بدء من حد كورت، مرورا بـ”إيمين تانوت” وصولا إلى فاس، هذه الرحلة كانت كفيلة بأن تقود المستشرق والحاكم الفرنسي المدني السابق “جاك بيرك” نحو اكتشاف عالم من العيار الثقيل هو الحسن اليوسي (1631م/1051هـ-1691م/1111هـ). الذي تختزل حياته جانبا كبيرا من الواقع المغربي: فهو الإنسان الذي يتمتع بنوع من القدسية داخل مدينة فاس المنيعة بالرغم من قدومه مما يطلق عليه اليوم العالم القروي، وهو الذي تمكن من امتلاك ناصية سلطة المعرفة العربية الإسلامية، وهو رجل التصوف والقانوني اللامع. وإلى جانب هذا كله، فهو مريد حقيقي للزاوية الدلائية، وفي الوقت ذاته عمل في خدمة العرش العلوي كمستشار في البلاط السلطاني، وهي المهمة التي لم تمنعه من توجيه رسالتي نصح للسلطان المولى إسماعيل عتابا على تجاوزات وأخطاء بعض عماله وولاته.

دراسة الباحث الفرنسي جاك بيرك بعنوان: “الحسن اليوسي، مشكلات الثقافة المغربية في القرن السابع عشر”. التي صدرت بباريس أول مرة سنة 1958، في حين لم تصدر الطبعة الثانية منها إلا سنة 2001 عن مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث.

تروم استكشاف الحقيقة السوسيولوجية والثقافية لمغرب القرن السابع عشر من خلال نموذج العالم والفقيه الحسن اليوسي .

طفولة في حضن الأطلسيبدو من المفيد جدا الانطلاق من البيئة الجغرافية التي شكلت منشأ أبي علي بن مسعود الإدراسني والمشهور بالحسن اليوسي، والمنتمي إلى قبيلة أيت يوسي بالأطلس المتوسط وهي تمتد إلى نواحي فاس وتافيلالت وصفرو وبولمان وميدلت. هذه القبيلة الممتدة كان اسمها، خلال القرن 17 عشر أيت إدراسن التي ذكرها الباحث دولاشابيل في كتابه: “السلطان مولاي إسماعيل وأمازيغ صنهاجة في المغرب الأوسط”. وهي قبيلة تنتمي إلى صنهاجة تماما مثل قرينتيها أيت يافلمان وأيت أومالو، ويتجه امتدادها في الجنوب إلى حدود الأطلس الكبير الشرقي وجبل العياشي الذي شكل حاجزا منيعا بينها وبين القبائل المتنافسة معها. وكان أفرادها معروفين بالترحال.

في ظل هذا السياق التاريخي، ترعرع الحسن اليوسي في مرحلة زمنية متسمة بغياب الأمن، وتعاقب المجاعات و الجفاف، والصراع على السلطة بين القبائل والأحلاف القبلية في شكل ثورات وانتفاضات…

ولد الحسن اليوسي المعروف شهرة بالإدراسني وهكذا سماه عبد الحي الكتاني في كتابه “فهرس الفهارس”، سنة 1631 في ملوية العليا التي ستربطه بها علاقة حنين جد قوية ربما لأنه فارقها مبكرا. وتميزت سنواته الأولى التي قضاها فيها بفقدانه لأمه وهو في طفولتة. فقدانه لأمه ولحنانها قاده إلى اللجوء إلى الدراسة، وكان أول ما تعلمه القرآن ومواد النحو في كتاب القرية على يد أحد الفقهاء الملازمين فيها. غير أن الفتى الحسن اليوسي سيعثر فجأة ذات يوم على كتاب مخطوط يروي سيرة ابن الجوزي (وهو حنبلي متعصب لمذهبه وكتب عنه ابن الشيب في كتابه: “دراسة الشخصيات الواردة بإجازة الشيخ عبد القادر الفاسي”). والغريب المثير أن مؤلفات ابن الجوزي هذا كانت تدرس في كل جوامع سوس ومدارسه العتيقة في نفس الفترة حسب ما ذكره التمنارتي في ” فوائد الجمان”.

عثور الفتى الطالب للعلم اليوسي على هذا الكتاب وقراءته ودراسته له قادته إلى التأمل والتفكير، هذا الاندفاع المبكر نحو التفكير سيؤدي به على المستوى العملي إلى زيارة مجموعة من أضرحة الأولياء والشرفاء الصالحين المعروفين في كل من ميسور وطاكيا حيث يوجد قطب هؤلاء كلهم وهو أبو إيعزى الذي أثارت كراماته الكثيرة والمتنوعة الفتى اليافع الذي كان اليوسي.

في هذه الفترة من التاريخ، وكما كان معمولا به، كان التعليم في بلاد المغرب كما المشرق يعتمد على إعمال الذاكرة المرتكز على تخزين كل ما هو مدروس في هذه الذاكرة عن طريق الحفظ. إلا أن ما يسجل على الحسن اليوسي، ومنذ فترة دراسته المبكرة، أنه تمكن بخلاف كل أقرانه من طلاب العلم على إبراز كفاءة نادرة تتجاوز آلية الحفظ وتنحو نحو التركيب الذي مكنه من استيعاب مكونات أي كتاب مدروس انطلاقا من أول سرد لمحتوياته وأطروحاته الرئيسية. إن هذه القدرة الفريدة على تجاوز تحصيل المعرفة بالحفظ الذي كان سائدا وانتقاله منذ مرحلة مبكرة إلى التحليل والتركيب، أمر جعله يكون، على خلاف الكثير من معاصريه، ليس رجل نقل ولكن رجل رأي، وبالتالي رجل عقل على المستوى العملي.

تيه في سبيل العلممنذ البداية، تميز الحسن اليوسي بمقومات التركيب في اكتساب وتحصيل المعرفة مع الابتعاد عن الحفظ الآلي والميكانيكي. وهي عناصر حافظ عليها طيلة حياته. وكمثال على ذلك فإن أية قراءة عادية وبسيطة أو حتى عابرة لكتابيه المحوريين: “المحاضرات” و “القانون” من المؤكد أنها ستتوقف على ندرة الإحالات على كتاب آخرين، قدرة هائلة على تجاوز المصادر والقدرة على استخلاص المبادئ واستنباط الأحكام بطريقة متقدمة في الوعي.

ولأنه اعتبر نفسه دائما طالب علم، فلطالما تنقل الحسن اليوسي من جامع إلى جامع أخر في سبيل تحصيل العلوم الدينية معتمدا في ذلك على أريحية الناس وكرم أهله وأبناء عمومته على وجه الخصوص.

على خلاف أستاذه الرئيسي التطافي، لم يتجه اليوسي في البدء إلى مدينة فاس لطلب العلم، بل إنه توجه صوب الجنوب حسب ما ورد في مناقب الحضيكي. وهناك، في مراكش، استمع إلى القاضي السكتاني، ومنها إلى تارودانت حيث مملكة تازروالت فقواعدها بكل من إليغ وتامنارت. اشتغل بالتدريس في تارودانت وبدأت هناك سلطته العلمية تكبر شيئا فشيئا، غير أنه سرعان ما سيغادرها ليلتحق بتامكروت التي سيصبح فيها مريدا للشيخ ابن ناصر وقد حدث هذا سنة 1650.

في نفس هذه السنة، سنة 1650م، قادته الظروف إلى تافيلالت التي اشتغل فيها بالقضاء، ثم بعدها إلى دكالة حيث لازم أستاذه الفقيه محمد بن إبراهيم الأشتوكي.

لقد كانت هذه السنة إذن بالنسبة إليه سنة مليئة بالحيوية والنشاط من أجل التحصيل العلمي، علما أن النصوص التي وثقت لحياته تورد كذلك أنه تابع دروس الصغير المنيار في جبل دمنات. وهكذا فإنه لما تأتى له قدر كبير ومهم من العلم والفقه التحق اليوسي بالزاوية الدلائية.

داخل الزاوية الدلائية تعلق المريد الحسن اليوسي بشيخه ابن ناصر الدرعي أحد أبرز مؤسسي الزاوية أيما تعلق. ويحكي اليوسي في “المحاضرات” أنه لما عزم على السفر إلى الغرب لم يجد هذا الشيخ الوقور حرجا في نصح مريده الشاب بالابتعاد ما أمكن عن النساء خشية الوقوع في الفساد. وكتب اليوسي أن هذه النصيحة بقيت راسخة في ذهنه ولذلك فقد عمد مباشرة إلى اتخاذ زوجة له.

وكان أيضا من جملة ما قاله له هذا الشيخ أن عبد الله بن الحسين، شيخ شيخه، كان يوصي طلبته بقوله: “إذا عطش أحدكم فلا يسرع أبدا في طلب الماء قصد الارتواء، بل إن عليه أن ينتظر ساعة أو تزيد وذلك حتى تتمرس النفس كما الجسد على مقاومة الشهوات”.

وحتى وإن غادر المريد الحسن اليوسي دار تامكروت، فإنه غالبا ما يأتي إليها بين الحين والأخر، مثلا قصد مساعدة شيخه في الإعداد لأداء فريضة الحج، حيث رافقه حتى مدينة سجلماسة التي تمثل نقطة التقاء القوافل الذاهبة إلى المشرق.

ولأنه لم يغادر إلا سنة 1668م، فقد شكلت هذه المدة الزمنية فرصة لاطلاعه على سير عمل الزاوية والمساهمة في إصلاح ذوات البين التي تقع بين القبائل وأحلافها.

مقامه الأول بفاسفي فترة سيطرة الشريف محمد الحاج على الزاوية الدلائية، قام مع مجموعة من مريديه بالإعلان عن تأسيس مملكة صنهاجة. وتمت السيطرة على فاس سنة 1641م وهزيمة ما تبقى من السعديين. وشهدت هذه الفترة كذلك مجموعة من الصراعات القبلية، فتارة يسيطر الدلائيون على فاس كما وقع سنة 1650م وتارة يتخلون عنها ويرجعون إلى جبالهم. غير أن السلطان “المولى الرشيد” سيتمكن من حسم الأمور لصالحه ويضع حدا لمغامرة محمد الحاج سنة 1668م.

ولأنه لم يكن سوى طالب علم متواضع ولا دخل له في هذه المغامرة السياسية فقد سلم الحسن اليوسي من السخط والنفي الذي لحق بالكثير من شيوخه وزملائه الدلائيين.

امتد المقام الأول للحسن اليوسي بفاس من سنة 1668م إلى غاية سنة 1673م. ويتحدث مجموعة من المؤرخين أن القرن السابع عشر كان أسوأ مرحلة تاريخية بالنسبة للمدينة العلمية، لأنها كانت وطيلة الثلثين الأولين من هذا القرن هدفا ومجالا للصراع بين كل الأطراف الراغبة في امتلاك السلطة السياسية بالبلاد.

فقد حدثت صراعات طويلة الأمد بين هذه المدينة وبين القبائل المحيطة بها لدرجة أنه يستحيل الآن تخيل مدى صعوبة وتعقد الظرفية السياسية التي كانت آنذاك سائدة بفاس. لقد تمكن المولى الرشيد من القضاء على الدلائيين، دمر موقع الشبانات بمراكش ونظف منطقتي تافيلالت والغرب من كل المنافسين. وقبل ذهابه في حملات لمواجهة الشاوية وأيت عياش، قام بتعيين قاض جديد بفاس هو محمد المجاسي كما عين مشرفا جديدا على جامع القرويين وهو محمد البوعناني في دجنبر 1668م.

في هذه الفترة بدأ الحسن اليوسي يلقي دروسا بجامع القرويين، وكانت هذه الدروس تثير اهتمام وانتباه الكثيرين. وقد اعتاد السلطان المولى الرشيد على حضور هذه الدروس بدوره كما أورد ذلك الناصري في “الاستقصاء”.

لكن، ما هو السر الذي كان وراء هذا الاهتمام الشعبي الكبير بدروس اليوسي في جامع القرويين؟ إن وراءه الأصالة التي يعتمدها في دروسه، ثم شخصيته القوية وطريقته في التقديم أيضا. وهذه أمور جرت عليه غيرة وحسدا من لدن منافسيه من العلماء والفقهاء.

خلال مقامه الأول بفاس، ومباشرة بعد مرور قليل من الوقت على جلوسه على كرسي القرويين، عانى اليوسي من أزمة جدلية سيكون شيخه عبد القادر وسيطا في حلها فيما بعد. ذلك أنه في يوم ما، وبعد إرهاق وجهد كبيرين، ذهب اليوسي إلى الاسترخاء في إحدى شواطئ الشمال قرب العرائش، وهناك قال المقولة التالية: “لا فاس ولا علماؤها تعاملوا بعدل مع معرفتي، ولا هم اعترفوا بمرتبتي. أه لو عرفوا ذلك لاستقبلوني كما يستقبل راعي السنوات العجاف السحاب المحمل بالمطر”. هذه المقولة سيتم تناقلها من لسان إلى آخر حتى تطورت الأمور سلبا بين اليوسي وعلماء فاس، ويقع الجدل بين الطرفين، ويتدخل فيما بعد الشيخ عبد القادر ويلعب دورا تحكيميا بين الطرفين المتجادلين.

اليوسي في بلاط السلطانفي سنة 1672م توفي السلطان المولى الرشيد، فوقعت مجموعة من الأحداث الأليمة بمدينة فاس. سنة بعد ذلك سيحط الحسن اليوسي الرحال بمدينة مراكش التي سيمكث فيها إلى غاية 1684م. هذه المدينة لم تكن غريبة عنه لأنه سبق له أن تابع دراسته بها. ولقد أقام بحي المواسين وأسس فيها فرعا للزاوية الناصرية وتحديدا برياض العروس، وكان أحد الزبناء الذين كثيرا ما يتوافدون على المزاد العلني للكتب والمخطوطات القديمة بهذه المدينة.

على المستوى العلمي، كان يدرس على الخصوص مادة التفسير بمسجد يسمى مسجد الشرفاء، وكان يقضي الليل في زيارة الأولياء الصالحين. وبعد صلاة الصبح يبدأ مباشرة تقديم دروسه بالمسجد. وكان مثلا يخصص حصة أو درسا بأكمله لشرح صيغة الشهادة: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله).

في هذه المدينة، مدينة مراكش، عانى من الوحدة. وقد سبق له في نفس هذه الفترة أن أقام بموقع يسمى خلفون قرب وادي أم الربيع، ونجده يقول في هذا الصدد: “إن قلبي موزع في البلاد كلها، جزء منه يوجد بمراكش في شك مريب. جزء أخر يوجد في خلفون، وأخر في مكناس مع كتبي. جزء أخر في فازاز، وأخر في ملوية بين أهلي. وجزء أخر في الغرب بين أصدقاء بالحواضر والقرى. يا ربي لم شملهم جميعا، فأنت القادر على ذلك، ولا أحد سواك يستطيع ذلك. يا ربي ضعهم في مكانهم”.

أثناء مقامه في مراكش، وصله خبر وفاة الشيخ عبد القادر الفاسي. لذلك وجه اليوسي رسالة تعزية إلى أهله، وستكتسب هذه الرسالة لبلاغتها النادرة مكانة متميزة ضمن كل الرسائل المتوصل بها.

في سنة 1684م سيعود الحسن اليوسي مرة أخرى إلى فاس في فترة حكم السلطان المولى إسماعيل. ومن أهم ما حدث في هذه الفترة بالنسبة إليه أن اليوسي اعتبر بمثابة مجدد القرن. كما أنه أكمل تأليف كتابه الشهير “المحاضرات” الذي ضمنه من ضمن ما ضمنه يومياته ومشاهداته أثناء أسفاره المتعددة. وهو كتاب لاقى اهتماما بارزا في كل الخزانات العامة والخاصة، علاوة على أن بعض نسخه كتبت بأحرف من الذهب.

وقد دعاه السلطان المولى إسماعيل للإقامة في البلاط السلطاني سنة 1685م. ليتمتع هناك بمكانة مهمة تجلت أساسا في ذهابه لأداء مناسك الحج رفقة المعتصم ابن السلطان المولى إسماعيل.

أقام الحسن اليوسي فترة من الزمن في مصر، وكان بالنسبة إليه فرصة ملائمة للاطلاع على الحركة العلمية بهذه البلاد وملاقاة علمائها. غير أنه لم يأتي بأية إجازة من هناك.

توفي بعد مرور وقت قصير من عودته من المشرق في 15 ذي الحجة سنة 1102هجرية الموافق لـ11 شتنبر 1691 ميلادية. وتم دفنه بصفرو علما أن مكان ولادته هو ملوية العلوية كما أوردنا فيما سبق. وهذا في حد ذاته مؤشر أخر من انتقال أيت يوسي في القرن السابع عشر. وبعد مرور عشرين سنة، سيتم نقل رفاته إلى مقر الزاوية الحالية بصفرو.