سبق للكاتب الأستاذ سعيد مولاي التاج أن أجرى لفائدة موقع الجماعة نت سلسلة حوارات مع الشاعر والأديب الأستاذ منير ركراكي حوارات أدبية فنية ثقافية، نجدد نشرها لمتعتها ومضمونها.

حوار هو أشبه بالنسمات العليلة في هواجر الصيف، جلنا فيه في رحاب الشعر والأدب والفكر، وطفنا فيه بعوالم الروح في سبحاتها وتأملاتها، تتبعنا البدايات كيف كانت وسألنا عن الشعر ما معناه وما مغزاه وما مبناه، فكان الجواب نثرا وشعرا وتأملا وفكرا، بلغة رائقة شائقة غيورة سامقة، تمتع القارئ والسامع، فجاء الحوار فصلا من فصول الإمتاع والمؤانسة مع الشاعر الداعية الأستاذ منير ركراكي ننشره على حلقات:

كيف يمكن صقل التجربة وتطويرها؟

أخي الكريم الشعر علم لم يكن للعرب علم غيره كما قال عمرو بن علاء، لهذا ينبغي أن نتعلم هذا العلم الذي سأل الخليل بن أحمد الفراهيدي ربه وهو يطوف بالكعبة أن يعلمه خاصا ينفرد به، فخصَّه بعِلم العروض.

ولهذا العلم أصول وثوابت ينبغي التماسها من مظانها عند أهلها، لأنني أعتبر ما ينظم خارج إطار علم العروض شيئا آخر غير الشعر. ثم لابد من أن يكون لطالب هذا العلم شعور مرهف يقويه وينميه، ويقومه ويزكيه بما يتزكَّى به جَنَان الإنسان ومصدر مشاعره وأحاسيسه من تلاوة وذكر ودعاء هو مخ العبادة، ومن عبادة لها مخ هو الدعاء، هذا مع ما يصقل الذوق ويرقق القلب من مواعظ، وفن شفيف شريف عفيف، وجمال حلال نجعل من حواسنا قنوات لتسريبه إلى قلوبنا، وتقريبه منها لتتشربه وتشِّع به. فكل جمال غير محظور هو من مرهفات الحس وملطفات الشعور. ثم بعد العلم وإرهاف الحس وتقوية الشعور وترقيته وتنقيته لابد من حفظ الشعر الجيد، وقراءة روائعه مما يحرجك ويزعجك عند المقارنة، ويحوجك إلى تحسين أدائك وتحبير إبداعك ليستوي على سوق جماله وكماله البشريين.

و”الرابعة العدوية” أن تُثبت الأصول وتُنسج على منوال الفحول، لأن النسخ على المنسوخ قد يؤدي إلى الممسوخ، ولأن محاكاة الفحول خطوة نحو أن تألف نفسك الأصيل الجميل فيصعب عليها أن تميل قناتها للعليل، أو تلين عريكتها للدخيل. والصحبة مفتاح، ومن عاشر قوما صار منهم، والطباع تسترق، وعلى مثلها تقع الطير، والمقتدي أفضل من المجتهد إذا كان المقتَدى به هو الكمال كما قال العقاد رحمه الله.

ثم لا بأس بعد ضبط العلم وصقل الذوق وسعة الاطلاع، وإثبات الأصول نسجا على منوال الفحول، من تجربة شخصية تؤسس بها لمدرسة شعرية ببصماتك الخاصة التي تزايل بها بصمات غيرك الإبداعية، وهل الإبداع إلا خامس خطوة بعد خطوة الاستهلاك والتذوق والنقد والمحاكاة؟

كل هذا مع أن يكون الشعر جزء من رسالتك التي هي الدعوة، وشكرا لله على ما وهب وأعطى، وتجنبا للإساءة إلى ما وهبك الله إياه بالمن والأذى، والغرور والدعوى، وما لا خير فيه من النجوى، حتى لا يكون الشعر بلوى لِسيطرة الهوى لا لِسيادة الوحي ولباس التقوى. ومن اتقى الله أربعين يوما فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، وإن من الشعر لحكمة.

بماذا تنصح الأدباء الشباب؟

أنصح نفسي وإياهم بالقصد في المشي، فمن ليس له إرادة لصقل تجربته بما ذكرناه ـ حسب الاستطاعة والإمكان مع بذل الوسع بلا تعال ولا توان ـ فليدع الشعر فليس له في بريده عنوان. فإنه من تضييع العمر أن يُبلي المرء شبابه في ما لم يُخلَق له، وما لا طاقة له به حتى يريده ويسعى له سعيه. الأمر ليس موكولا للمحاولة والمطاولة، إذ السلحفاة لا تطير، ولو دججتها بالريش، وجعلتها على ظهر النسر، فإنه لم يكتب لها الطيران، ونهاية المحاولة الخذلان. ليس هذا من قبيل التحقير والتحجير ـ نعوذ بالله ـ إنما هي نصيحة من أخ صغير، لو لم يكن لشعره في آذان الناس ووجدانهم صدى، لحَكَم بالإعدام على المحاولة قبل المرافعة والمداولة. ومع ذلك لا أعتبر نفسي شاعرا ولا رضيت يوما على ما نظمت، وإني لأراه مُثخنا بالمثالب والمعايب، وللناس فيما يعشقون مذاهب.

هل التفرغ المهني والدعوي من ضرورات الإبداع؟

نعم إذا كان الشاعر للشعر فقط، فهو من عبيده المحدثين، همه أن يكون شاعرا لا هم له غيره. ومنتهى آماله أن تكثر الحوافز وأن ينال الجوائز وأن يكون المُبرّز الفائز. أما إذا كان للمرء انتماء لمشروع عمران أخوي عودا على عهد بعثة ربعي بن عامر ومن معه من الصحابة الكرام وكان مراده على شاكلة مرادهم: إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فالشعر أداة من أدوات التبليغ ووسيلة من وسائل التعبئة وسلاح من أسلحة المدافعة وحكمة من حكم المداراة والمصانعة، وليس أكبر هَمِّ المرء وغاية علمه، ومنتهى إرادته وسعيه حتى يتفرغ له بكُلِّيته.

والجماعة الإسلامية الجادة لا تؤمن بعضوية متفرغ للشعر.

نعم الشعر وسيلة نوعية لا جدال، وفعل اللسان أنكى من فعل السنان كما يقال. وقد كان كذلك شعر حسان، الذي أنشد القريض على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخص بهذا الدعم المعنوي الاستثنائي: “اهجهم وروح القدس معك”. لكن الإبداع نوع من الإحسان لا كل الإحسان، ومع الإحسان لا بد من عدل يضمَن للإنسان كرامته وحريته، وحقوقه في الحكم والقضاء والقسمة.

نعم لذوي التخصصات المميزة والاستثنائية حظ من التخفف التنظيمي مقارنة مع غيرهم. هذا مساعد على عدم إثقالهم بما يُكبِّل طاقاتهم، أو يستنزفها في المشترك غير العيني. لكن التفرغ من كل شيء إلا من التخصص أو من المجال الإبداعي الخاص هو نوع من الحرية داخل زنزانة الأنا المضخمة. وكثيرا ما صنع هذا النوع من التفرغ جُزُرا معزولة، وأهرامات متعالية على أرض الواقع، وعلى الذات الجماعية المنظَّمة، مما أورَث ويورِث مشاكل، ويُحدث صدامات، ويُنبت سلوكيات ناشزة داخل الصف، إن لم يكن سببا رئيسا في فرض حصار على المبدعين، أو فرض ذات المبدع على الآخرين، في غياب اندماج طبيعي يجعل المبدع عنصرا فعالا في الصف، مساهما في البناء من الداخل، مسخِّرا إبداعه لخدمة إبداع أكبر وأهمَّ وأجدر، هو إبداع حركة موزونة ذات معنى، تحدو حَدْوَ من سار على منهاج النبوة بتربية وتنظيم وزحف قائم لله شاهد بالقسط. وكما يقول سيد قطب الشهيد السعيد ذي الأدب الرفيع، والشعر المطبوع، والذكر المرفوع في رسالة راشدة خالدة بعثها إلى أخته أمينة قطب من وراء القضبان، وبين يدي تنفيذ الحكم عليه بالإعدام، بل بالحياة الأبدية السعيدة، والأدبية الخالدة:” نحن في حاجة ملحَّة إلى المتخصصين في كل فرع من فروع المعارف الإنسانية، أولئك الذين يتخذون من معاملهم ومكاتبهم صوامع وأديرة!.. ويهبون حياتهم للفرع الذي تخصصوا فيه، لا بشعور التضحية فحسب، بل بشعور اللذة كذلك!.. شعور العابد الذي يهب روحه لإلهه وهو فرحان!..

ولكننا مع هذا يجب أن ندرك أن هؤلاء ليسوا هم الذين يوجهون إلى الحياة، أو يختارون للبشرية الطريق.

إن الروَّاد كانوا دائمًا -وسيكونون- هم أصحاب الطاقات الروحية الفائقة، هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة المقدَّسة التي تنصهر في حرارتها كلُّ ذراتِ المعارف، وتنكشف في ضوئها طريق الرحلة، مزودة بكل هذه الجزئيات، قوية بهذا الزاد، وهي تغذي السير نحو الهدف السامي البعيد!..

هؤلاء الروَّاد همُ الذين يدركون ببصيرتهم تلك الوحدة الشاملة، المتعددة المظاهر في: العلم والفن، والعقيدة، والعمل، فلا يحقرون واحدًا منها ولا يرفعونه فوق مستواه!..

هل من الضروري أن يعيش المبدع معاناة لنتحدث عن إبداع؟

نعم، الإبداع ولادة كما سبق أن ذكرت، والولادة مخاض ومعاناة، وإلا كان الإبداع تسلية راقية كما يقول بعض من أثنوا على الشعر ولم يعرفوه. ومن اتخذوا الشعر تسلية أقبروا فيه أجمل ما فيه وهو أن يكون عصارة شعور، وترجمان وجدان، وثمرة حكمة، ومُحَصِّلة تجربة, ليجعلوا منه لقلقة لسان، ولعبة نسيان، وتغريد عصافير، ومسكنات ومخدرات ومنشطات في عقاقير.

لغة الأستاذ منير الشعرية والنثرية لغة رقيقة وراقية أنيقة ما السر وراء ذلك؟

إن سلَّمت لك بهذا الثناء – والرجاء أن تجعله دعاء – فالسر في اللغة هو أن تُحبَّ اللغة فتُفشِي لك ببعض أسرارها.

أخي الكريم، لقد قرأت كثيرا ولكثير من المدارس اللغوية القديمة والحديثة مجسدة في إبداعات نثرية وشعرية. وكان القاسم المشترك، ونقطة اللقاء بين هذه الإبداعات، الاعتراف الطوعي أوالقهري بأن للغة القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف الفضل الأول، والأثر البالغ على المبدعين – حتى من كان منهم على جانب كبير من التنطع والمروق والفسوق – فهم بهذا يشهدون، وعليه يُجمِعون. كما يؤكدون على تأثرهم ببلاغة علي كرم الله وجهه، وخطب السلف الكرام وأقوالهم المأثورة، فضلا عن كلام الفصحاء والبلغاء وسحرة البيان، وشعر الشعراء.

ولم أندم يوما على أني قرأت وقرأت، ونفعني ما قرأت في بداياتي العمرية والفكرية. لكنني أعتقد – كما يعتقد الإنجليز – أن الأسلوب هو الرجل، فينبغي أن تأكل من متعدد، وأن تُخرِج مِن مُتعدِّدِ ما أكلت غذاء كاملا واحدا ومتفردا. لهذا قالوا أفضل الغذاء الحليب لأنه واحد من متعدد، وأفضل الدواء العسل لأنه واحد من متعدد، وأفضل الكساء الحرير لأنه واحد من متعدد. تأكل وتُخرِج غير ما أكلت، بل تُخرِج من مأكولك الغيريِّ المتنوع غذاءك الذاتي الابتكاري المبدع. فإذا كانت لغتك دالة عليك فهذا أصيل وجميل، بشرط أن تكون لغتك أصيلة وجميلة. فإن وَجدْتَ لغتي كذلك  والجمال في عين الناظر لا في ذات المنظور – فالفضل في ذلك لكتاب الله، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لكلام من تكلم فأحسن ممن قرأت لهم، ومِن بينهم مرشدي رحمه الله, الذي تعتبر كتاباته نثرا وشعرا مدرسة أسلوبية نسيجَ وحدها بشهادة جميع من قرأ له بناظِرَيه لا بمنظارين سوداوين مستعارين , ونظر مسعَّر بنيَّات مُبَيَّتة أو ميِّتة. وأرجو أن أكون فكرة من مِنْهاجه، وحسنة من إحسانه، وقطفا من قُطوفِه، وشذرة من شذَراته، وشعاعا من تنويره.. فأنا مدين له بكل ما كتبت. وصدِّقني , كانت توجيهاته، وإيحاءاته وراء جلِّ ما كتبت. وله بصمات واضحة في كثير من قصائدي، حتى أن ديوانا من دواويني الأربعة القابعة في قاعة الانتظار لم يكن إلا عبارة عن أبيات شعرية أملاها عليَّ في مُصطافه الاستجمامي بإفران، وطلب إلي أن أنسج على المنوال . فكانت قصائد قاربت العشرة، وكان الديوان الذي تفضل هو بتسميته ب: “إفرانيات” على شاكلة “إيليغيات” الشيخِ المختار السوسي رحمه الله.

وإني لأحتفظ للمرشد الطبيب، الوالد الحبيب في مكتبتي بأكثر من عشرة دواوين أهداها إليَّ من مكتبته الخاصة إمعانا في التوجيه والترشيد، والتنمية والتقويم. فجزاه الله عني خيرا، وأعظم أجرا، وأقدرني على ردِّ الجميل بالجميل الذي يثلج صدره، ويفرح قلبه، ويجلي سره، ويظهر أمره.

ما من مناسبة عامة ولا خاصة إلا كان لقريحة الأستاذ منير حضور وظهور ومع ذلك لا نجد قصائده مجموعة في ديوان منشور يسهل على المحبين والمعجبين الحصول عليها، هل من ديوان في الطريق؟

الشعر يا أخي الكريم ليس سائمة بلا راع، بل هو إنجاب وتربية بعد إنجاب، حتى ينتقل المولود من رضيع إلى مفطوم يحبو ويترعرع في حجر العناية إلى أن يشِبَّ عن الطوق ليصبح عملا راشدا. ومشكلتي الأساس أنني لا أملك تحديد نسل الشعر ولا تنظيمه، ولا تنميته ولا تقويمه لكثرة ما نظمت، وقلة الفرص السانحة للعودة إليه من أجل تجويده وتحبيره، بين يدي إخراجه ونشره. وقد ألح علي الإخوان أن أجمع بعض القصائد في ديوان. وقد بذلت في سبيل ذلك جهدا أرجو أن يكون مبرورا مشكورا، وأن يُتوَّج بإهدائه إلى من له الفضل عليَّ، وما شكر الله من لم يشكر الناس.