التعليق على جامع الجوامع.

وفي مجال التاريخ والسياسية، ألف كتاب المحاضرات وكتاب الفهرسة. كما ألف رسالتي نصح إلى السلطان المولى إسماعيل والعكاكيز.

في المجال الشعري والأدبي، ألف ما يلي: قصيدة مدح خير البرية، ندب الملوك إلى العدل، ديوان، زهر الأكم في الأمثال والحكم.

وباستثناء كتابي “المحاضرات” و”القانون”، فإن معظم ما ألفه اليوسي يعتبر نادر الوجود حتى هذا الوقت لأن الكثير منه يوجد في الخزانات العامة أو الخزانات الخاصة في شكل مخطوطات بعيدا عن تناول واستعمال الجمهور العام. ولذلك يبدو من الضروري إغناء التراث التأليفي الذي خلفه لنا العالم والفقيه والمؤرخ الحسن اليوسي وذلك بتعميق البحث في كل الخزانات العامة والخاصة، مع العمل على تحقيق كل هذه الأعمال الهامة ونشرها ليطلع عليها الباحثون والجمهور العريض نظرا لفائدتها الكبيرة في المعرفة التاريخية والثقافية للمغرب.

ومن الأهمية بمكان كذلك أن تتحرك الجهات المختصة المعنية بحفظ التراث الثقافي والفكري لبلدنا من أجل استقدام مخطوطات الحسن اليوسي المندثرة في كل من المكتبة الوطنية بباريس والمكتبة الوطنية بالجزائر والمكتبة المصرية ودار الكتب بالقاهرة وكذلك مكتبة العطارين بمصر. كل هذا لأن المغرب أحق بإنتاجات أبنائه.

قانون اليوسي وفهرستهيعد كتاب “القانون” من أبرز ما كتبه العالم الحسن اليوسي، وأبرز ما وصلنا من إنتاجه الغزير والمتنوع. وحسب مجموعة من الكتابات التي عاصرت فترة اليوسي، فإن العنوان الكامل لهذا الكتاب هو:” الحق المعروف بالقانون المنسوب إلى الشيخ”. وهو كتاب يعتبر فعلا بمثابة موسوعة مغربية في القرن السابع عشر، وفيه تجاوز الحسن اليوسي مجموعة من المؤلفات والكتابات التي كانت سائدة في هذه الفترة على مستويي الشكل والنمط. إذ تجاوز، على سبيل المثال لا الحصر، الكتابين المعروفين لعبد الرحمن الفاسي وهما “العمل” و”الأقنوم” اللذين كتبا بطريقة الرجز واهتما فقط بالعلوم الدينية، في حين وظف اليوسي تقنية السرد المقرون بالتحليل المستند إلى المنطق.

وما هو مهم وأساسي في هذا الكتاب كما هو الشأن بالنسبة لكتاب ” زهر الأكم في الأمثال والحكم” أنه هناك تنظيم وتقسيم منهجي خضعت له المادة التي يحتويها في إطار فكري ومنطقي. والمؤلف هنا اعتمد على دراساته لعلم المنطق بنفس القدر الذي اعتمد فيه على تجربته في مجال الصوفية والتصوف.

في الجانب المتعلق بالمحتوى، يعتبر كتاب القانون موسوعة وثقت لشؤون العلم والتعليم والدراسة بمغرب القرن السابع عشر. إذ نجد فيه مثلا فصلا خاصا بذكر مختلف فروع العلم، فصلا حول تصنيف علوم العصر، فصلا حول نقد العلوم، فصلا حول الرياضيات، فصلا حول الطب وفصلا خاصا بالتعليم في عهد السلطان المولى إسماعيل والذي نستشف من خلاله نقدا للنظام التعليمي السائد آنذاك ورغبة أكيدة وصادقة في إصلاح منظومة التعليم في ذلك العصر…

إن كتاب “القانون” وباعتباره موسوعة أرخت لجانب مهم من الحياة الفكرية في القرن السابع عشر، يمكن القول أنه يوجد في تكامل مع كتاب أخر لليوسي هو كتاب “المحاضرات”.

“الفهرسة” كتاب آخر للحسن اليوسي، وهو يكتسي أهمية مركزية على أساس أنه يعكس مساره كمثقف وكعالم. وفيه توقف المؤلف عند مجموعة من الوقائع التي ميزت حياته وما واكبها من “حكم وقواعد وملح” على حد تعبيره. من أجل “تخليدها في بطون الأوراق” والتعبير لليوسي دائما.

إن أية قراءة معاصرة لكتاب “الفهرسة” ستتوقف بشكل حتمي عند تعاريف اليوسي للعلوم الدينية. كما أنه سرد فيه سير فقهاء وعلماء الأطلس المتوسط، في حين لم يخصص سوى بضعة أسطر لعميد فاس المشهور وعالمها عبد القادر الفاسي بالرغم من أنه حصل من عنده على إجازة في العلوم الدينية.

وهناك جزء آخر من “الفهرسة” خصصه اليوسي لأساتذته الروحيين ومنهم رمزه المعروف ابن ناصر الدرعي الذي يعتبره ويصفه بكونه بحرا بدون ساحل ويتأسف لأنه لم يخصص له كتابا يذكر فيه مناقبه كشيخ.

في الجانب الخاص بتقييم هذا الكتاب، يعتبر معظم المؤلفين الذين درسوا إنتاج اليوسي كتابا استثنائيا، ومنهم عبد الحي الكتاني الذي يصفه بكونه كتابا غريبا في بابه. وتعتبر نسخ “الفهرسة” نسخا جد نادرة لا وجود لها إلا في الخزانات الخاصة.

محاضرات اليوسياعتبر الباحث الفرنسي جاك بيرك أن كتاب ” المحاضرات” هو بالأساس كتاب عقل وتاريخ. وقد بدأ الحسن اليوسي في عملية تأليفه سنة 1095 هجرية الموافق لسنة 1684 ميلادية وذلك أثناء سفر قاده إلى بلاد مصمودة في فصل الشتاء.

ومن الأهمية بمكان التوقف هنا على العلاقة القوية التي تربط بين اليوسي والسفر. حيث أن الرجل محب وعاشق للسفر حد الهيام، وفيه يكتسب المعارف كما الصداقات الجديدة والمفيدة معا وكأنه يطبق بالضبط ما جاء في البيت الشعري القائل: سافر ففي الأسفار سبع فوائد…الخ.

إن هذا العشق اللامحدود للسفر هو الذي حدا باليوسي إلى أن يكتب كتابه المعنون بالمحاضرات. ذلك أنه جمع وثق فيه الكثير من رحلاته وسرد فيه كل المغامرات التي عاشها أثناء أسفاره المتعددة مقدما مجموعة من الشهادات والتعليقات حول الأمكنة الكثيرة التي وطئتها أقدامه فجعل بذلك من هذا الكتاب ذاكرة للأمكنة المغربية بامتياز، إذ نجده مثلا يتحدث عن جامع الفنا بمراكش كملتقى للرواة ومروضي الثعابين والقرود وكافة بائعي الترفيه الشعبي لجمهور متنوع يضم من بين ما يضمه أمازيغ الأطالس وعرب الحوز ورحل الواحات القريبة والبعيدة معا. بنفس القدر الذي يتحدث فيه عن شاطئ مولاي بوسلهام وكافة أجناس الزوار الذين يقصدونه. ويشير جاك بيرك إلى أن مكان يسافر إليه اليوسي أو يزوره إلا ويترك لديه ذكرى باقية لا يكاد ينساها.

إذا توقفنا عند مختلف الدلالات التي يشير إليها عنوان الكتاب، نجده فعلا مثيرا للغاية. فالمحضار هو طالب العلم وهو مريد الزاوية أيضا في مقابل الشيخ. أما الحضرة فهي تلك الحصة الروحية في المجال الصوفي، وأما المحاضرة فهي تحيل على الجلسة العلمية للعالم أو الفقيه داخل الجامع وسط جمع من المستمعين أو المنصتين الذين ينصتون إلى مضمون دروسه الدينية في الغالب.

يتشكل هذا الكتاب من حوالي خمسة وعشرين جزءا. وكل جزء يبرز بكل قوة جانبا من اليوسي ليس كعالم ديني هذه المرة ولكن كمؤرخ لتاريخ بلده. ويبرز أيضا جانب الفضول المعرفي الذي يتميز به اليوسي إذ أنه يشير في ثنايا كتاب “المحاضرات” إلى الاهتمام الذي يوليه إلى الوقائع والخصوصيات والتاريخ أو على حد تعبيره :”الاعتناء بالأخبار والنوادر والتواريخ”. وهذا اهتمام كان نادرا في ذلك العهد.

لقد فتح اليوسي بالمحاضرات نقاشا مهما حول المنهج ويتعلق بنقده لمصادر نقل الأحداث التاريخية بالرواية أو العنعنة، وهو نقاش توازى مع نقاشه حول المعلومة أو الخبر الموضوعيين. وهذا شيء جعل كتاباته تتمتع بنوع من “القيمة التوثيقية” والتي استخلصها من أوراقه وتقييداته التي لا تكاد تفارقه في أسفاره.

إن كتاب المحاضرات هو في بدايته ونهايته تاريخ بواسطة المقومات الأدبية المغربية. أما القيمة الأساسية لمجمل الشهادات الواردة به فلا تتجلى فقط في المستوى التوثيقي للعمل، ولكن تتجلى بشكل عميق في مستوى جودة النثر الأدبي المستعمل في الكتابة ومدى حضوره القوي. ونظرا لأهميته المركزية، فإن هذا الكتاب يعتمد عليه كثيرا من قبل المؤرخين.

شيوخ ومريدونيعتبر الشيخ ابن ناصر من أهم الشيوخ الذين تتلمذ على يدهم الحسن اليوسي. وقد ورد تفاصيل مهمة حول الحياة الشخصية والعلمية وكذلك مكانته البارزة في مجموعة من المؤلفات والكتب ومن بينها كتاب “إنارة البصائر” لأبي العباس الشرحبيلي الأشتوكي. وكتاب “مناقب الحضيكي” وكتاب “حصيلة التاريخ الديني للمغرب” للباحث الفرنسي دراﮒ Drague.

اسمه الكامل هو محمد بن امحمد ابن ناصر المتوفى سنة 1674م والمعروف شهرة بابن ناصر. ويقر الحسن اليوسي أن ابن ناصر هو شيخه في الداخل وفي الخارج، وقد درس على يديه مجموعة من المؤلفات التي أفادته كثيرا في إطار تكوينه ومنها التسهيل لابن مالك وإحياء علوم الدين للإمام الغزالي وصحيح البخاري والشفاء للعياض والطبقات للشعراني. وبجانب هذا التمدرس الديني، تلقى اليوسي على يد هذا الشيخ ما يسميه الباحث جاك بيرك نفسه تكوينا “باطنيا” سيردده اليوسي على مسامع أصحابه طيلة حياته. ولذلك نجد أنه يقدم بالتفصيل الدقيق ظروف وصوله إلى الزاوية وعلاقاته المختلفة والمتنوعة معا مع الشيخ ابن ناصر مع كل الاستقبال الخاص والاستثنائي الذي خصه به هذا الشيخ الجليل واقتران ذلك كله بالدعاء الصالح كما جرت به العادة في إطار العلاقة التقليدية التي تربط بين الشيخ ومريديه.

يقول اليوسي عن شيخه ابن ناصر معلقا على سعة علمه ومعرفته وقوة كراماته بأنه كان بمثابة “عين الماء التي يرتوي منها الشرق كما الغرب”. وشكل هذا الشيخ، حسب ما ورد في مجموعة من المؤلفات، حلقة وصل أساسية بين كثير من علماء وفقهاء عصره في الكثير من المناطق وذلك راجع إلى الاحترام الكبير الذي يحظى به لدى الجميع.

بالرغم من طول المدة الزمنية التي قضاها الحسن اليوسي بالزاوية الدلائية فإنه لا يمكن البتة مقارنتها في الجانبين الثقافي والعلمي الديني مع المدة التي قضاها بتامكروت. فقد تمكن اليوسي من الاتصال والمحادثة مع فرق كثيرة من المريدين الذين كانوا يأتون بين الحين والآخر من أجل زيارة شيخهم محمد الحاج بن أبي بكر والذي يعتبر أخر أبرز علماء النحو الذين أنجبتهم هذه البلاد بحيث كانت له معرفة كبيرة جدا بعلم وفقه اللغة العربية، وذكر اليوسي ذلك كله ووثقه في كتابه “الفهرسة”.

إن تامكروت لم تكن بالنسبة اليوسي مكانا لبداية تلقي العلوم فحسب، ولكنها شكلت النقطة المركزية لبداية احتكاكه ولقائه مع ثقافة الجنوب التي سيظل وفيا لها طيلة حياته. في هذا المكان التقى اليوسي بابن الشيخ وهو أحمد بن محمد الملقب بالخليفة والذي ازداد بتامكروت سنة 1647م وكان لديه قدر غير يسير من علوم عصره كما أنه قام بثلاث رحلات إلى بلاد المشرق التقى خلالها بعلماء من مصر والحجاز وسوريا والعراق.

في محيط الشيخ ابن ناصر كان هناك جيل بكامله من طلبة العلم بالجنوب. وكان معظم هؤلاء في نفس الوقت طلبة لدى الحسن اليوسي ومنهم أحمد بن محمد أحوزاي والشرحبيلي الذي كتب الكثير عن الشيخ ابن ناصر.