سبق للكاتب الأستاذ سعيد مولاي التاج أن أجرى لفائدة موقع الجماعة نت سلسلة حوارات مع الشاعر والأديب الأستاذ منير ركراكي حوارات أدبية فنية ثقافية، نجدد نشرها لمتعتها ومضمونها.

حوار هو أشبه بالنسمات العليلة في هواجر الصيف، جلنا فيه في رحاب الشعر والأدب والفكر، وطفنا فيه بعوالم الروح في سبحاتها وتأملاتها، تتبعنا البدايات كيف كانت وسألنا عن الشعر ما معناه وما مغزاه وما مبناه، فكان الجواب نثرا وشعرا وتأملا وفكرا، بلغة رائقة شائقة غيورة سامقة، تمتع القارئ والسامع، فجاء الحوار فصلا من فصول الإمتاع والمؤانسة مع الشاعر الداعية الأستاذ منير ركراكي، ننشره على حلقات:

يسعدنا الأستاذ منير الركراكي أن نكون ضيوفك في هذا السفر الأدبي ونبدأ من البدايات. كيف كانت بدايتكم الشعرية؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه. في البداية أشكركم على هذه الفرصة التي أتحتموها لي في موقع الجماعة لنتذاكر حول موضوع من الأهمية بمكان، موضوع الأدب الذي يعد من المجالات التي لم تُعطَ حقها في الحقل الإسلامي عموما، وفي الحقل الإعلامي الإسلامي على وجه الخصوص. رغم أن الأدب يشكل علامة بارزة في تاريخ الأمم وفي الدلالة عليها، وأمتنا الإسلامية بحاجة ماسة إلى مثل هذا العنصر الموثق والدال للربط ما بين الأجيال وصناعة الرجال في كل مجال.

أما عن بداياتي الشعرية فكانت مبكرة جدا؛ حيث كانت في المرحلة الابتدائية عبارة عن محفوظات ومحاولات طفولية لقيت تشجيعا من أقارب وأصدقاء الوالد رحمه الله، وبعض الأساتذة. ثم أخذت بعدا تشجيعيا أكبر عندما أحرزت على الجائزة الأولى في مسابقة شعرية في السنة الأخيرة من الإعدادي. لكنني توقفت عن المحاولة بعد أن تعرفت على صديق لي في المرحلة الثانوية، وكان شاعرا موهوبا ومطبوعا، بعثتني قصائده التي كانت في غاية الإبداع والإمتاع على تمزيق وريقاتي الشعرية، واعتبارها مجرد خواطر عابرة لا تستحق أن يكون الخليل لها خليلا. فعزفت نفسي عن الشعر وملتُ إلى القصة القصيرة قراءة ومحاكاة لتتجدد لدي الحوافز لمعانقة هذا اللون من الأدب واحتضانه، ولأحرز فيه على جوائز شجعتني على أن أميل إليه بالكلية إلى أن ولجت الكلية: كلية الآداب بفاس، ولتكون شعبة اللغة العربية المحتضن الأكبر لميولاتي الإبداعية، خاصة مع حضور دكاترة مميزين، وشعراء مفوهين من أمثال الدكتور فخر الدين قباوة السوري، وعبد الله الطيب السوداني.

وهكذا عدت إلى الشعر من جديد لأقرأ دواوين ودواوين من الشعر العمودي الأصيل، وبعض دواوين كبار شعراء التفعيلة، كبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش، وسميح القاسم وآخرين. وحفظت لحسان بن ثابت رضي الله عنه، وزهير بن أبي سلمى وامرؤ القيس وعنترة وللمتنبي وأبي العتاهية والإمام علي كرم الله وجهه وللشافعي والبوصيري وشوقي ومطران والرصافي والمهجريين وعلى رأسهم إيليا أبو ماضي الذي أعجبت به كثيرا وحفظت له أكثر من ديوان. كنت أقرأ فقط وأتهيب نظم الشعر خاصة وأن بضاعتي من عروضه كانت مزجاة. لكن كتاباتي النثرية كانت قد تشبعت بالنكهة الشعرية حيث غلب عليها البديع تصنعا وتكلفا، ليُتوَّج مسار الاهتمام بالشعر، بل الهيام به بدعوة كريمة تلقيتها من المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، عندما قرأ بحثي للإجازة في الأدب بعنوان: شخصية المؤمن الداعية من خلال النماذج القرآنية)، حيث أعجب بأسلوبه، ورده إلي قائلا: هو من الناحية العلمية لا بأس به، لكنه من جهة أسلوبه ينم عن شاعرية كامنة تحتاج إلى صقل، ولهذا بإمكانك أن تحول هذه الشاعرية المنثورة إلى شاعرية منظومة. فاكتب الشعر. قلت: ما أنا بشاعر. قال: اكتب الشعر. قلت: لا علم لي بالعروض. قال: اكتب الشعر وإلا فلن أقبلك بعد اليوم زائرا إلا شاعرا.

فكان هذا المحفز المستفز – من هذا الذي كانت زيارتي له بابا مفتوحا نحو السعادة والخير والعلم والفهم والفن والعزم – هو الشاحن الأول، والدافع لبداياتي الشعرية الأولى منذ سنة1983م.

القصيدة الأولى لها ذكريات المولود البكر الأول. ما كان موضوعها؟

في ديوان الشعر العمودي الخليلي كانت قصيدتي البكر بعنوان: نداء)، وقد جاءت بعد مخاض معاناة الانقطاع، فكانت جواز سفري إلى الحبيب، وبطاقة دخولي عليه، وحبل وصال وجسر تواصل امتد بيني وبينه، أضيف إلى جسور وحبال نسأل الله أن يقويها ويجعلها مبرمة لا سحيلة وعين الرضا عن كل عيب كليلة.

هذه القصيدة كانت بعد شهر تقريبا من ذاك الاستفزاز المتحدي الذي أثمر المحاولة. في الحقيقة لم تكن محاولة، فالقصيدة نظمت في عالم الغيب قبل عالم الشهادة، حيث رآها في المنام أحد الإخوان قبل أن أشخصها في منظوم الكلام. ثم إنها كُتبت بسرعة فائقة، فما بين قص الرؤيا وكتابة القصيدة ساعة من الزمن وموضوعها كان من وحي الآهات، إذ عرفت سنة 1983 صراعا إسلاميا إسلاميا بعثني على هذا النداء:

أخي من تجافى حقوق الإخـاء *** أخي من جفا واستطاب الجفاء

ترى أي سحب جرت في سمانا *** فغاب السناء وزال الصفــاء

ترى أي سم سرى في دمــانا *** فشا بعده في إخانا البـــلاء

وهذي العِدى تشتهي أن تـرانا *** قلوبا نما في حشاها العــداء

أخي كم تقاسي بدوني الهـوان *** ولا ترتجي أو تروم اللقــاء

هل من طقوس معينة في الكتابة؟

الشعر أخ الإسلام ليس سحرا، وإن كان من البيان ما هو سحر كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وليس لمن هو في الشعر مَهين ولا يكاد يُبين بيان ساحر حتى تكون له طقوس سحرة البيان. نعم لا أنكر أن كثيرا من قصائدي التي نظمتها، إنما نظمتها تحت ضغط الحاجة إلى الكتابة، وأنني ساعة نظمها أعيش لحظة مخاض وولادة حقيقية: مرارة ألم وحلاوة نغم، سمها إن شئت لحظة إبداع. وأن المخاض قد يطول أحيانا، لكنني لا أقبل الولادة إلا طبيعية على كل حال، وأرفض العمليات القيصرية، وعمليات الإجهاض. لكن عملية التوليد غالبا ما تمر بسلام، قد يحتاج رأس القصيدة إلى عناء قبل إخراجه من رحم التكوين إلى نور الوجود، لكن مرة يظهر الرأس ينهال جسم القصيدة في انسياب على جانب كبير من السهولة والمؤاتاة، إلى حين تتم الدفقة الشعورية المساوقة لبناء القصيدة ليعبر المولود بصرخة الوجود عن ولادته، ومن ثم لا يبقى لي إلا الأذان والإقامة والتحنيك والحلق بين يدي سابع لأُولم وأسمي.

لكن مشكلتي الحقيقية – كما قال المرشد الحبيب جزاه الله عني كل خير – أنني ألد ولا أُربِّي. فأولادي كثير، ومن حظِيَ منهم بالتربية الكافية قليل. لهذا لا أعتبر نفسي شاعرا، فالشعر تُزاحِمه عندي مهام كثيرة، بل تزاحمه وتقصيه في بعض الأحيان، حتى وإن كان لي أكثر من ديوان. فإني أجد حرجا كلما طالبني الأحبة بإصدار واحد من تلك الدواوين على الأقل، متعذِّرا بقلة الوقت وكثرة الأشغال. والشعر بحاجة إلى مراجعات ومتابعات على كل حال. ما ينبغي لنا أن نكون عبيد الشعر، ولن نستطيع. ولكن بدل الحوليات لابد من شهريات وأسبوعيات على أقل تقدير.

من هم شعراؤك المفضلون؟

الجواب عن السؤال أخ الأدب صعب، لا لأنني لم أعجب بشعراء، وشعراء كثيرين طيلة حياتي الأدبية، لكن لأن الأديب عامة، والشاعر خاصة، ينبغي أن تتوافر فيه شروط ليكون مفضلا. فنظرية الفن للفن عندي ليست بذات معنى، وإلا صدقت مقولة: ” أعذب الشعر أكذبه “، وأصبحت الكلمة الفصل في الشعر للذين يتبعهم الغاوون، والذين يقولون ما لا يفعلون. وإنما الشعراء المفضلون عندي هم من استثناهم القرآن، لسان الحق، من هذا الضلال والخبال: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(الشعراء: 227).

إيمان وعمل صالح وجهاد، على هذه الأثافي الثلاث فليقم الشعر وليستقم وإلا كان البناء على غير أساس، مهما اتسع وارتفع يوشك أن يتصدَّع فيتداعى وينهار، أو تكسد سلعته ويصيب سوقه البوار.

شعرائي المفضلون: علي كرم الله وجهه، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، ثم الشافعي والبوصيري والبُرَعي وأبو العتاهية وسيد قطب وعصام العطار ويوسف القرضاوي رحم الله من مات منهم، وحفظ من بقي. ثم قصائد من شعر شوقي وحافظ والبارودي ومطران رحمهم الله، ثم أبيات من قصائد امرئ القيس وغيره من شعراء المعلقات، ومن كل شعر شاعر أوتي من الحكمة نصيبا، ومن البيان سحرا، كالمتنبي وأبي تمام والبحتري ومحمود درويش وسميح القاسم ونزار قباني وغيرهم كثير.

الشعر عندي رسالة، بل جزء من رسالة جامعة هي الدعوة إلى الله، لهذا فالشاعر قبل أن يكون شاعرا ومع كونه شاعرا فهو داعية بناء يتخذ من الشعر وسيلة لصناعة الحياة والموت والتاريخ: لا لصناعة لغوية وفنية وصوتية فقط، فالشعر قيمة إسلامية لا لسانية فقط ولا إنسانية فضفاضة هي خليط من المشاعر المتضاربة، ومزيج من الأفكار والتعابير الأصيلة والدخيلة. فالشعر كما هو التزام بقواعد عروضية وقيم جمالية، هو التزام بضوابط شرعية وحدود أخلاقية لا يمكن التصالح مع من يخرقها بحُدائه، ويدوسها بحِذائه، ولو كان أمير الشعراء، أو شاعر المليون، أو ما شئت من التسميات.