لعل مما دفعني لأكتب في هذا الموضوع هو كوني أمازيغي ريفي أعتز بإسلامي أيما اعتزاز. فبدونه لا معنى لحياتي. فكم كانت دهشتي كبيرة عندما سمعت زمرة من المنتسبين إلى أهل الريف وهم يهرولون لبني صهيون لإحياء ما أسموه “بالذاكرة المشتركة” مع قتلة الأنبياء. وأي ذاكرة تجمعنا معشر الأمازيغ مع قوم أحبوا إسالة الدم ولو كان دم رضيع أو شيخ ضرير أو عجوز مقعدة.

تقديميعتبر الموضوع الأمازيغي من الموضوعات المطروحة اليوم على الشعب المغربي بكل مكوناته من أجل إيجاد أجوبة واضحة عن مجمل الأبعاد التي يثيرها، فمند مطلع التسعينات ظهرت عدة مساهمات ومواقف وكتابات كلها تقبل بالمكون الأمازيغي، إلا أنه تعددت أسباب القبول والاعتراف، فهناك من الأحزاب من سارع إلى كتابة حروف “تفناغ” على اللافتات في المهرجانات الحزبية في الانتخابات، واعتبر الأمازيغ بذلك كما انتخابيا هائلا. وهناك من رأى بأن الاعتراف بالأمازيغية قضاء حتمي على المد الأصولي الذي أصبح مصدر إزعاج للحكام والفئة المغربة. وكنتيجة لهذا الفهم تم الترخيص لعدد هائل من الجمعيات الأمازيغية. كما دعا الملك الراحل الحسن الثاني في خطاب صيف 1995 إلى ضرورة تدريس “اللهجات” الأمازيغية. وكتتويج لكل هذا تم تأسيس ما سمي “بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية” صيف 2001. في مقابل كل هذا، تم التضييق على الإسلاميين ونشاطاتهم مند مطلع التسعينات، فكانت النتيجة السجون والمعتقلات، عدم الترخيص للجمعيات، منع الصحف والتظاهر والمخيمات… كما سارع فصيل من فصائل الإسلاميين إلى تبني المسألة الأمازيغية واعتبارها قضية وطنية لا يمكن لأحد أن يدعي “تمزغه”.(1)

ثم كانت مساهمة الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا المجال من خلال كتابه “حوار مع صديق أمازيغي” والذي هو في الأصل عبارة عن رسائل متبادلة بينه وبين الأستاذ محمد شفيق أحد المدافعين عن الأمازيغية. إلا أن المقصود هو عموم الأمة أمازيغ وغيرهم كما يقول الأستاذ ياسين في بداية رده على الرسالة الأولى: “إني أرجو أن يقرأ هذه الرسالة الحوارية غيرك من الإخوان الأمازيغ وغيرهم من المسلمين، فيكون بذلك حوارنا خصبا له مغزى يتجاوز مقاييس شخصين قال أحدهما للآخر فأجاب وانطوت الصفحة وخسرت المحاورة”.(2)

أما أهداف الأستاذ ياسين ودوافعه من الخوض في هذه المسألة فيلخصها الأستاذ عمر أمكاسو، القيادي في جماعة العدل والإحسان وأحد الوجوه الأمازيغية، في ندوة “الأمازيغية الآن” التي نظمتها الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي في الرباط يومي 12 و13 دجنبر 1997 إذ يقول: “فالرجل في هذا الكتاب لا يتكلم باعتباره رجل سياسة يبحث عن المواقف السياسية وعن المواقف الانتخابية ويتصيد الأنصار كما نسمع عن السياسيين، ولا يتكلم باعتباره رجل ثقافة يغوص في المعضلات الثقافية وفي إطار نخبوي ضيق وفي برج عاجي، ولا يتعامل مع القضية باعتباره رجلا أكاديميا يستعمل الآليات الموضوعية للبحث والتنقيب عن الجديد وغيره… ولا يطرحها باعتباره إنسانا جمعويا يبحث عن أنشطة ثقافية وإنما باعتباره رجل دعوة له أولويات، له أرضية ينطلق منها وهي الإسلام، وهي أرضية ليست لها أدنى مشكلة مع المسألة الثقافية، بل تعايشت مع شعوب غير عربية وأثمرت هذه الشعوب وساهمت في الحضارة الإسلامية”.(3)

وبعبارة أخرى، فإن المنهاج النبوي ومهمة الإنسان في الأرض واقتحام العقبات الكبرى (وليس الدفاع عن عصبية ضيقة) ثم مصير الإنسان بعد الموت كان حاضرا كذلك في الموضوع الأمازيغي كما هو الشأن في باقي كتابات الأستاذ. إذن ما هي نظرته إلى التعدد اللغوي والثقافي؟ وكيف يرى القبيلة والانتماء القبلي في علاقتهما بالموضوع الأمازيغي؟ وما هي ملاحظاته على التيار الذي يتصدر المسألة الأمازيغية نضالا وكتابة وإعلاما؟ ثم لماذا يتباهى التيار المتصدر بالرموز الأمازيغية الجاهلية ويعرض عن الأمازيغ الصالحين الذين صنعوا أمجاد أمة الإسلام؟.

التعدد اللغوي والثقافيتبين لي عند اطلاعي على العديد من القراءات والردود على الكتاب من خلال بعض الإصدارات وكذلك عبر صفحات جريدة “اكراو أمازيغ” من طرف محسوبين على “الحركة الأمازيغية” أن هؤلاء يحاولون قدر جهدهم أن يبينوا أن الأستاذ ياسين يدعو إلى الوحدة اللغوية والثقافية وبذلك يلتقي مع مطالب القوميين العرب، وكذلك يدعو إلى تعريب العالم الإسلامي. لكن أي شخص يفهم ولو الشيء اليسير عن تصور الأستاذ ياسين سيخلص إلى أنه لا يمكن أن يدعو إلى التوحد وهو الذي ينشد الخلافة الثانية العالمية. هذه الخلافة التي لا يمكن أن تسود فيها لغة واحدة وثقافة واحدة. ونحن نعلم كذلك كم من بلاد إسلامية ليست العربية لغتها الأم بل تأتي في المرتبة الثانية أو الثالثة (إيران مثلا). لكن قبل هذه الأسباب وبعدها فإن تعدد الألسن والأقوام آية من آيات الله سبحانه وتعالى في خلقه. قال الله تعالى في محكم كتابة ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين﴾ الروم آية 21.

إذن الأستاذ ياسين لا يدعو إلى الوحدة اللغوية والثقافية، كما يريد البعض أن يقول، وإنما يدعو إلى التوحيد، والفرق شاسع بين المصطلحين أي توحيد المرجعية (المرجعية الإسلامية) وأن يكون المنطلق من أرضية إسلامية مادام أبناء المغرب كلهم يدينون دين الإسلام، أو بمعنى آخر، فالأستاذ ينفي ويرفض تعدد المرجعيات، ولا ينفي ولا يرفض تعدد اللغات والثقافات. يقول الأستاذ ياسين: “لا يضر تعدد اللغات واللهجات أمة إن كان ما يوحدها في اعتقاد الناس وفكرهم مشروع حياتهم أسمى وأشرف وأعز من الهوية الخاصة”.(4)

وإذا استحضرنا المليار ونصف مليون واستحضرنا مواقعهم من خلال خريطة العالم لوجدنا أن دعوى تعريب العالم الإسلامي دعوى واهية ومصطنعة وهي من قبيل التمويه في الكلام من طرف البعض ليصنفوا كتابات الإسلاميين جنبا إلى جنب مع كتابات القوميين. ثم هل يحتاج أي بلد إسلامي عجمي إلى تعريبه حتى يحسن إسلامه. الجواب بالنفي طبعا، فالتاريخ يشهد على أن هؤلاء الأعاجم لم يفعلوا ما فعله العرب بدينهم. يقول الأستاذ ياسين: “لو استعرضنا ما كتبه وسجله وجهر به من الكفريات أمازيغ المغرب وأعاربه لوجدنا الملحد العربي أقوى شكيمة وأكثر عددا”.(5)

لكن رغم كل هذا فالواجب عند كل المذاهب الإسلامية أن يتعلم المرء من اللغة العربية ما يتقن به صلاته مهما تعجم لسانه (أما الصلاة بغير العربية فقول شاد) ولا يطلب منه أن تكون العربية لغة حديثه اليومي ولا أن يخوض في جزيئات الفقه والعلوم والبيان، إلا إذا كانت همته عالية فالإسلام لا يمنع أحدا، ونحن نعلم كم من أعجمي برع في هذه العلوم العربية.

وهل اللغة العربية هي المكلفة بنشر دعوة الإسلام؟ أبدا، فالأمر موكول إلى الله عز وجل، وكلف به رجال مومنون ونساء مومنات، والإسلام يحمل أدوات ومضامين الانتشار في ذاته مما يجعله مقبولا لدى كل الأقوام. وكم تنقلب اللغة العربية في بعض الأحيان إلى وسيلة هدم للدين وليس وسيلة تبليغ، خاصة عندما يكون ناطقو العربية من الذين يحملون ثقافة جاهلية مستوردة فتصبح معها “اللغة العربية الماجنة”(6)؟؟؟؟؟؟ ويقول الأستاذ أيضا في هذا الصدد:”من الثقافة الأصيلة في المغرب العريق الآباء والأجداد لا تقل ميوعة من لغة الفجور والفسوق العربية في إذاعتنا وتلفزيوننا”(7).

لاحظ كيف تنقلب العربية وغيرها لغة الفجور والفسوق عندما يتغرب ناطقوها عن دينهم.

وفي المقابل يمكن لأي لغة من اللغات أن لا تحمل أوصاف عربية الإذاعات والتلفزة، إذا كان أصحاب هذه اللغة- مهما كانوا- متشبثين بدينهم. “ما في الأمازيغية ما يعاب مادام الناطقون بها متمسكون بكلمة التوحيد”(8). وخلاصة القول أن أي لغة مهما كانت تصبح معابة -في نظر الأستاذ ياسين- حينما تفرغ من حمولتها الدينية أو ما يسمى ب “العربفونية” و”الامازيغوفونية”. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “وهاهي بين أيدينا لغة عربية عصرية لائكية في صحف الإعلام والجرائد والمجلات المصورة والإذاعات والتلفزيونات (…) ما بينها وبين لغة القرآن المبينة من قرابة إلا صلة اللفظ والحلاف”(9).

الأمازيغية والانتماء القبليأبقى الأسوة القدوة محمد صلى الله عليه وسلم على البناء القبلي كما كان أيام الجاهلية بعد أن تم توجيه هذا البناء لتقوية الدعوة المحمدية الجديدة، فكانت تفد إليه صلى الله عليه وسلم وفود وقبائل معلنة إسلامها فيؤمر على كل قبيلة شيخها التقليدي الوافد مع قومه بعدما يأمر الكل بتقوى الله والأخوة في الله. وبعدما تقوت الدعوة الإسلامية وتم فتح مكة استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم كتائب المجاهدين كل قبيلة تحت رايته الخاصة.

وكتاب “حوار مع صديق أمازيغي” لا يخلو من هذه المعاني إذ يقول صاحبه: “قدوتنا وإمامنا ومعلمنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم احتفظ بالوشائج القبلية السليمة، وسخرها لتمتين روابط الإسلام”(10).

والإسلام، كما هو معلوم، لا ينكر على أحد انتسابه إلى قبيلة أو تكلم لغة قومه بل جعل ذلك آية من آيات الله في الكون، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع الرعيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم من الانتماء إلى قبائلهم وأقوامهم في الوقت الذي منعت فيه العصبية القبلية والعزاء بعزاء الجاهلية، وبقيت ألقاب بعض الصحابة  والتي تدل على مسقط رأس كل واحد منهم- ملتصقة بأسمائهم فيقال مثلا سلمان الفارسي لأنه من بلاد فارس وأبي در الغفاري لأنه من قبيلة غفار وكذلك بلال الحبشي لأنه من الحبشة. يقول الأستاذ ياسين: “لا ينكر الإسلام البناء القبلي والعرف واللغة مادامت لا تناقض الإسلام، بل يشجع روابط العرف واللغة والقوم إذا كانت تفتل في حبل القوة الإسلامية وتشد عضدها”.(11)

وحتى الأحاديث النبوية الواردة في شأن التعصب والانحياز لقوم ما فهمها الأستاذ في سياقها إذ يقول: “ألا وإن قطع حبال الجاهلية لا يعني إنكار الرجل المسلم والمرأة المسلمة لغة قومها، لا يعني قطع رحم في الشلوح والأمازيغ والريف”(12). ويقول أيضا: “لا يعني التنصل من العبية التبرؤ من انتماء المرء لشعبه وقومه بل الانتساب السليم إلى القوم والشعب واللغة آصرة تشد من كيان المسلمين كما تشد العبية الجاهلية من جموع جهنم وحثاها”(13). والعبية من العبء وهو الثقل وهو مصطلح ورد في حديث(14) رواه الترمذي عن عبد الله بن عمر بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة يوم فتح مكة: ((يأيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بأهلها. الناس رجلان: بر تقي كريم على الله عز وجل، وفاجر شقي هين على الله عز وجل)).

يبقى الانتساب الطيني للأهل والقبيلة لا ينكره الدين الإسلامي إلا إذا انقلب وأصبح دعوى من دعاوي الجاهلية. والانتماء إلى القبيلة يجب أن لا يخدش في القضية الكبرى وهي قضية إسلام المرء وإيمانه وهذه القضية  كما يقول الأستاذ ياسين- هي التي تستحق أن ندافع عنها ونحامي وليس أي قضية أخرى مهما تعاظمت. لذلك يقول: “لكن الانتساب الطيني السلالي لا يتعاظم في أعيننا فيعترض أفق انتمائنا للإسلام”(15). وهذا التعاظم هو الذي حدث بالفعل لكثير من الشباب المنتسبين إلى المناطق الأمازيغية جغرافيا حيث يصبح همهم الوحيد الدفاع عن “قضيتهم” المصيرية (الأمازيغية) واعتبار الآخر طارئا وغازيا يجب أن يرجع من حيث جاء. وهذا هو الذي حصل للنازيين فيما يسمى “النقاء العرقي” وكذلك الصهاينة فيما يسمى ب “شعب الله المختار”.

وظاهرة التعصب والانحياز لدى الشباب هو نتيجة الظلم الذي مورس على المستضعفين منذ الاستقلال المزعوم، فتولد لدى هؤلاء الشباب نوع من السخط على الوضع الاجتماعي والسياسي حيث وجدوا في الأمازيغية ودعاتها حصنا حصينا لمقاومة الأعاريب. وإذا كان هذا التحليل صائبا فإنه يكون أكثر عندما نتحدث عن منطقة الريف وشبابها. فلازالت الذاكرة الحية تحتفظ بالشراسة والهمجية التي عومل بها أبناء الريف إبان انتفاضة 1958 من طرف رجال مخزن مغرب “الاستقلال”. لكن الطغيان لا يعالج بطغيان مثله كما يقول الأستاذ: “منغصات الدنيا إن أصاب بعضها الأمازيغ من جراء طغيان الأعاريب فما علاجها بطغيان معاكس مماثل”(16). وظلم البشر يجب أن لا نقابله بالظلم الأكبر. “لكن لا يستخفنا الظلم الأصغر الذي يصيبنا به طغاة البشر فنترع بالظلم الأكبر وهو الشرك بالله والإلحاد في دين الله والردة عن دين الله، وازدراء العهد والميثاق والصلاة والزكاة وسائر أركان الإسلام (17).

——————————————–

(1) مصطفى المسعودي- عن موقع الأمازيغية من “مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، جريدة حلول تربوية ص 7 دجنبر 1999.

(2) عبد السلام ياسين  حوار مع صديق أمازيغي – ص 63 مطبوعات الأفق 1997.

(3) أشغال هذه الندوة طبعت على شكل كتاب تحت عنوان “الأمازيغية الآن” منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي- ص 76.

(4) عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ص 249.

(5) المرجع نفسه ص 172.

(6) المصدر نفسه ص 83.

(7) المصدر نفسه ص 83.

(8) المصدر نفسه ص 124.

(9) المصدر نفسه ص 87.

(10) المصدر نفسه ص 201.

(11) عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ص 201.

(12) المصدر نفسه، ص 201.

(13) المصدر نفسه، ص 196.

(14) الحديث أورده الأستاذ في نفس الكتاب ص 191.

(15) المصدر نفسه ص 185.

(16) المصدر نفسه ص 208.

(17) المصدر نفسه ص 209.