4- أصل التفكير المنهاجيأ- السؤال الإنساني والعجز العقلي

إذا كانت قاعدة التفكير المنهاجي، بما هو عملية ذهنية عقلية، هي التفكر القلبي، فإن هذه العملية الذهنية لا تفضي إلى نتيجة متكاملة إلا إذا قامت على التسليم بقاعدة أخرى أثبتتها التجربة الإنسانية في صراعها المرير بين مكوناتها وفي علاقتها مع الطبيعة والسنن الكونية، وأرهق عدم اعتبارها التفكير الإنساني حيث وصل مدى هذا التفكير إلى الاعتراف الصريح أو الضمني بالحاجة القصوى إليها من خلال واقع أزمة التفكير البشري اليوم، لدى كبار المفكرين والفلاسفة، وعجزه عن الكشف عن حقائق وظواهر كونية وإنسانية وتفسيرها. وهذه القاعدة تقول: إن معنى الحياة يكتمل وفعالية التفكير تستوي وتستقيم حينما نسلم بأن هناك ما هو وراء الإدراك العقلي المجرد، وللإحاطة به لابد من أن يُعرض من طرف العالم به، ولن يكون إلا صانعه الذي يرسل من يدل عليه.

فمدى العجز الذي وصل إليه العقل السائد اليوم، وهو العقل الغربي، أمام هذا الزخم التفصيلي العلومي الهائل والمحير يجعل الحركة الإسلامية أمام مسؤولية عظمى في التقدم إلى العالم بإمكانية فتح آفاق التفعيل والتنوير الممكنين بتوفرها على قدرة التفكير المجيب عن أهم معضلات الكون وعلاقة الإنسان به وبأخيه الإنسان؛ ذلك أن الإنسانية عاشت وتعيش اليوم وستعيش في المستقبل آلاما جساما بين يدي قبضة نمط من التفكير لا يولد إلا العنف والعنف المضاد الذي دمر الإنسان جهلا به وأفسد في الكون لعدم العلم الكامل به على الرغم مما أسداه هذا التفكير للإنسانية من خدمات متقدمة.

وها نحن اليوم جميعا أمام مرحلة تاريخية للخروج من الحيرة الإنسانية والعنف الشامل والغموض المهول. ذلك أن أزمة العلوم الكونية اليوم، الخفية في كثير منها، وما ترتب عليها من اختلالات عظمى في الواقع الإنساني والكوني، تطرح السؤال الكبير على الجميع: هل سيرورة بناء العقل الإنساني إلى حد الآن وما ينتجه هذا العقل على مستوى كليات الوجود الإنساني وما تفضي إليه هذه النتائج من عمليات تفصيلية لخدمة هذا الإنسان أوصلت هذا الأخير إلى السعادة التي كانت وما تزال مطلبه الجوهري، وهل على الأقل تسير به في سكتها، أم هذا الهرج والمرج والعنف العالمي ما هو إلا تجل للعجز الحاصل في عملية التفكير بواسطة العقل السائد اليوم؟.

ب- مصدر قصور جواب الحركة الإسلامية ومصدر كماله

إن الدعوة إلى إحياء السنة النبوية الشريفة اليوم دعوة مقلوبة؛ فعوض أن تمشي على رجليها هاهي تمشي، في الغالب الأعم، على يديها حيث ينظر إلى إحياء السنة خلال عملية البناء الكلية من أبواب متفرقة غير متناسقة تشتت الإرادة ولا تجمعها، وتمزق الأرض ولا توحدها، وتبعثر الأفهام ولا تنظمها، بل الأمة في حاجة إلى من يقودها إلى الباب الجامع.

وهاهي الحركة الإسلامية السنية، في الغالب -إذ من الموضوعية العلمية أن تقرأ التجربة الشيعية منفردة نظرا لخصوصيتها ولإنجازها الكبير ولكنه هش- في هذه اللحظة من تاريخ المسلمين تؤدي ثمن عدم معرفة هذا الباب:

– قصور في الفكر للخلل في عملية التفكير.

– قصور في المنهج لعدم الإحاطة الكلية والجامعة بحقيقة السنة النبوية.

– قصور في الاقتراح والتنظيم وهو مترتب على القصور الفكري والعجز المنهجي.

وهو ما يعني أن الحركة الإسلامية اليوم في حاجة إلى عملية كبرى تحدث في مسار حركتها وقواعده تحولا كبيرا، ومن ثمة تفتح أفقا لحركة الفكر والتفكير الإنسانيين.

إن الحركة الإسلامية، والمشروع الإسلامي عموما، سيكون جوابهما عن معضلة التفكير الإسلامي، خصوصا، والتفكير الإنساني، عموما، ناقصا ولا يساهم جذريا في حل المعضلة الإنسانية إلا إذا دخل من باب الكمال ليخوض في التفاصيل متخلصا من عقدة هيمنة التفكير الغربي المتمترس وراء إنجازاته المادية الكبرى وقهره العسكري المحبط، وهو باب الوحي.

لذلك فأصل التفكير المنهاجي هو الوحي ولاشيء غير الوحي. ومن خلال الوحي نقرأ ناموس الكون ونستنبط عبره ودروسه وننظر بعيدا في تفاصيل الفكر وقضايا الإنسانية ومستجداتها ومستقبلها.

فإذا رجعنا إلى التجربة النبوية سنجد أن القلب المتفكر لما عمر بالوحي حصل الاستنتاج المطلوب: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 191].

ومن المعلوم أن مقر الوحي هو القلب؛ ففي سورة الشعراء، وبعد أن عرض الله تعالى على نبيه الكريم قصص الأنبياء: سيدنا نوح، وسيدنا هود، وسيدنا صالح، وسيدنا لوط، وسيدنا شعيب، عليهم صلاته وسلامه، وبعد أن بين سنته سبحانه في معاملة المكذبين برسله، أخبره بالأمر العظيم وهو القرآن الكريم؛ قال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)[الشعراء: 192-195].

هي أربع آيات بأربع مصادر:

1- تنزيل من رب العالمين.

2- نزل به الروح الأمين.

3- على قلب الرسول الكريم على الله.

4- لسان عربي مبين.

والهدف المباشر لتكون أيها النبي الكريم على الله من المنذرين، وأنت البشير النذير بنص القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً) [الإسراء: 45-47].

لذلك، فلتتقدم الحركة الإسلامية بالجواب عن السؤال الكبير وما يترتب عليه في أرض واقع الناس الفردي والجماعي، وهو عمل ذهني عقلي تفصيلي كبير ومتشعب، عليها أولا أن تنطلق من الوحي حين يستقر في القلب لتمتد دلالاته، كما سيتبين بعد، إلى العقل وباقي الجوارح فتنتظم في طريقة عرض متكاملة ومتسقة ومنظمة وقاصدة للقيام بوظيفة البيان المبين في الخطاب والسلوك، فهي بشارة ونذارة ودعوة إلى الله تعالى.

أي إن التفكير الإسلامي حين يتعاط مع قضايا الناس في كل أبعادها ومجالاتها للجواب عن مسائلها وقضاياها وهو ينطلق من الوحي على قاعدة التفكر القلبي يجعل من حركته في الواقع عمقا كبيرا، مما يفضي دوما إلى التغيير والتجديد في هذا الواقع، وبذلك يتجاوز العجز الحاصل في عملية التفكير عندما تستند كليا على العقل كمصدر أولي في بناء المعرفة وتحديد مضامين الفكر ومقاصد حركته، فيكون الوحي مصدر العلم والمعرفة والقلب مقر استقرارهما والعقل وسيلة بيانها وتبليغهما.

فمن الخطأ أن يعتبر تحصيل هذا العلم وهذه المعرفة عن طريق الشحن الفكري والتلقين العقلي المجرد، ولكنها عملية تربوية عميقة تدور على القلب أولا لتنظم باقي الجوارح في إطار إنجازها على أرض الواقع، أي تستهدف الإرادة أولا لتجعلها حرة طليقة غير مقيدة بقيد لتفعل في الواقع الفردي والجماعي بناء مستقيما حرا وقويا.

ولهذا كان الأصل في العمل الإسلامي والتربية الإسلامية العمل أولا على أخذ الرحمة القلبية بما هي موضوع الوحي وحقيقة النبوة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]. وطريق ذلك الصحبة القلبية لأن معاني الوحي الكلية لا يسعها العقل على أصلها، بل القلب هو مقرها ثم يأتي دور العقل عبر التربية المستقيمة والمتكاملة ليقوم بترجمتها ونظمها وإخراجها إلى الواقع بيانا مبينا.

قد يقول قائل هذا مجرد كلام. ولكن الحقيقة أنه حاصل في الواقع المجرب حتى صار هذا الواقع أكبر دليل على الدعوى. ومن لم يصدق يجرب. فالرحمة هنا معنى شامل له تفاصيله في كل ميدان وفي كل مجال يتصرف وظف فيها العقل حكمة.

ومن هذا المنطلق فإن عملية التفكير لدى الحركة الإسلامية بالغة الأهمية والخطورة.

فأهميتها أنها إذا حصلت على الطريقة النبوية المطلوبة كانت خيرا كليا على الناس أجمعين، وخطورتها أنها إذا لم تحصل على الطريقة النبوية تجني على الحركة وعلى الناس أجمعين في الغالب الأعم.

إن مظاهر العنف في تاريخ المسلمين وحاضرهم هي نتيجة حتمية لعدم حصول عملية التفكير على هذه الطريقة النبوية، وإنه لا علاج لواقع المسلمين اليوم وفي المستقبل إلا بالعمل الدؤوب ليحصل النظر والاجتهاد في قضايا الناس والإنسانية والحركة من خلال عملية تفكير كبرى على المنهاج النبوي. ولذلك كان معنى التفكير المنهاجي هو ممارسة الحكمة العقلية بعد انطلاقها من أصل الوحي الذي يعمر القلب بمعاني الرحمة الشاملة.

ت- معنى الحكمة العقلية

إذا كانت الرحمة القلبية تحصل حين يعمر القلب الوحي عبر الصحبة القلبية، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير إنه لا يُوحى إليه فعليه ألا يجِد مع من وجد وألا يجهل مع من جهل فإن في جوفه كلام الله تعالى) [ أخرجه الحاكم (2028) 1/738، وصححه على شرط مسلم]. فإن الحكمة تتجلى بناء على هذه الرحمة القلبية في موافقة قصد الله تعالى من شرعه في المسألة المنظورة أو المجتهد فيها. وحين تحصل موافقة قصد الشارع على هذا المستوى فلاشك أنها توافق قصده سبحانه من حركة الكون التي لا قدرة لأحد على تحريف مسارها العام وإن أفسد فيه، فالفساد فيه يرجع على الإنسان، لقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [ الروم: 41]، وقال سبحانه: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30].

فحصول هذه الموافقة هو عين الحكمة، ولذلك كانت الحكمة نورا، ولذلك سماها الإمام مالك رحمه الله تعالى بمسحة ملك على قلب المؤمن.

التفكير المنهاجي حكمة عقلية قاعدتها التفكر القلبي ومصدرها ما يعمره من وحي، وهو القرآن الكريم الذي هو حقيقة النبوة.

قال الله تبارك وتعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) [البقرة: 269].

وهو ما يعني أن جوهر جواب الحركة الإسلامية عن سؤال الإنسانية وما تعانيه اليوم، هو نور القرآن الذي ينبغي أن يسري في تفاصيل الحياة الإسلامية ويشع على العالمين في أفق بناء النظام العالمي الذي يرعاه هذا النور وتعم به الرحمة على كل الناس ويزهق به باطل المستكبرين والمعتدين ويصبح في موقع الضعف لا في موقف الهيمنة والتسلط والصد عن الله تعالى والاعتداء على الخلق. فهو هداية من جهة ومحاربة للظلم والظالمين من جهة أخرى.