يقولون إن من شر البلية ما يضحك، وهو مثل صادق إلى حد بعيد فكم من مرة وأمام بعض المواقف والمشاهد تجد نفسك مدفوعا إلى الضحك رغم أن الموقف يستدعي الأسى والحزن، وما أكثر مواقف الأسى والحزن في أوطاننا وأزماننا، ولعل أحد مواقف الطرافة والهزل في أيامنا هذه “مهزلة محاكمة” قناة الجزيرة ومكتبها الإعلامي في الرباط. ووجه الطرافة هو أن الجزيرة ومعها حقوقيون وصحافيون ومدافعون عن حريات التعبير والصحافة يكتشفون فجأة -هكذا وبدون سابق إنذار- أن المغرب يعرف تراجعا فظيعا في مجال حرية الصحافة والتعبير.

   هذا الاكتشاف المدهش والمفاجئ ذكرني بنكتة يتداولها المغاربة عن رجل ركب التاكسي وأخذ يقرأ الجريدة وكلما قلب صفحة قال: “وبلاد كحلة هاذي……”، وسائق التاكسي “لوطنيته وغيرته” اعتبر ذلك إهانة ولم يتوقف إلا في دائرة الشرطة ليخبرهم بما سمع ورأى، وبعد استنطاق الراكب أفرجوا عنه لأنه أخبرهم أنه كان يتصفح جريدة تصل من أحد بلدان إفريقيا السوداء فكان يعلق على أخبار المجاعة والحرب والاقتتال بـ”وبلاد كحلة هادي ……”، المهم أن “أصحاب الحال” أدخلوا السائق وأشبعوه ما لذ وطاب من “شهيوات بلادي”، فخرج ليجد الراكب في التاكسي ينتظره فكانت أول جملة نطق بها “وبلاد كحلة هاذي”، فكان جواب الراكب “ألم أقل لك ذلك”.

   نعم معاشر الإعلاميين والصحفيين والحقوقيين والسياسيين والمدنيين وما شاء الله من نعوت وألقاب وأوصاف، ألم نقل لكم مرارا وتكرارا أن المخزن في المغرب لا يتغير ولن يتغير فطبائع الاستبداد مورث من مورثات خارطته الجينية، وأن أي هامش للحرية ما هو إلا تلميع للواجهة وعملية “شد وجه” سرعان ما تكشف الأيام أنها تكتيك ومناورة لتجنب “السكتة” كما عبر الراحل الحسن الثاني، فالمخزن كسائر أنظمة الاستبداد في العالم العربي والعالم المتخلف إيمانه بالديمقراطية إيمان سطحي طقوسي يدخل في إطار العلاقات العامة والمجاملات مع العالم الغربي أو هو في أحسن الأحوال حقن مسكنة لاستيعاب الأوضاع المتأزمة داخليا. نعم كلما قلنا ذلك، قلتم أننا متحاملون على المخزن وعلى أشباهه من أنظمة الاستبداد وأكدتم أن الأوضاع إلى تحسن وأن تجربة المغرب تجربة رائدة!! وأن الانتقال الديمقراطي لا بد له من وقت، فانتظرنا. مضى عام وعامان وثلاث، ونوشك أن ننهي عقدا من “عهد سميتموه جديدا”، ولم يتغير شيء فالمخزن هو المخزن والتعليمات هي التعليمات والفساد هو الفساد والوضع لا يزداد إلا احتقانا وسوء. بل المؤسف جدا في كل ذلك أن المخزن استطاع أن يدجن نخبا من السياسيين والإعلاميين والمثقفين انخرطت بإخلاص في الترويج لخطاب يلمع واجهة المخزن إما ارتزاقا سياسيا، بعد أن صاروا “يتامى الإيديولوجية”، أو فزعا من فوبيا “الأصولية” التي خوف بها المخزن أعداءه وأولياءه بالأمس، فشكلوا معه تحالفا فيه المسطور وفيه المستور، فصاروا سفراء يسترون سوءاته في المحافل الدولية والمؤتمرات والأمميات مقابل “فتات”، وبعضهم كان أذكى بقليل فلم يجعل بيضه كله في سلة المخزن بل حافظ على منزلة بين المنزلتين، بين أن يمارس قناعته الديمقراطية والحقوقية والإيديولوجية دون أن يتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها المخزن له سلفا.

   الحرية كل لا يتجزأ، الحرية لا تقبل المهادنة ولا تقبل المساومة إما أن تكون ديمقراطيا حرا تومن أن الديمقراطية والحرية للجميع يتساوى في ذلك البوذي واللائيكي والإسلامي والديمقراطي واليساري والعربي والأمازيغي، وإما أنك في معسكر الاستبداد تخدم مشروعه بصمتك العاجز أو بتواطئك الصامت، ولعل أحد أكبر مآخذنا على جوقة “الحداثيين والديمقراطيين” عندنا وفي الغرب هو هذه “الديمقراطية الانتقائية” وهذا التنازل التكتيكي الذي يتحول إلى اختيار مع مرور الوقت. وهذا أيضا أحد مآخذنا على الجزيرة وخاصة مكتبها في المغرب الذي مع تقديرنا لما يبذله من مجهود لخدمة الإعلام الحر، ورغم تفهمنا لحساسية وضعه القانوني في المغرب، لم يكن-للأسف- في الموعد في عدة مناسبات وإن كانت قليلة، بسبب رضوخه لضغوطات المخزن وقبوله بصفقة مكتب في وضعية قانونية ملتبسة مقابل عدم تجاوز الخطوط الحمراء المتمثلة في الملكية والصحراء والإسلاميين الراديكاليين (العدل والإحسان)، وماذا كانت النتيجة في الأخير، بالأمس منع لبث نشرة المغرب العربي واليوم محاكمة مكتبها وغدا إغلاق نهائي للمكتب ومنع للجزيرة ومراسليها من المغرب والسبب الظاهر القانوني المعلن عدم احترام الشروط القانونية والفنية والأخطاء المهنية ووو… ما لا ينتهي من الأسباب التي لا يخلو منها جراب دهاقنة المخزن وحواته!!!”(1). والسبب الخفي المستور هو عداء متأصل للحرية ولحق الناس في مصدر محايد وموثوق للخبر، خاصة وأن المخزن كان يتوقع ولا يزال تطورات سياسية كبيرة وتحركات اجتماعية أكبر قد تساهم تغطية الجزيرة النزيهة في تأجيجها أكثر كما وقع في أحداث المحلة الكبرى بمصر، وأيضا هي ضغوطات أمريكية غربية فالجزيرة صارت تهدد مصالح أمريكا وحلفائها في المغرب العربي وإفريقيا بعد أن نجحت إلى حد بعيد في كشف خططها وأطماعها في الخليج والشرق الأوسط. إذن القضية أكبر من خطإ مهني قد يكون ارتكبه “مكتب الجزيرة في الرباط” المسألة قرار أمريكي، نية مبيتة واختيار استراتيجي للقضاء على الأصوات الحرة عندنا وفي الوطن العربي.

   ما يقال على الجزيرة يقال على “المساء” و”الأيام” و”الوطن” و”رسالة الفتوة” و”العدل والإحسان”، وما يقال عن “حسن الراشدي” يقال عن “علي المرابط” و”رشيد نيني” و”الجامعي” و”أريري” و”حرمة الله”، فمحاكمة الصحافة الحرة والجزيرة في مقدمتها لا تنفصل عن سلسلة من الأحداث الأخرى منها إغلاق مكاتب الجزيرة في العديد من الأقطار ومحاولة قصف مكاتبها وقتل صحافييها والتضييق عليها باعتبارها “قلعة ممانعة إعلامية” تنقل الحقيقة ولا تحرف الكلم عن مواضعه. إن ما فعلته الجزيرة في إعلامنا وحياتنا السياسية زلزال كبير فقد غيرت ملامحنا وسلطت الضوء على مواطن القوة والعزة والكبرياء فينا بعد أن غرقنا طويلا في سبات من روح الانهزام وثقافة الهزيمة. هذه كلمة حق لابد من قولها رغم بعض ملاحظاتنا وتحفظاتنا. وكلمة أخرى نختم بها، إن من يعادي الحرية إلى زوال لأن الحرية إرادة الله للبشر، “فمتى استعبدتم الناس وقد خلقهم الله أحرارا”.

—————————-

(1) كل حكم يصدر هو هدنة على دخن إلى حين.