فارق الحياة التلميذ زكرياء، والذي كان يتابع دراسته السنة الثانية باكالوريا بثانوية القاضي عياض بمدينة بوعرفة، تخصص علوم رياضيات، مات، بل انتحر مباشرة بعد إعلان نتائج الباكالوريا، إذ وجد نفسه راسبا في امتحان اجتازه بكل ثقة، ويقين أن النجاح حليفه، وهو المشهود له بالكفاءة والتفوق طيلة مسيرته الدراسية. ما كان للفقر المدقع الذي يكتوي بناره أن يحول دون مواصلة مشواره الدراسي، ينزل إلى السوق في أيام عطلته ويحمل على كتفيه الأكياس ليكسب دراهم معدودة يعيل بها أسرته، ويقتني بها من اللوازم المدرسية ما هو ضروري حتى يواصل دراسته.

   كان حلمه الحصول على شهادة الباكالوريا والتي بدونها لن يكون للمشوار التعليمي الذي قطعه أي اعتبار، فبتلك الشهادة سيتمكن ولوج بعض المسالك المحترمة، أو متابعة الدراسة العليا….

   كان نبأ الرسوب صدمة قاتلة، فهو كله يقينا أنه متفوق، وهو الحاصل على معدل 16 في الامتحان الجهوي، 17 في المراقبة المستمرة، هناك خلل ما!!!!!!

   لمن المشتكى؟ من ينصفه؟ لا أمل، فالحياة مريرة، وآخر شيء يفكر فيها المواطن أن ينصف من طرف القضاء.

   بلغ به اليأس والإحباط أن يكون الانتحار هو رسالته الاحتجاجية على هذا الواقع المتعفن. كم الأمر مؤلما اضطرار الإنسان في هذا الوطن سلوك الطرق المحرمة شرعا للتعبير عن السخط والألم والمعاناة….

   اهتزت الثانوية لهذا النبأ المأساوي، رغم استغراب أساتذة زكرياء لرسوبه، ورغم اندهاش كل زملائه للنتيجة السلبية، لم يكن هذا الالتفاف حول التلميذ، ولم تكن هذه المساندة المعنوية كافية أن تثني زكرياء على ما هو عازم على فعله.

   جفت شفتاه، وذبلت روحه، وفي أعماقه جرح غائر لا يداوى، وطوفان المرارة والظلم يعصف في صدره.

   “رب حتى حشرات الأرض طارت

   وأنا مازلت في وسـط الشرنقة

   رب حتى القطط اختارت لها مأوى

   ومأواي قبور الصدقة

   رب هل أعطيت للحكام تصريحا بدفني

   قبل أن يبدأ عمري؟!

   رب إني قبل ميلادي توفيت

   وإني قبل موتي زرت قبري”(1)

   تناول زكرياء سما قاتلا لم تفلح معه محاولة الإنقاذ، ففاضت الروح إلى بارئها….. كانت جنازة رهيبة، في مقدمتها مدير الثانوية والأساتذة وتلاميذ جاؤوا من كل فج ليودعوا أحد زملائهم، ليودعوا أحد ضحايا العبث المتفشي في مجتمع أفسد المخزن كل دواليب الحياة فيه.

   كل آمال زكرياء كانت معلقة على نيل شهادة البكالوريا، فلعلها تنقله من وضع لآخر، ولعلها ترسم على شفتيه ابتسامة طالما حرم منها، لعلها تمسح دمعة أحزانه، لعلها تزيل غمة ظلم جاثمة على صدره، ولعلها تبث أملا في وسط يأس منتشر.

   لم يتحمل أن يرى كل الآمال تتحطم عند صخرة العبث وفي رمشة عين…

   لم يتحمل أن يرى كل الأحلام تحولت إلى كابوس يطارده أكثر من المطاردة التي يعيشها ليل نهار.

   لم يتحمل تجرع المزيد من الظلم وأن يكون هذا نصيبه في وطنه الذي اختلت فيه كل الموازين….

   ماذا جنى حتى يكون النصيب الموزع عليه وأمثاله من طرف المخزن وبالقسط هو الفقر والحرمان والتهميش…… بغي وظلم وكيد وتفقير وكلها وسائل وضروب من القتل الخفي.

   اختار زكرياء نهاية مفجعة لحياته على البقاء وهو يعيش القتل اليومي له ولأسرته الصغيرة والكبيرة….

   هذا نموذج من بين آلاف الضحايا للسياسة المخزنية التعليمية في هذا الوطن الجريح، سياسة تعليمية مدمرة للمجتمع برمته، لأنها تدمر الحاضر والمستقبل. شباب هو ركيزة المجتمع وذخره، غدا مشوها ومعوقا، شباب يعاني من الخواء والعجز، شباب تحول إلى جيش من الموتى يمشي حائرا بغير هدى ولا عقل منير.

   في شهر يونيو من سنة 2008 أثناء عرض عسكري في مدينة كاركاسون أطلق جندي فرنسي النار خطأ، فأصاب بعض الأشخاص الذين كانوا يشاهدون العرض.وفي اليوم التالي مباشرة قدم رئيس الأركان الجنرال بونو كوشيه استقالته من منصبه، وأعلن أن الرئيس الفرنسي قبل الاستقالة.أما عندنا فالرصاصات أصابت غالبية المجتمع جراء سياسة تعليمية مدمرة، ومع ذلك لم يتزحزح أحد من منصبه، ولا خطر على بال أحدهم أنه قد أخطأ وأساء وظلم واعتدى، لسان حالهم يقول إننا هنا ماكثون، وسيبقى الشعب حقل تجاربنا، إن فشل هذا “الإصلاح” استبدل بآخر وهكذا دواليك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.