إثبات أنك إنسان: 4   +   8   =  

يتحدث عنه الليث بن سعد فيقول: “كان عمر بن عبد العزيز أعظم أمويٍّ ترفُّهاً وتملُّكاً” غذي بالملك ونشأ فيه، لا يُعرف إلا وهو تعصف ريحهُ، فتوجد رائحته في المكان الذي يمر فيه، ويمشي مِشية تُسمى العُمريَّةَ، فكان الجواري يتعلمنَها من حُسنها وتبختره فيها، وكان يُسبل إزاره حتى ربما دخلت نًعلُه فيها فيتحاملُ عليه، فيشقه ولا يخلعُها، ويَسقط أحدُ شِقَّيْ ردائه عن مَنكبه فلا يرفعهُ، وتنقطعُ نعله فلا يعرِّج عليها، وربما لحقه بها المملوك فيُعتِقه، ويضع الطيب بخاتمه فتتسخ الطِّينة من العَنبر”… وكان لسليمان بن عبد الملك ابنٌ يقال له أيوب بن سليمان، عُقدت له خلافة ولاية العهد من بعده، وتُوفي أيوبُ قبل سليمان، ولم يبقَ لسليمان إلا ولدٌ صغير، فلما حضرته الوفاة أراد أن يستخلفَ، فحضره عمر بنُ عبد العزيز ورجاء بنُ حَيَوة، فقال لرجاء: اعرضْ عليَّ ولدي في القُمص والأردية، فعرضهم عليه، فإذا هم صغارٌ لا يحتملون ما لبسوا من القُمص والأردية يسحبونها سحبا، ثم قال: يا رجاء، اعرض عليَّ بنيَّ في السيوف، فقلَّدوهم السيوف، ثم عرضهم عليه فإذا هم صغار لا يحملونها يجرُّونها جرا. فلما لم يرَ في ولده ما يُريد حدَّث نفسه بولاية عمر بن عبد العزيز لما كان يعرف من حاله، فشاورَ رجاءً فيمن يَعْقِدُ فأشار إليه رجاءٌ بعمرَ، وسدَّد له رأيَه. فوافق ذلك سليمان وقال: لأعقدن عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب”.

وأول ما بدأ به عمرُ حكمه عزلُه لبعض الولاة الجائرين، ورفضُه لمظاهر الأبَّهة والفخفخة التي جرى عليها الملوك الأمويون عند عضهم على الملك، وردُّ كل ما عُرض عليه في ذلك الوقت من مواكب وسرادقات جديدة إلى بيت المال، وتغيرت سيرته في تلك الساعة، فكأنه لا يتصل بآبائه بصلةٍ، ولا يعرف غير عمرَ أسوة له. ردَّ الجواري إلى أهلهنَّ وبلادهن، ورد المظالم، ورد المجالس التي أشبهت مجالس الأباطرة، وتمسكت بسنن كسرى وقيصر إلى بساطتها الأولى ووضعها الإسلامي، فنهى عن القيام له، وابتدأ بالسلام، وأباح دخول المسلمين عليه بغير إذن، وخرج من ماله وعَقاره، وردَّه إلى مال المسلمين، ووضع حُلِيَّ زوجته في بيت المال، وبلغ من الزهد والشظَف في الحياة والتقشف في المعيشة مبلغا بعجزُ عنه الزهاد فضلاً عن الملوك والأمراء.

وكان حريصا على أن يوفر على المسلمين أموالهم، ويعتقدُ أن الدرهمَ دمٌ فلا يجوز أن يجري في غير عروقهم، ولا يرى أن يضع في الكماليات والشكليات، كتب إلى أبي بكر بن محمد بم عمرو بن حزم، -وكان والي المدينة-: “أما بعد، فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر فيه أنه كان يَقطع لمن كان قبلك من أمراء المدينة من الشمع كذا وكذا يستضيئون به في مخرجهم، فابتليت بجوابك فيه، ولعمري لقد عَهِدْتُكَ يا ابن أمِّ حزم وأنت تخرج من بيتك في الليلة الشاتية المظلمة من غير مصباح، ولعمري أنت يومئذ خيرٌ منك اليوم، ولقد كان في فتائل أهلك ما يُغنيك، والسلام”.

وكتب إليه أيضا وقد طلب من الخليفة قراطيس يكتب عليها في مصالح ولايته: “أما بعد، فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكُر أنه قد كان يُجري على من كان قبلك من أمراء المدينة من القراطيس لحوائج المسلمين كذا وكذا، فابتليتُ بجوابك فيه. فإذا جاءك كتابي هذا فأَرقَّ القلم، واجْمعِ الخطَّ، واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل قول أ ضرَّ ببيت مالهم، والسلام عليكم”.

وحرم على العمال وموظفي الدولة أن يتَّجروا، فكتب: “ونرى ألا يتَّجر إمامٌ، ولا يحلَّ لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتَّجر يستأثرْ، ويُصِبْ أموراً فيها عَنت، وإن حَرَص على ألا يفعل”.

أعلن بالجوائز والمكافأة المالية لمن يُخبره بحقيقة الحال، أو يشيرُ عليه بشيء فيه مصلحة المسلمين ومصلحةٌ لدولتهم، وكتب إلى أهل المواسم:

“أما بعد، فأيُّما رجل قدم إلينا في ردِّ مظلمة أو أمرٍ يُصلح الله به خاصا أو عامّاً من أمر الدين، فله ما بين مئة دينار إلى ثلاثمئة، بقدر ما يرى من الحسبة وبُعد سفر، لعل الله يُحيي به حقا، أو يُميت باطلاً، أو يفتح به من ورائه خيراً”.

قال البلاذَرِيُّ في “فتوح البلدان”: “وكتب عمرُ بن عبد العزيز إلى ملوك الهند يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يُمَلِّكَهُم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وقد كانت بَلَغَتْهُم سِيرته ومذهبه، فأسلموا وتسمَّوا بأسماء العرب”.

وقد كتب إلى أحد كبار علماء الحديث وأوعية العلم في عصره، أبي بكر بن محمد بن حزم: “انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإنّي خفت دُروس العلم وذهابَ العلماء”.

قال يحيى بن سعيد: “بعثني عمرُ بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتُها، وطلبتُ فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرا، ولم نجد من يأخذها مني، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناسَ، فاشتريت بها رقابا فأعتقتُهم، وولاؤُهم للمسلمين”.

وقال رجل من ولد زيد بن الخطاب: “إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفاً، فذلك ثلاثون شهراً، فما مات حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرحُ بماله يتذكر من يضعه فيهم فما يجده، فيرجعُ بماله. قد أغنى عمرُ بن عبد العزيز الناسَ”.

وكان شديد الخوف لله، سريعَ الدمعة، غزيرَها، دخل عليه رجلٌ وبينَ يديه كانونٌ فيه نارٌ، فقال: عِظْني.

قال: يا أميرَ المؤمنين، ما ينفعُك من دخل الجنة إذا دخلت أنت النار؟ وما يضرُّك من دخل النار إذا دخلتَ أنت الجنة؟ قال: فبكى عمرُ حتى أطفأ الكانون الذي بين يديه”.

وكل تلك الأعمال التي قام بها عمر بن عبد العزيز، وهو على رأس الحكم، تعود إلى هذا اليقين التام بأن الدنيا مهما تعاظمت لذاتها وشهواتها إلى زوال وفناء، وأن الآخرة خير وأبقى، وأن المآل وقوف بين يدي الله تعالى والمصير إما جنة ونعيم أو نار وجحيم.إنه اليقين الذي تسلل إلى قلب عمر بن عبد العزيز من خلال صحبة ذلك الرجل، رجاء بن حيوة، فكانت النتيجة قلب نفس خلاصا فرديا، وقلب دولة خلاصا جماعيا.