“أََفُورَارْ حْدَانَا والضوْ ما جَانَا”، عبارة متداولة على ألسنة ساكنة بني ملال ومناطقها منذ السبعينيات من القرن الماضي، و”أفـورار” مركز لتوليد الطاقة الكهربائية التي لا تستفيد منها دواوير المنطقة، في وقت كان يقال: إن هذه الطاقة تضيء مدنا جزائرية. عبارة تختزل الواقع المغربي في مجالات شتى، حيث لا يستفيد الشعب من مقدراته ومؤهلاته المادية والفكرية، بل لا يكاد يسمع عنها خبرا، يستوي في ذلك ثروات البلد وخيراته ورجاله ومفكروه، ومن هؤلاء الرجال الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسـان الذي “نجح” النظام المخزني في ضرب حصار شديد عليه منذ سنة 1974م، فلا يكاد المغاربة يعرفونه إلا من خلال ما تسمح به الرقابة المخزنية في شكل معلومات ملغومة أو شائعات وأراجيف تشوه مشروع الرجل ومؤهلاته الفكرية والعلمية.

   استمر هذا الوضع المتجاهل للرجل فكرا ومشروعا عقودا، لتتولى قناة “الحوار” الفضائية تكسير جدار الحصار المخزني من خلال استضافة الأستاذ عبد السلام ياسين في برنامج “مراجعات” ذي الأربع حلقات، سلطت الأضواء على مسار حياة الرجل الشخصية والمهنية والعلمية والدعوية، ليكتشف المغاربة بعد ردح من الزمن أن بلدهم مازال ينجب الرجال الأفذاذ الذين ندبوا حياتهم للصدع بكلمة الحق مهما كان الثمن قياما بواجب النصيحة التي هي ديننا “الدين النصيحة”، وتهمما بأحوال الأمة، وفي الحديث: “من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”.

   خلال حلقات البرنامج الأربع استعرض الأستاذ عبد السلام ياسين تجربته في الحياة ومعاناته مع المخزن خلال عهدين سياسيين اسما “قديم وجديد” مركزا على أبرز المحطات انسجاما مع طبيعة أهداف البرنامج.

   يرصد هذا المقال أهم الخلاصات نسوقها تعميما للفائدة، ومنها:

   1. لعل أهم ما يستوقف متتبع البرنامج هو التلقائية والبساطة التي يتحدث بها الأستاذ عبد السلام ياسين، تلقائية غير مألوفة، حيث لا تصنع ولا تكلف، فيما يصطلح عليه بالسهل الممتنع.

   2. بِشْـرٌ وبشاشةٌ تَنِـمان عن طمأنينة قلب وهدوء نفس وأمل في المستقبل وثقة في نصر الله تعالى، وإلا كيف تُفسرُ مسيرة دعوية بدأت برجل ورجلين فإذا بها اليوم تشغل أجهزة الاستخبارات المغربية والأجنبية عددا ووتيرة انتشار وسمتا وسلوكا؟

   3. كرم ونبل خلق، فهو إن ذَكَـرَ من أسدى إليه معروفا تَـرضى أو تـرحم عليه، وإن ذكر من خالفه الرأي، بل ومن أساء إليه دعا له بالتوبة حيا وبالرحمة ميتا.

   4. نسب شريف استكثره البعض عليه وراح يطعن فيه، والقاعدة في هذا الباب أن ادعاء النسب الشريف تكليف لصاحبه قبل أن يكون تشريفـا؛ تكليف يُـلزِمُ صاحبه أن يراقب الله تعالى في سلوكه ومواقفه ويرى حظه من سيرة من يدعي النسب إليه.

   5. علو همة شحذت منه النفس لطلب المعالي بطريقة عصامية فغرف من المعارف والعلوم، وترقى السلالم المهنية في زمن قياسي، فمن معلم غدا خبيرا تربويا يمثل المغرب في محافل دولية ومفكرا يؤسس لانبعاث إسلامي جديد.

   6. طلب وجه الله تعالى والزهد في متاع الدنيا في وقت كان الرجل من علية القوم الذين عبدت لهم طرق المجد والنبوغ، وفي هذا زجر لمن يفتري على الرجل الكذب، ويفسر صدعه بالحق من خلال رسالته التاريخية “الإسلام أو الطوفان” للراحل الحسن الثاني رحمه الله أنه يبحث عن زعامة سياسية.

   7. معين فكر متجدد لا ولما ينضبْ، دشنه وهو مفتش تعليم فاعتبر الموسيقى مادة تهذب النفس، وتربي الذوق في ستينات القرن الماضي، فكان كما يقال يسبق زمانه، وأرسى قواعد هذا الفكر وهو يُنَظرُ لانبعاث الأمة الإسلامية لتعانق قدر الله تعالى ونصره لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال مكتبة حبلى بالمؤلفات وفي ميادين شتى، حبذا الاطلاعُ عليها وقوفا على مكانة الرجل العلمية.

   8. ثبات ورباطة جأش رغم كل أشكال الكيد والتنكيل، فمن مستشفى الأمراض الصدرية إلى الأمراض العقلية إلى غياهب السجن إلى التشهير والنيل من السمعة إلى التكفير إلى الحصار والتعتيم، لم يغير الرجل ولم يبدل، بل إن السنين زادته يقينا وثقة في ما ندب إليه نفسه: “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”.

   9. نضج المشروع الدعوي وتكامله، الذي يقوم أساسا على قراءة دقيقة لتاريخ المسلمين، ويجمع بين غايتين فردية وجماعية، بهما يفلح المسلم فردا ليكون عبدا لله تعالى حقا، وينجح المسلمون جماعة ليتحرروا من ربقة الذيلية والتبعية لغيرهم. والمخزن بحصاره لمشروع الرجل إنما يفوت على الشعب فرصة لتغيير واقع موبوء سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا ليقين المخزن في صواب المشروع، يفسر ذلك سمت أعضاء الجماعة وجماهيرتها وقوة وسقف خطابها السياسي الذي يستقطب فئات عريضة من الشعب، من تجلياته ارتفاع نسبة مقاطعة انتخابات 07 شتنبر2007 لتقارب: 80%.

   10. حنكة المخزن الاستبدادية المتجلية من خلال “تدبيره” لملف الجماعة في تواطؤ مفضوح مع مكونات المجتمع السياسية حزبية أو حقوقية مع بعض الاستثناءات ذات الطابع الشخصي، في وقت تعتبر المواقف السياسية التي تؤاخذ بها جماعة العدل والإحسان ومرشدها من مبادئ تنظيمات حزبية، ومن أجلها ناضلت وقضى مناضلوها سنين ذات العدد في غياهب السجون المخزنية الكئيبة. تواطؤ يتجلى في السكوت عما تتعرض له الجماعة من تضييق، وما يمارسه المخزن من خروقات حقوقية ضاقت بها تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، مثلما يتجلى في تسخير أقلام مأجورة للنيل من الجماعة ومشروعها.

   حنكة مخزنية فريدة تستحق أن تخصص لها سلسلة من المراجعات، تستضيف “فلاسفة” المخزن الذين “سيتحفون” ولا شك الشعب بما سنوه من “سنن” وما أبدعوا في ميادين كثيرة، فمن قمع الانتفاضات الشعبية، إلى المقابر الجماعية، إلى الحدائق الشيطانية، إلى التلاعب بمقدرات البلد وتفقير الشعب ومصادرة أحلام الشباب، إلى تزوير الانتخابات، إلى المحاكمات الصورية تكميما للأفواه والأصوات الحرة، وتطول قائمة “المنجزات”، وأعْجَبُ من ذلك نجاح المخزن في تحصين قواعده ” بأكاديميين” مخزنيين ينافحون عنه ويبررون أفاعيله.

   وختاما، لابد من التنويه بالسبق الإعلامي لقناة “الحوار” التي كسرت حاجز الصمت الإعلامي الرسمي ليكتشف المواطن المغربي خصوصا والعربي عموما فداحة ما تقترفه الأنظمة الاستبدادية العربية في حق شعوبها لما تحرمهم من حقهم في الإعلام والاطلاع على ما تزخز به بلدانهم من كفاءات ذات خبرات ومؤهلات رفيعة كان يمكن أن ترقى بالأحوال العامة للبلاد لو صدقت نيات الحكام، وسعوا حقا لخدمة الصالح العام. والتنويه موصولٌ مستحَقٌ لمدير القناة ومنشط برنامج “مراجعات” الدكتور عزام سلطان التميمي الذي يبدع في إدارة الحوار شكلا بحسن الأدب وقلة مقاطعته لمحاوَريه وبدقة توجيه الحوار، ومضمونا بعمق اطلاعه على مسيرة ضيوفه.