ب- معنى مقاصد القرآن الكريم

إن النظرية البنائية في التفسير تنطلق من المعنى الجامع للقرآن الكريم الذي تعكسه مقاصده الكلية، ثم تعرج إلى البحث في الموضوع القرآني أو معاني الآية من القرآن لتنسجه دراسة وصياغة وتدبرا واستنباطا بما يحقق العلاقة التكاملية بين المستوى العام (المقاصد الكلية) والمستوى الخاص للموضوع أو الآية دون أن تغفل البعد العملي في العملية برمتها.

ولذلك سيكون همّ النظرية البنائية التركيز على بيان مقاصد القرآن الكريم الكلية بما هي ملاذ البحث لباقي المستويات المقاصدية مع التمييز بين مجالين من المقاصد الكلية:

1- مجال المقاصد العلمية.

2- مجال المقاصد العملية.

ذلك أن إغفال التمييز بين المجالين وضبط العلاقة بينهما علميا وعمليا جعل مادة التفسير وقواعده تدور على الجانب النظري، مما أوقع انفصالا، لم يكن زمن النبوة والخلافة، بين الفهم النظري والإدراك العملي لدى جيل النبوة والخلافة الراشدة، بحيث جُمع للصحابة تحصيل العلم بكلية القرآن الكريم وإنجاز مطالبه العملية من خلال نظام الخلافة.

ومن ثمة فالعمل على إعادة بناء صرح الأمة يقتضي الانتباه إلى ضرورة الجمع بين المجالين على الطريقة النبوية. وهو من أهم مقتضيات نظرية التفسير البنائي للقرآن الكريم.

والجمع هنا لا يعني الخلط بقدر ما يعني أن المقاصد الكلية للقرآن الكريم كانت منجمعة من حيث الفهم والعمل لدى جيل النبوة والخلافة الراشد، فكان واضحا وضوحا تاما لديهم المهام التي ينبغي إنجازها واقعا من خلال علمهم الدقيق بمقاصد القرآن الكريم العلمية ومقاصد النبوة العملية.

ثم إن الانتباه إلى التمييز بين المجالين سيفك عقدة علمية حيث عند كثير من الباحثين، كما سيتبين بعد، نجد خلطا مخلا بالعمل حين يتم الجمع عند الحديث عن مقاصد القرآن الكريم بين ما يتعلق منها بالجانب العلمي (النظري) وبين ما يتعلق منها بالجانب العملي.

وإذا كان هذا الخلط مربكا من الناحية العملية، فإن التمييز من الناحية المنهجية والوصفية سيفتح الآفاق العلمية والعملية للإحاطة بالمقاصد الدعوية، كما سيمكن من التدقيق في الوسائل الكلية لتحقيق المقاصد القرآنية بشقيها، وإنجازها على أرض الواقع وفق الوعي والعلم بكل مراحل البناء وضروراته وحاجاته.

1- المقاصد العلمية

أ- خصائصها: كلية وقطعية ومتفق عليها وحاكمة

إن الحديث عن المقاصد العلمية المعنوية هو ما تزخر به جل المصنفات وإن كان على صورة إدراجات في بيان الأحكام الجزئية والآداب الشرعية، لذلك يقتضي المقام التذكير بمعنى كلية القرآن الكريم لما في ذلك من إشارة إلى أن من المهم الكشف عن المقاصد الكلية لما لذلك من أهمية في الاستنباط بكل أنواعه والفهم للدين وتنزيل أحكامه. وفي الباب نورد ما قاله أبو المقاصد الإمام الشاطبي، رحمه الله، عند حديثه عن القرآن الكريم بما هو أصل الأصول؛ قال: “إن الكتاب قد تقرر أنه كلي الشريعة، وعمدة الملة وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار، والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه… وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي، نظرا وعملا، لا اقتصارا على أحدهما، فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول”(1).

فالشاطبي يعتبر أن مقاصد الشريعة هي كلية القرآن الكريم، وهي قطعية بالاستقراء، وأن السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم. لذلك فالرجوع إليها، بما هي بيان للقرآن الكريم، ضروري لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة” [متفقه عليه] حيث فهم الشاطبي من هذا الحديث: “إنما الذي أُعطي القرآن الكريم، وأما السنة فبيان له”(2).

فالبيان عملي، أما القرآن من حيث هو كلي الشريعة، وهو حقيقة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكلية، فهو عين العلم وهو الإمام الذي بينته السنة المطهرة في تفاصيلها، بما هو حقيقتها، على جميع المستويات: الفرد والجماعة والأمة والإنسانية. ومن هنا جاءت قيمة التمييز بين المقاصد العلمية والمقاصد العملية؛ إذ فضلا عن أهميته المنهجية فهناك أهمية عملية في بيان مراحل العمل وآفاقه ووسائله تفاديا لكل خلط أو غموض أو ارتباك.

وقبل أن نقف على مقاصد القرآن الكريم عند بعض الباحثين في الباب، لابد من التأكيد على أن هذه المقاصد متفق عليها، كما ذهب إلى ذلك الدكتور أحمد الريسوني في حوار مع مجلة المنطلق الجديد(3) وإن اختلف في التعبير عنها من حيث التحديد والتعيين. “فهذه الكليات القرآنية والشرعية هي أكثر الأشياء اتفاقا بين المسلمين وبين مذاهبهم”(4)، لذلك “قبل الخوض في التفسير التجزيئي أو التفسير الموضوعي، هناك ما هو أعم وأهم منهما أيضا، وهو أن نحدد ما هي مقاصد القرآن؟ ما هي محاور القرآن؟”(5).

ولاشك أن أهمية هذا الاتفاق حولها بما أنها كلية وقطعية لكونها مستنبطة بالاستقراء الكامل، كما أكد ذلك الدكتور طه جابر العلواني(6)، يقتضي اعتبارها مرجعية كلية جامعة حامية من الاختلاف السلبي كما هي ملاذ لعلاج مواطن ومواضيع الاختلافات في الجزئيات التفسيرية والأحكام العملية المتعلقة بكل المستويات السالفة الذكر: الفرد والجماعة والأمة وخدمة الإنسانية.

إن النظرية البنائية في تفسير القرآن الكريم حين تنطلق من الإحاطة بالمقاصد العملية الكلية للقرآن الكريم فإنها لن تخرج عن إطار إنجاز المهمات العملية من خلال اعتماد المنهاج النبوي في تحديد مراحل البناء وتدقيق عملية بنائها وتحقيق مقاصدها العملية والحفاظ عليها.

في الحلقة القادمة، بحول الله تعالى، نتحدث عن المقاصد العلمية.

——————————————–

(1) الموافقات، 2/257، تحقيق، عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، دون تاريخ طبعة.

(2) نفسه، ص: 274.

(3) المنطلق الجديد، عدد:9، 2006، ص: 79-96.

(4) نفسه، ص: 81.

(5) نفسه، ص: 80.

(6) ينظر مقاله: “من التعليل إلى المقاصد القرآنيَّة العليا الحاكمة”، قال: “المقاصد القرآنيًّة العليا الحاكمة، كلَّيات مطلقة قطعيَّة تنحصر مصادرها في المصدر الأوحد في كلَّيته وإطلاقه وقطعيَّته وكونيَّته وإنشائه للأحكام، ألا وهو القرآن المجيد”.