مرت عشرة أعوام على ميلاد الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان كجهاز يعنى بالشأن العام ويتولى الشأن السياسي داخل الجماعة، ففي 9 يوليوز1998 كان التأسيس ليأتي الإعلان الرسمي عن هذا الميلاد في شهر دجنبر من سنة 2000. فكيف كانت الجماعة تتصدى للشأن العام قبل ميلاد الدائرة السياسية؟ وما هي الظروف التي واكبت وزامنت ظهور الدائرة السياسية؟ وما هي التجارب التي راكمتها؟ وما هي أهم مستويات اشتغالها؟

   جماعة العدل والإحسان جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة. وهي جماعة تأليف وجمع وتعبئة وبناء وإصلاح وتغيير. جماعة جهاد الكلمة وجهاد النفس. جماعة ترنو وتحاول لفت الناس إلى حقيقة الأمراض التي تشكو منها الأمة في دنياهم. وترفع هممهم إلى طلب أعلى مراتب الفضل والعطاء والكرم والاصطفاء وهي النظر إلى وجه الله جل وعلا.

   ما انفكت جماعة العدل والإحسان تهتم بالشأن العام وبكل ما يهم الناس في حياتهم اليومية. في مؤسساتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية. اهتمام يلخصه شعار ” العدل والإحسان ” يراعي ويوازن بين ضرورات العمل الدعوي. ويأخذ بعين الاعتبار متطلبات كل مرحلة. من حيث رسوخ وثبوت القدم في الجانب التربوي للأعضاء. ومن حيث اتساع الصف نوعا وعددا. ومن حيث استكمال الهياكل والمؤسسات التنظيمية، وتراكم التجارب في مختلف جوانب الشأن العام بما يسمح بولوجه واستحداث جهاز خاص به.

   كان الاشتغال بالشأن العام من خلال مناشط ولجان كاللجنة السياسية التي كانت تضم أعضاء لهم اهتمام بالشأن العام أو يرجى تدريبهم وتأهيلهم لهذا الغرض. كان اشتغالهم ينصب على قراءة مستجدات الداخل المغربي. وقراءة في التجارب السياسية لبعض الأحزاب الوطنية. وتكوين رصيد يمكنهم من تشكيل وبناء رأي وتصور خاص ينبع من الواقع المغربي. من تاريخه وحضارته وتراثه ومن نضاله وعطائه. يستهدي بالتوجه العام للجماعة. ليطرح بديلا يستجيب لتطلعات الشعب المغربي ويعانق انتظارات الأمة العربية والإسلامية.

   كان الشروع في عمل الدائرة السياسية في مرحلة عرفت فيها الجماعة توسعا مهما سواء من حيث النوع، حيث أضحت تضم عددا مهما من الأطر،أو من حيث العدد والامتداد الجغرافي لأعضائها حيث من الله عليها بتأليف عدد معتبر من الأعضاء بكل تراب الوطن، في المدن والبوادي. هذا فضلا عن بداية تسجيل وجود مهم وواعد في مختلف أقطار أوربا وأمريكا وكندا. والذي سيظهر حجمه وأثره في الحملة التضامنية الواسعة التي نظمها أعضاء الجماعة من المغاربة والأجانب فضلا عن المتعاطفين احتجاجا على التضييق الذي طال الجماعة داخل المغرب إثر الهجمة المخزنية منذ 24 ماي 2006.

   بعد عام بالتحديد من شروع عمل الدائرة السياسية، سيعرف المغرب انتقالا في سدة الحكم حيث توفي الحسن الثاني ليخلفه ابنه محمد السادس. انتقال للحكم أُريدَ له وخُطط ليكون سلسا بدون متاعب ولا مفاجئات. فأطلق على المرحلة الانتقالية شعار “العهد الجديد” كناية على رغبة الحكم الجديد في طي صفحة الماضي وفتح صفحة عهد جديد يعد بالحرية والكرامة واحترام حقوق الإنسان وبالديمقراطية. ويمني الشعب المغربي بغد قريب أفضل في ظل حكم ملك شاب.. سينعم فيه الصغير قبل الكبير والضعيف قبل القوي والفقير قبل الغني.. بالعيش الكر يم، وسيستفيد بعائدات ثروات أرضه وبحره في الشمال والجنوب والشرق!

   فالأمر بالنسبة لجماعة العدل والإحسان لا يتعلق بالشخص الذي يحكم. إنما هو مرتبط بنظام جثم على صدور المغاربة منذ ما يزيد عن ثلاثمائة سنة. وقد بدا للوهلة الأولى أنه لن يستطيع التخلص من ثقل كل تلك القرون، ولا حتى من مخلفات الماضي القريب. فالمخزن هو المخزن برجاله وعقليته وأسلوبه في الحكم. منطق واحد وأوحد لا يتغير ولا يمكن أن يسمح بوجود مساحة أو حتى هامش صغير للرأي المخالف. منطق ينظم تلك العلاقة الفريدة العتيدة بين الحاكم والرعية. وهي الطاعة المطلقة مقابل العطف الجاف وإشارات وتلويح الأيادي الكريمة للحشود التي تحج وتستقدم وتحشد على جنبات الطرق والشوارع لتتملى بطلعة الحاكم البهية!

   لقد برهن المخزن على استمرار العهد القديم ولا أقول البائد، لأنه لم ينتهي بل عرف ولادة جديدة وضخت فيه دماء أخرى. برهن إذن على ذلك في تعامله مع جماعة العدل والإحسان بالخصوص من خلال إجهازه على ممتلكاتها بدون مسوغ قانوني. حيث داهم بعض المطابع وسرق عناصر “الأمن” محتوياته من الأجهزة والكتب والمطبوعات. وهدم وأحرق المخيمات الصيفية. ومنع جريدتان للجماعة من الصدور، وهما جريدة “رسالة الفتوة” وصحيفة “العدل والإحسان” في عددها الافتتاحي. ليتوج ذلك بالتدخل العنيف في حق الأعضاء واعتقالهم اثر الوقفات التي نظمتها الجماعة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان في 10 دجنبر 2000. لتستمر بذلك مظاهر العهد القديم، ويُضرب عرض الحائط وبدون تأخر أو تردد كل الشعارات التي يروجها المخزن وتُسَبح بها بعض الأطراف السياسية التي انغمست في دعم وتأييد النظام الحاكم ضدا على المصلحة العليا للبلاد.

   منذ المراحل الأولى لحكم محمد السادس وضحت الجماعة من خلال بياناتها الصادرة عن الأمانة العامة أو عن مجلس الإرشاد بأن الأوضاع بالمغرب لم تبرح مكانها. بل زادت تعقيدا وغلوا. إذ أضحى المخزن يجد له أعوانا من الأحزاب التي كانت بالأمس القريب تحسب على المعارضة.. في تسلطه على الشعب.

   نظرة ثاقبة، وموقف ناضج ومستوعب كانت تعبر عنه الأمانة العامة للدائرة السياسية من خلال بياناتها وتصريحات أعضائها من الإخوة والأخوات وهم يستقرئون الراهن السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالمغرب. ويحللون مظاهره وتجلياته. ويطرحون رأيهم في التغيير والإصلاح.

   ولكم اعتبر بعض الأطراف موقف الجماعة من النظام تجنيا فيه نوع من المبالغة ينم عن نظرة تشاؤمية سوداوية.. لكن لم يتأخر الزمن طويلا ليدرك الجميع بأن تلك النظرة وذلك التقييم ينطلق من الواقع المعاش. وبأن كل ألوان العالم لن تجدي في تلميع وتزيين اللوحة القاتمة التي يقدمها سلوك المخزن بالمغرب والذي أوصل البلاد إلى الحظيظ في كثير من المجالات الحيوية.

   بين يدي تقارير وأرقام ومعطيات وطنية مستقلة ورسمية، وأخرى دولية. تعرض لواقع المغرب في الجانب الحقوقي والاجتماعي وفي التعليم وغيرها من المجالات.. لا أخال أحدا من المتابعين يجهلها. كلها تبين بأن المغرب على شفا جرف هار إن لم يتداركه الله بلطف منه وتنهض الإرادات الحرة بهذا البلد العزيز لتدركه قبل السقوط.

   تقارير حول الحريات العامة وحقوق الإنسان تبين بأن المغرب مازال يعرف حالات من القمع والتسلط على حريات الأفراد والجماعات..

   تقارير تُجْلي الوضع الاجتماعي للشعب المغربي وتبين تراجع مؤشر التنمية والخدمات الاجتماعية والصحية..

   تقارير تصنف المغرب في ذيل الدول النامية في مجال التعليم والتحصيل المعرفي..

فمن المسؤول عن هذه الأوضاع؟ من يملك السلطة ويملك المبادرة ويملك العزم؟ من يستطيع، إن قذف الله ذلك في روعه، أن يقلب واقع المغرب من المرض إلى العافية؟ ومن الجهل والأمية إلى العلم والمعرفة؟ ومن الفقر والعوز والحاجة إلى العفاف والكفاف؟

   ومن بين أهم الأحداث التي واكبت بداية عمل الدائرة السياسية، تنظيم الجماعة لمخيمات صيفية ببعض الشواطئ المغربية، خاصة شاطئ بونعايم بالدار البيضاء ومخيم السعادة بالناظور ومخيم تطوان ومجموعة أخرى من المخيمات. شكلت هذه الخطوة إرباكا للنظام في حياة الملك الراحل الحسن الثاني. لكنها بالمقابل قدمت نموذجا رائعا وتجربة فريدة لاقت كل الترحيب والتقدير والإقبال من الشعب المغربي الذي كان ولا يزال يبحث عن العفة وعن ظروف الاستجمام والترفيه التي تحفظ دينه.

   في صيف 1999 عرفت المخيمات التي كانت تنظمها الجماعة إقبالا كبيرا من عامة الشعب. وكانت هذه التجربة تبشر بأن المواسم اللاحقة ستشكل انقلابا جذريا في تصور ومفهوم الاستجمام والترفيه لدى الشعب. الأمر الذي أذهل وأرعب المخزن. وأفقد وعي مستثمري نموذج الانحلال والفسق والعري على شواطئنا. فكان القرار الظالم بمنع الجماعة صيف 2000 من تنظيم تلك المخيمات وهدمها وإحراق بعضها كما كان الشأن بالنسبة لمخيم السعادة بالناظور في 30 أبريل 2000. كان ذلك إعلانا من المخزن بأعلى صوت بأنه لن يقبل ولن يسمح بالمطلق للجماعة بان تغير “نمط الحياة” التي اختارها للمغاربة. وهو نفس النمط الذي دافع عنه حداثيونا باستماتة.وتحل محله حياة العفة والحشمة.

   حدث ذلك ولما يُكْمِل محمد السادس عامه الأول في سدة الحكم. اختارت الجماعة إذن أن تختلط بعامة الناس على الشواطئ بعدما كانت تنظم مخيمات خاصة بها وبمن اختاروا الإقامة في المصطافات التي تديرها.فكان النزول الأمني المكثف والمبالغ من طرف المخزن يحاول منع أعضاء الجماعة من الوصول إلى مختلف الشواطئ. ومنذ ذلك العهد بتنا نرى مظاهر عسكرة الشواطئ. وضخت أموال طائلة لهذا الغرض.. فضلا عن مظاهر الانحلال ومهرجانات العبث التي تفننت في إبداعها وزارة الكحص.

   تابعت الدائرة السياسية أحداث الشواطئ باهتمام. وأفردت لها بيانات من مختلف فروعها المنتشرة في المغرب.ناهيك عن الإصدارات المرئية لكثير من مظاهر التسلط المخزني على أعضاء الجماعة وهم إما في الشواطئ أو في طريقهم إليها.

   كما أفردت بعض فروع الدائرة السياسية كفرع الناظور يوما لتخليد ذكرى هدم وإحراق مخيم السعادة ببوقانا. كان فرصة للتواصل مع الشعب ومع بعض الفاعلين السياسيين والإعلاميين والحقوقيين.

   وقد توالت تصريحات أعضاء الأمانة العامة في شأن ما عرف بـ”حرب الشواطئ” التي شنها المخزن على الجماعة، تبين حيرة النظام وتخبطه وحماقة المتنفذين فيه، كل ذلك في هدوء واطمئنان ويقين حسبه البعض ناتج عن صفقة مدبرة بين الجماعة والنظام.

   10 دجنبر2000 ستكون مرحلة أخرى انخرطت فيها الدائرة السياسية. وهي مرحلة المحاكمات المارطونية التي عرفتها مختلف محاكم المغرب على خلفية الاعتقالات التي طالت أعضاء الجماعة الذين شاركوا في وقفات 10 دجنبر 2000 بثماني مدن كبرى بالمغرب بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان واحتجاجا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتردي حالة الحريات العامة بالبلاد، واستمرار البطش والتسلط على الشعب المغربي.

   حضور دائم ووازن للدائرة السياسية في كل قضايا الشعب. حضور في الجامعات، حضور في النقابات المهنية المختلفة. حضور في العمل الإبداعي والفني والثقافي والجمعوي والخيري الإحساني..

   حضور جعل الناس يستحسنون ما تقوم به الجماعة ويثمنونه. حضور أخرج بعض الحاقدين والخصوم عن طورهم ورأوا أن يد العون والبر التي يقدمها أعضاء الجماعة في إطار بعض المبادرات الجمعوية، إنما هي وسيلة ومطية لاستمالة واستقطاب الناس. واستغلال حاجة وعوز الشعب. قوم لا يعرفون التجرد وطلب وجه الله في خدمة الناس. فيحسبون وهم يتحدثون من وراء مكاتبهم الفاخرة أن الناس مثلهم.

   ثم جاءت الحملة المخزنية التي قادها وزير الداخلية. ونفذها الولاة والعمال بمختلف أقاليم المغرب منذ 24 ماي 2006 لتشكل مرحة أخرى برزت فيها الدائرة السياسية بحضورها الإعلامي المسموع والمرئي والمكتوب. وأبدعت في التصدي لكل أشكال التضليل والتعمية على الرأي العام المحلي والوطني والدولي. وتمكنت من تلقين درس بالغ للنظام. حيث فضحت بياناتها وتصريحات مجموعة من أعضاء الأمانة العامة، وبيانات الفروع والقطاعات المختلفة.. فضحت ظلم المخزن وخرقه السافر لكل المواثيق والعهود الوطنية والدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. لم يجد القضاء المغربي أمامها سوى الحكم على صنيع المخزن بأنه شطط في استعمال السلطة وعمل لا يستند إلى أساس قانوني.

   الحملة المخزنية لـ24 ماي 2006 جاءت على خلفية الأيام المفتوحة التي أبدعت الدائرة السياسية في تنظيمها عبر كل التراب الوطني للتواصل مع أكبر عدد من المواطنين. تعريفا بالجماعة وبأجهزتها. وبمشروعها وأهدافها وأسلوب عملها.. لاقت استحسانا وإقبالا منقطع النظير. فما كان من المخزن سوى أن جن جنونه مرة أخرى في ردات فعل غير محسوبة انقلبت عليه بالخيبة والخسران.

   سلسلة أخرى من المحاكمات ستنطلق إذن منذ 24 ماي على خلفية مداهمات بيوت أعضاء الجماعة واعتقال من فيها. والتي ستبدع خلالها الهيئة الحقوقية التابعة للأمانة العامة. وتجند أعضاءها من الإخوة المحامين وعشرات آخرين لمؤازرة المتابعين في ملفات ملفقة وفاقدة لأي أساس قانوني كان عنوانها العريض “عقد تجمعات بدون سابق تصريح والانتماء إلى جمعية غير مرخص لها” لتأتي الأحكام القضائية في أزيد من 40 ملفا تبرئ المتابعين وتقرر وتؤكد قانونية “الجمعية الخيرية” التي شعارها “العدل والإحسان”.

   أبدعت الدائرة السياسية كذلك في شأن هذه المتابعات والمحاكمات في أشكال الحضور والتواجد لمؤازرة الأعضاء المتابعين. وفي أشكال التواصل مع الهيئات الحقوقية والسياسية والنقابية والجمعوية.. من خلال ملفات وإصدارات سمعية وبصرية تعرض لمسلسل خروقات المخزن وحيثيات المتابعات القضائية الظالمة.

   فكانت محطات بارزة ومناسبات عبرت خلالها على حضورها الواعي والمسؤول في جو من النظام والانضباط. غرست بذلك نبتة أخرى تنثر عبق الرفق والتؤدة. وترسم أوراقها لوحات بديعة في الصبر والحلم والأناة. وتعطي ثمارا نادرة في الإحسان وسلامة القلب شهدت عليه تلك الصور التي عرضها موقع الجماعة لأعضاء من مدينة زايو يسقون ويروون عطش عناصر الشرطة والأمن الذين اعتقلوا إخوانهم واقتادوهم من منازلهم إلى مركز الدرك الملكي بالناظور صيف 2006.

   سجلت الدائرة السياسية حضورا دائما في هموم الشعب المغربي من خلال فروعها. حضور إعلامي ببياناتها وتقاريرها وإصداراتها حول واقع التهميش الذي يطال مجموعة من المناطق بالمغرب. وحضور في مجموعة من المحطات والوقفات التي نظمت بالتنسيق مع هيئات سياسية ونقابية وجمعوية وحقوقية احتجاجا على انتهاك الحريات العامة وخرق حقوق الإنسان هنا وهنا. أو تلك التي نظمت للتنديد بتفويت الملك العام للخواص. أو لمناهضة موجة الغلاء الفاحش لأسعار المواد الأساسية والتضييق على أرزاق الناس.

   حضور إلى جانب كل صوت حر من السياسيين والحقوقيين والإعلامين والمثقفين والفنانين والمبدعين. حضور مع المرأة ومع الطفل. حضور مع العامل ومع التلميذ.. حضور كان له أكثر من معنى ومن دلالة. وكان في كل مرة يرعب المخزن لأنه يخشى من انخراط الجماعة في أي تحرك شعبي. لكن حضور الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في هذه المحطات لم يكن يستهدف التحريض الذي قد يسبب أي انفلات أمني.بل كان حضورها واعيا ومدركا للوضع الهش بالمغرب وبالتالي فهي تنأى بنفسها عن أي فعل قد يسبب الفتنة. ويعلم المخزن تمام العلم بأن وجود الجماعة في أي تحرك شعبي، قد يسبب له إحراجا، لكنه بالتأكيد يعلم أنه بمثابة صمام الأمان.

مستويات الاشتغال   الدائرة السياسية جاءت لتضلع بمهام تخص الشأن العام في غير منازعة ولا مزاحمة للدعوة فيما تهتم به. بل أداة في يد التنظيم يسخرها للتصدي بنحو من التخصص في تدبير الشأن السياسي وباقي المجالات ذات الصلة. وقد أثلت طيلة هذا لعقد ممارسات وتجارب، وحققت مكاسب معتبرة، إن على مستوى تأهيل الأعضاء وبناء المؤسسات واستكمال واستواء الهياكل التابعة لها. أو على مستوى التواصل مع باقي مكونات المشهد السياسي بالمغرب أو بالعلم العربي والإسلامي.

وهكذا برزت طاقات شابة في شتى الميادين برهنت على قدرة عالية في تسيير وتدبير المؤسسات التي عهد بها إليها. لقيت كل التشجيع والتقدير. حيث انخرط أعضاؤها في مجموعة من الأوراش والمكاتب. وبحثوا في كثير من الملفات والقضايا الكبرى التي تهم المغرب. فكان الاشتغال على إعداد دراسات في الاقتصاد والفلاحة والتربية والتعليم وفي الصحة والجوانب الاجتماعية..فضلا عن تجربتها الفريدة في قراءة وفهم وتحليل الوضع السياسي بالبلاد في أفق تقديم وطرح بديل واعد للنظرة التغييرية الإصلاحية بالمغرب.

الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان باشرت عملها على ثلاث مستوايات كبرى هي:

   أولا: مستوى البناء الداخلي لأعضاء الجماعة. فقد اهتمت بالتوعية السياسية والقوية والقانونية للتنظيم. ونظمت لقاءات وندوات ومؤتمرات داخلية.كان الغاية منها، أولا تحقيق التواصل بين مختلف مؤسسات الجماعة، ثم توفير فرص للتكوين والتدريب على التصدي للشأن العام وولوجه في كل مجالاته بما يلزم من دربة وكفاءة وجودة. ويشترك في هذه المحطات التدريبية النساء والرجال على حد سواء في إدراك تام لأهمية الانخراط الكلي لجسم الجماعة في عملية الإعداد والتأهيل.

   وكان آخر هذه المحطات تلك التي أشرفت عليها الأمانة العامة والتي كان محورها الأساسي “التدريب القيادي” وفن إدارة المؤسسات وتسيير الاجتماعات وإعداد البرامج والتخطيط وتدبير الطاقة البشرية منها والمادية. محطات توخى منها المشرفون ترسيخ وإشاعة معاني الحكامة والتشارك في الصف فضلا عن استكمال مكتسباته وكفاءاته.

   ثانيا: مستوى التواصل والتنسيق مع مكونات المجتمع المدني والسياسي بالمغرب، على ما في هذا التواصل من صعوبات وما تمثله دائما من تحديات. ذلك أن النظام المغربي من جهة كان ولا يزال يحول بكل ما أوتي من جهد دون تحقيق الجماعة لذلك التواصل والانفتاح في ظروفه العادية والطبيعية، والتي تهدف من وراءه الاتصال بكل الفرقاء من أجل النظر والبحث في مشاكل المغرب بغية الوصول إلى تصور مشترك لمسالك الخروج من أزماته.

   ومن جهة أخرى يقف الرفض المبدئي لبعض الأطراف حاجزا أمام هذا التواصل لِتَضِن وتبخل بذلك على نفسها وعلى الشعب بفرص التغيير.

   وجهت الدائرة السياسية في هذا الصدد مجموعة من النداءات تدعو الفاعلين إلى حوار كان حاضر المغرب واستشراف مستقبله النقطة الأساسية في جدول أعماله.

   رد الأحزاب وبعض الفعاليات كان دون المستوى المطلوب ودون تطلعات الشعب المغربي في نخبة وطليعة من المفترض أن تتحلى بأدنى شروط الأدب والحوار وحسن الاستماع والتعاون..

   القطاع النسائي التابع للدائرة السياسية بدوره وجه نداء إلى الفاعلات بالمغرب لنفس الهدف.كانت الاستجابة كذلك دون المستوى.

   أقول هذا مع الإشارة إلى أن ثمة من استجاب لهذه النداءات المتتالية وحضر تلك اللقاءات بشكل شخصي أو كفعاليات.

   يظن البعض بأن الجماعة بتوجيهها هذه النداءات فإنها تستجدي وتطلب الشفقة، وتحاول بذلك فك العزلة التي يفرضها عليها المخزن. يظنون ذلك أو يوهمون الناس بذلك لأنهم يرون فيما تطلبه الجماعة في مشروعها التغييري زوالهم. فتراهم يمعنون في استمرار الحصار المضروب على الجماعة فيتعالون على كل نداء.فالجماعة بالقطع لا تستجدي أحدا. بل ترى أن من واجبها مد اليد لكل من يريد ويبغي مصلحة هذا الشعب. ولا يضيرها بالمطلق أن تظل يدها معلقة لا تجد من يتلقاها بالاستجابة والترحيب. حسبها في ذلك أنها امتثلت أمر الله عز وجل حين قال في كتابه “وتعاونوا على البر والتقوى”.

   كان آخر نداء وجهته الدائرة السياسية في ختام أشغال الدورة الثانية عشرة لمجلسها القطري تحت عنوان “جميعا من أجل الخلاص” وهو دعوة أخرى لمن يهمه الأمر للانجماع والائتلاف والتعاون لإنقاذ المغرب.

   النداء مثل رغبة أكيدة وإصرارا واضحا على أن الجماعة لا ترى مخرجا ولا منفذا نحو التغيير إلا في تعاون وتآزر الجميع بدون إقصاء أو تأجيل.. وهو النداء الذي تجاهله المعنيون رغم ما يحمله من صدق وحرقة وغيرة على المغرب وعلى أبناء المغرب قلما تعبر عنه جهة أو يصرح به تنظيم.

   وقد أضحت الجماعة بذلك، وبما تمثله من وعي وإدراك وما تتحلى به من مسؤولية ونضج، أضحت تمثل عامل استقرار في البلاد في مرحلة تعصف فيها رياح العنف في كل مكان. وخاصة عنف المخزن.. وإفني شاهدة!

   انخرطت الدائرة السياسية على مركزيا، وفي الفروع في مجموعة من التنسيقيات والجمعيات والهيئات ذات الاهتمامات المختلفة. وكان حضورها في نضالات تلك الهيئات يمثل عنصر نجاحها واستمرارها.

   ومن نتائج عملية التواصل مع هيئات المتجمع المدني. تلك النجاحات التي عرفها أعضاء الجماعة في الجموع العامة التي تعقد لانتخاب المكاتب الإدارية للجمعيات والفيدراليات والنقابات المهنية المختلفة في كثير من مدن المغرب. حيث كانت اللوائح تعكس دائما وبقوة حضور الجماعة. الأمر الذي جعل المخزن يعترض عليها بدون وجه حق ويمتنع عن تسلم ملفات تلك الجمعيات ويحرم بالتالي تلك الهيئات من كفاءة وأمانة أعضاء الجماعة، وتجردهم في خدمة الصالح العام.

   ثالثا: مستوى الحضور الدائم أيضا والمشهود للدائرة السياسية في القضايا الكبرى للأمة العربية والإسلامية. حضور ترك أكثر من أثرفقد شاركت الأمانة العامة في كثير من المنتديات والملتقيات والندوات والمؤتمرات غير الحكومية، العربية والإسلامية، داخل المغرب وخارجه. حملت من خلال أعضاءها انشغالات الجماعة بواقع الأمة. وشاركت في مختلف البرامج والمبادرات التي تستهدف النهوض بحال الأمة والذود عن أمنها وسلامة واستقلال أقطارها وكرامة وحرية شعوبها. ولم تدخر جهدا في الدفاع عن كل ما يضمن بقاء الأمة ويحفظ عزتها.

   كما كان للدائرة السياسية مشاركات وازنة في التحركات الشعبية التي نظمت في المغرب تضامنا مع الشعوب العربية والإسلامية بفلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان.. ولعل أقوى المشاركات تلك التي نظمتها الجماعة في 28 نونبر 2004. برهنت فيها على قوة الحضور من حيث العدد. ومن حيث تنظيم وتأطير المتظاهرين.. بل حتى تنظيف الشوارع التي مرت منها التظاهرة كان حاضرا في شكل غير مسبوق. حيث كان أطر الجماعة من المهندسين والأطباء والأساتذة ينحنون لالتقاط بقايا ما خلفه المتظاهرون تحت أقدامهم ويضعونها في أكياس معدة لذلك.