كلمة الافتتاح للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الثالثة عشرة

الدورة الثالثة والأخيرة من الولاية الثالثة

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   وبعد، في هذا اليوم، السبت 16 رجب 1429 الموافق لتاسع عشر يوليوز 2008 نفتتح باسمه تعالى وتقدس الدورة الثالثة عشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان. وتستمر أشغال هذا المجلس إلى ما بعد الظهر من يوم غد إن شاء الله.

   وبهذه الدورة تكتمل الولاية الثالثة من هذا المجلس وندلف إلى الرابعة يحدونا الأمل أن يكون يومنا خيرا من أمسنا، وغدنا خيرا من يومنا، وأن نزداد فهما ورشدا ودراية بمقتضيات العمل السياسي الجهادي، وإرادة لتجاوز الهنات التي لا يسلم منها عمل بشري، واقتحام العقبات التي تعترض الساعي لأي عمل جاد، وتأهيل مؤسساتنا لتكون بإذن الله العزيز العليم قادرة على القيام بالمهام المنوطة بها حالا واستقبالا.

   ولعله من لطائف الإشارات أن يوافق الرقم الترتيبي لهذه الدورة الثالثة عشر وهو أول الأيام البيض من كل شهر، وأن يكون لهذه الدورة أيضا نصيب الأيام البيض من شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم، المعلومة الفضل.

   نسأل الله أن يوفقنا لصالح الأقوال والأفعال، وأن يكون لمجلسكم هذا أطيب النتائج، وأزكى الثمرات، وأن نزداد جميعا إيمانا ويقينا وثباتا حتى نلقى الله عز وجل وهو عنا راض آمين.

   وقبل أن أنتقل للحديث عن موضوع غير سياسي لمؤسسة سياسية، أود أن أتوجه باسمكم جميعا بالتحية إلى المجاهدين الأبطال الذين يدافعون عن الدين والأعراض والأوطان، ويجاهدون في سبيل الله والمستضعفين، وفي طليعتهم أبناء فلسطين وبناتها الذين لا يزالون يضربون أروع الأمثلة في مقاومة الإجرام الصهيوني ومكائده ومخططاته. فحياهم الله وثبتهم، والخزي والعار على من يمنع عنهم العون والنصرة والدعم، ويخشى غضب الصهاينة ولا يخشى سخط الله وعقابه.

   ونحيي المقاومة الباسلة في العراق التي أربكت المحتلين وأذنابهم، وأفشلت مشاريعهم وخططهم، وأوقعتهم في ورطة تقول بلسان الحال فهل إلى خروج من سبيل. نسأل الله أن يجمع شمل المجاهدين وأن يوحد صفهم، وأن يقيم العثرات والدسائس التي تروم تشويه صورة الجهاد والمقاومة المباركة.

   ونحيي كذلك المقاومة في لبنان التي أثبتت أن التوكل على الله، والإيمان بالقضية والثبات على الموقف يؤتي كل ذلك أكله ولو بعد حين.

   ونوجه التحية للمناضلين في كل البلاد، الإسلامية وغير الإسلامية، الذين يتصدون لصلف المستكبرين، وجرائم المعتدين. فالعدوان مرفوض، والظلم مدان من أي كان، ومتى كان، وأينما كان، لا يسوغه إلا النزوع إلى التسلط والطغيان.

   ولابد من الإشادة بالمجهودات التي تقوم بها هيئات سياسية وحقوقية وفكرية ومنظمات المجتمع المدني لمناصرة قضايا حقوق الإنسان، ودعم التعايش السلمي بين الشعوب، والحوار بين الحضارات بدل الصراع، وما تبذله من مساع للحد أو التخفيف من غلواء التوحش العولمي.

   ونود بهذه المناسبة كذلك أن نحمد الله ونشكره على ما أنعم به من مدد وثبات على أبناء وبنات العدل والإحسان الذين ظلوا أوفياء لسمتهم الأصيل، ومواقف الجماعة الناصعة. فرغم المضايقات المتواصلة والمحاكمات الظالمة التي لم تنته، والتي لم يسلم منها حتى الشيوخ والعجائز والقاصرون، ورغم التعرض المستمر للتعسف المخزني، والحرمان من أبسط الحقوق المشروعة في التعبير والتجمع والحركة والتنظيم، ورغم استمرار عدد من معتقلينا وراء القضبان ظلما، وعلى رأسهم المعتقلون الإثنا عشر، والحملات الإعلامية المسعورة ضد الجماعة والتي شارك فيها، للأسف الشديد، حتى بعض المناضلين بالأمس، رغم كل ذلك وغير ذلك مما لا يتسع لذكره المقام، فإن أبناء العدل والإحسان وبنات العدل والإحسان، لم يستجيبوا للاستفزاز، ولم يتنكروا لمبادئهم الرافضة للعنف، الداعية إلى الرفق والشفقة على المسلمين، محتسبين ما أصابهم لله رب العالمين. نسأل الله لإخواننا وأخواتنا جميعا جزيل الثواب والثبات وحسن الخاتمة.

إخواني الأعزاء، أخواتي العزيزات:   تنعقد هذه الدورة تحت شعار الآية الكريمة: “وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون”. ولعل هذه الآية تجمع في كلمات معدودة عظات بليغة جديرة بالاعتبار، لاسيما والأوضاع في بلدنا تزداد سوءا يوما بعد يوم، يعرف ذلك عامة الناس من خلال المعاناة اليومية، وتؤكده التقارير الدولية وما يرشح من أخبار وفضائح لا تنتهي، وما أصبح معلوما لدى الجميع من ممارسات عفنة توشك أن تحيل هذا البلد الكريم إلى خراب حقيقي. نتدبر هذه الآية بإجمال تاركين التفسير لأهله والتفصيل لمن أراد. نسأل الله أن يرزقنا حسن الفهم والقدرة على التنفيذ والإخلاص فيه.

   فقوله تعالى: “وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا” وعد من الله عز وجل، وهو نظير قوله تعالى: “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”، ونظير قوله عز وجل: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض” الآية. ففي هذه الآيات، وأمثالها كثير، قطع الله عز وجل على نفسه وعدا بأن تكون للمؤمنين الإمامة والعزة والريادة والنصر والتمكين. وهذه، ولاشك، منزلة عظيمة يكرم بها الله عز وجل المجتبَين من عباده. وليس المراد هنا الرياسة، كما يفهمها أهل الدنيا ويتنافسون فيها ويتقاتلون من أجلها، إنما المراد أن يكون للصادقين شرف حمل لواء الهداية، وأن يكونوا سبب خير وصلاح وإصلاح ورحمة للناس كافة. ولعظم هذه المنزلة وجلالة قدرها رغب فيها الصالحون وتشوفوا إليها وكان من دعائهم كما حكى القرآن على لسانهم “واجعلنا للمتقين إماما”.

   وأما قوله تعالى: “لمّا صبروا” أي حين صبروا، وفي قراءة لِما صبروا أي لأجل صبرهم، فهي توضح من جهة الشروط المطلوبة لنوال الوعد الشريف، وتجلي من جهة أخرى طبيعة الطريق وطبيعة العمل المراد، دفعا لبعض الأفهام الساذجة، واحترازا من بعض التصورات الخاطئة التي قد تتسلل إلى أذهان بعض العاملين للإسلام.

   إن العمل لإحقاق الحق وإبطال الباطل المتمثل في السلطة السياسية الظالمة، وما أنتجته من مآس تتجلى في الفقر الذي يعد ضحاياه بالملايين، ويستقطب في كل يوم المزيد، وفي انتشار شبكات الإجرام والمخدرات والدعارة، وفشو الأمراض والأسقام حتى لا يكاد يسلم من ذلك بيت، واستمرار ارتفاع نسبة الأمية إلى خمسين في المائة (50%) بعد ستة عقود مما يسمى  يا حسرة – بعهد الاستقلال الذي طالما وصفته زورا الدعاية الرسمية بعهد النماء والبناء، وتفاحش شدة الغلاء مع قلة ذات اليد، وإفلاس التعليم، والكساد الاقتصادي، والفساد الإداري، وتواصل نهب المال العام وتهريبه خارج الوطن، واستمرار التراجع والتردي في أكثر من مجال وعلى أكثر من صعيد، وغير ذلك مما لا يتسع المجال لذكره ولا حتى اليسير منه… إن العمل من أجل تغيير هذا الواقع البئيس يحتاج، فضلا على الإرادة السياسية الحازمة والبيئة الملائمة والتماسك الاجتماعي، إلى عمل موصول وجهود مضنية، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالصبر.

   وإن استنهاض الجماهير إلى مستوى المشاركة الفعالة، والخروج من الهامشية التي اضطرتهم إليها قرون العض والجبر، وإذكاء روح المقاومة والإباء في النفوس، ومعالجة مختلف السلبيات المتفشية في المجتمع، الجديد منها والموروث، مثل الانتظارية والخمول والفردية وإيثار السلامة وإن كانت على حساب الكرامة الآدمية والتعلق بالأماني والأقوال دون الأفعال والشعور بالدونية والهزيمة النفسية والإحباط واليأس من الإصلاح والتغيير والخنوع الذليل لحكام الجور والجهل بحقيقة الإسلام، وأنه يعلم الأمة الاستعانة بالله والتوكل عليه ورفض الذل والتسلط والطغيان وكل عبودية لغير الله… إن القيام بذلك وتقويم ما تعرضت له القلوب والنفوس والعقول من أعطاب يحتاج، بعد توفيق من له الحول والطول جل وعلا، إلى عمل دؤوب وجهود لا تني وتهمم دائم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتحلي بالصبر.

   وإن كشف حكم الطاغوت على حقيقته، وتبيان بشاعاته، وإظهاره للناس كما هو بوجهه الكالح، ونتنه الفاضح، لا كما يقدمه الصنائع المزورون، وإبراز ما جناه على الأمة من ويلات لم تنقطع إلى يوم الناس هذا، وما يمارسه من عسف وظلم وهضم للحقوق، واحتقار وإذلال، واحتكار للثروات، وتبديد لأرزاق العباد، وتمكين للصوص الجشع الدولي من نهب خيراتنا، والتحكم في قرارنا، حتى أصبحنا عالة نتسول على موائد قوى الاستكبار، والخير في أرضنا مذخور، وفي أهلنا موفور،كالعيس في البيداء يقتلها الظما *** والماء فوق ظهورها محمول   وفقدنا الثقة في قدراتنا وإمكاناتنا، وتحولنا، أو نكاد، إلى حطام بلا أمل ولا طموح… إن القيام بهذا يحتاج إلى نفس طويل، ومخض العقول سنين، وَرَوْمِ كل سبب مشروع، حتى تنجلي الصورة تماما، ويستقذر الناس الاستبداد ولوازمه، ورموزه وأزلامه، ويحصل التلهف على نوال التخلص منه قولا وفعلا… وهذا كله لا يتأتى إلا بالتزود بزاد الصبر والأناة.

من هنا نعلم، إخواني الكرام، أخواتي الكريمات، أن مطلوب الصبر جاء كفاء لطبيعة الابتلاء، ومنسجما مع شرف الوعد ومضمونه. ولو لم تكن مطالب التغيير مصحوبة بالمصاعب والمتاعب والمشاق لما كان هناك حاجة للتحلي بالصبر.

لكن هذا الصبر ليس في مقدور كل أحد، ولا يقوى عليه جميع الناس ما لم يتوفر معه شرط آخر وهو اليقين، “وكانوا بآياتنا يوقنون”. إن امتلاء القلوب باليقين، اليقين بآيات الله وكلماته ووعده ووعيده، هو الذي يهون كل صعب، ويسهل العسير، ويلطف من مرارة الابتلاء وشدة الجفاء، ويثمر القوة والإقدام وعدم الانكسار أمام الخصوم والأعداء.

   إن الذي يوقن بما قال الله، وقد قال: “وإن جندنا هم الغالبون”، وقال: “إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد”، وقال عز من قائل: “أليس الله بكاف عبده”، وغير ذلك مما يدل على أنه الله الواحد الأحد لا يخيب من دعاه ولاذ بجنابه، وعلى أنه نِعم الكافي ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير… إن الذي يوقن بهذا لاشك يمضي لا يتردد، ويتقدم لا يتراجع، ويسعى جهده ولا يبخل لإحقاق الحق وإبطال الباطل وعلى رأسه ظلم الحكام وفساد المفسدين.

   وإن الذي يوقن بأنه لا يفلح الظالمون، وبأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وبأنه خاذل المستكبرين، وقاصم الجبارين، وبأنه كما أهلك المجرمين السابقين كذلك يفعل بأمثالهم اللاحقين، وبأنه بالغ أمره، ومنجز وعده… إن الذي يوقن بهذا لا مناص يستخف بالباطل وإن أرغى وأزبد، وسجن واعتقل، وحاكم وحاصر، وضيق ومنع، وطغى وتجبر، وزعم أنه قادر على فعل ما يريد. فالفعال لما يريد هو الله، ولا يملك أحد غيره النفع أو الضر لنفسه فأحرى لسواه.

   إن التحلي بهذا اليقين يجعل المؤمن في إقبال مستمر، ووجل دائم من الإدبار، يتعوذ مثلما كان يتعوذ الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات: (اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو أن نفتن)، لا يلتمس لنفسه الأعذار، دفعا لمشاق التكليف، أو اتقاء لما يصاحب العمل الجهادي من أعباء. إن هذا اليقين هو أمضى سلاح، وأقوى العدة للتحرر من نوازع النفوس وحيلها، وما يغري بالإخلاد إلى الأرض، وخذلان القضية، والانسياق مع تيار الفتنة الجارف.

   والخلاصة، إخواني أخواتي، وهي أن كلمتي السر في هذه المرحلة هما الصبر واليقين، الصبر بمعناه الصحيح، كما أشرنا وبيّنا، وليس السكوت والخنوع، والرضوخ للأمر الواقع، والانتظار البليد، كما يتصور ذلك بعض العوام، واليقين بأنه رغم كل ما يقع من محن وآلام، ومآس وأحزان، فإن زمان القهر إلى أفول، والحكم الجبري إلى زوال، وإن العاقبة للمتقين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أيها الإخوان، أيتها الأخوات:   في السنة الماضية صدرت عن مجلسكم هذا وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” للتنبيه على خطورة الأوضاع التي يعيشها البلد. وقد ألححنا على أن التغيير بات ضرورة لا تحتمل المزيد من التأجيل، وأن الائتلاف حوله والتعبئة من أجله سيكون محمود الآثار على هذا البلد وأهله، وكذا على دول الجوار شمالا وجنوبا، وشرقا وحتى غربا. ودعونا العقلاء ومن يعنيهم مصير هذا الوطن لاقتراح ما هم مقترحون إن كان لديهم بديل للخروج من ضيق الاستبداد والتسلط إلى عدل يستظل به الجميع، وحرية وكرامة يهفو إليها الكل، ومشاركة في الأمر العام دون إقصاء أو استئثار يتحدث عنها عامة المهتمين.

   وفي السنة التي قبلها دعونا إلى الانتظام في حلف إخاء لنفس الأسباب ولنفس الأهداف، ولم نذخر وسعا في تبيان بأن الأمر أثقل من أن ينهض به طرف، وأجل من أن يستهين به عاقل، وآكد من أن يتخلف عنه امرؤ يعرف جيدا مآلات المآسي المتراكمة.

   وفي السنوات التي قبلها دعونا إلى الحوار لنفس الأهداف، وانطلاقا من اقتناعنا الراسخ بأن هذا هو الطريق الأسلم لتدبير الاختلافات وتضييق دائرتها، والتأسيس لمرحلة جديدة يعود خيرها على عموم المغاربة بأقل الخسائر الممكنة. وقد ألححنا في الدعاء إلى ما نعتبره خيارا لا يمكن أن يتردد فيه عاقل. وتكرر منا ذلك في لقاءات تواصلية، وحوارات صحفية، وندوات وغيرها من المناسبات.

   ومع ذلك، فإن التجاوب مع كل هذه المحاولات كان ضعيفا، ولم يتجاوز في أحسن الحالات الاستحسان. اقترحنا فلم يكترث لاقتراحاتنا إلا أفراد، ودعونا إلى تقديم بدائل عنها، فلم يتخذ أحد أي خطوة أو مبادرة في هذا السبيل. فما العمل تجاه هذا الصدود والإعراض؟

   نقول، راجين أن نكون قد أدينا الذي علينا، ما قال العبد الصالح: “فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد”.

   أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

الرباط، ظهر الجمعة 14 رجب 1429/18 يوليوز 2008.

عبد الواحد المتوكل

الأمين العام للدائرة السياسية

جماعة العدل والإحسان