“أحارب في ثلاث جبهات: أمراض الشيخوخة والسرطان والفساد والفساد هو أصعب هذه الجبهات بالنسبة إلي”بقلم: ذ. محمد ديرا / [email protected]

كنا في هذه الحلقة من سلسلة “شخصيات خالدة” على موعد مع الزعيم والمناضل الهندي المهاتما غاندي، لكن وفاة المفكر المصري والعربي والإسلامي الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري جعلتنا نؤجل الحديث عن غاندي إلى الحلقة القادمة (إن شاء الله) لنفسح المجال في هذه السطور للراحل الكبير والقدير والعزيز إهداء منا إليه، سائلين من الله تعالى أن ينزل عليه شآبيب رحمته ومغفرته ورضوانه.

المولد والحياةأطلق الدكتور عبد الوهاب المسيري صرخته الأولى في أكتوبر 1938 بمدينة دمنهور بمصر، حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1964 وعلى الدكتوراه في الأدب الإنجليزي والأمريكي المقارن سنة 1969، انتمى إلى حركة الإخوان المسلمين في بداية شبابه ثم انتقل إلى التيار الماركسي الذي لازمه لسنوات، كما انبهر بعد ذلك بالغرب لينتهي به المطاف بما أسماه أحدهم “شاطئ الثقافة الإسلامية”، كل ذلك جعل كتاباته ودراساته تتسم بالعمق والجاذبية رغم ما يمكن أن تختلف معه فيه.

بدأ الدكتور حياته المهنية معيدا في جامعة الإسكندرية، لكن بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية حائزا على شهادة الدكتوراه أصبح أستاذا جامعيا بجامعة عين شمس بمصر وجامعات عربية أخرى بالسعودية والكويت وغيرهما.

كان الراحل عضوا بمجلس الخبراء التابع لمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام ،ومستشارا أكاديميا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وعضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في ليسبرج بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشارا للتحرير بعدد من المجلات والحوليات الهامة التي تصدر من ماليزيا وإيران وانجلترا وفرنسا والولايات المتحدة& إلى غير ذلك من المسؤوليات.

تولى الراحل في يناير 2007 وهو المثقف والأكاديمي الكبير مهمة المنسق العام لحركة كفاية (الحركة المصرية من أجل التغيير) المعارِضة للنظام والتي تدعو إلى تغييره بالطرق السلمية، ليعد نضاله في إطار هذه الحركة والتي كان من مؤسسيها أحد أبرز التحولات الكبرى والأساسية في مسار الرجل حيث تصدى مع باقي كفاءات مصر وفاعليها إلى قضايا الفساد وانتهاك الحريات والتنديد بما سمي “توريث الحكم” (يُقصد به تولي جمال مبارك منصب الرئاسة بعد والده حسني مبارك كما حصل بسوريا من قبل). ولم يكتف الراحل بنضال البيانات والتصريحات فقط، بل كان ينزل إلى الشارع ويشارك في الوقفات والمسيرات والتظاهرات وهو ذو السن المتقدمة والذي كان يعاني أمراضا عدة من بينها السرطان.

اشتهر راحلنا الكبير بالدعوة القضائية التي رفعها ضد الرئيس حسني مبارك في إطار الحملة المصرية للحفاظ على اللغة العربية، كما تصدى لمقترح صهيوني يقضي بتدريس اللغة العبرية كلغة ثانية في المدارس المصرية، إلى غير ذلك من المعارك الهامة التي خاضها بإقدام ليجمع الراحل بين المثقف والأكاديمي والفاعل السياسي المعارض والمقاوم للفساد ليس بالكتابة فقط وإنما بالنزول إلى الشارع أيضا.

وإذا كان النظام المصري من أشد الأنظمة العربية استبدادا فطبيعي أن يقابل نضال الرجل وكفاحه بإرهاب الدولة والمضايقات الأمنية، ومن بين ما عاناه من النظام المصري اختطافه هو وزوجته حينما كانا في طريقهما ذات يوم للمشاركة في تظاهرة ضد الغلاء دون مراعاة لسنه أو مرضه وقد تم الرمي بهم في منطقة صحراوية خارج القاهرة، إلى غير ذلك من المضايقات التي كان يتعرض إليها.

من مؤلفاتهترك أستاذنا الكبير العديد من المؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية، ولعل أبرزها “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد” والتي تصنف ضمن أهم الموسوعات العربية وأبرزها في القرن العشرين وقد قضى في تأليفها ربع قرن، كما كان يُعد لموسوعة أخرى عنوانها “الصهيوينة و إسرائيل” وهي تبحث في “إسرائيل” من الداخل.

ويمكن أن نذكر من مؤلفاته على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

– نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني

– العنصرية الصهيونية

– اليهودية والصهيونية وإسرائيل: دراسة في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع

– الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية

– الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة

– الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية: دراسة في الإدراك والكرامة

– الأميرة والشاعر: قصة للأطفال

– الجمعيات السرية في العالم

– إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد

– أسرار العقل الصهيوني

– الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة

– موسوعة تاريخ الصهيونية

– اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية

– فكر حركة الاستنارة وتناقضاته

– قضية المرأة بين التحرر والتمركز حول الأنثى

– نور والذئب الشهير بالمكار: قصة للأطفال

– سندريلا وزينب هانم خاتون: قصة للأطفال

– رحلة إلى جزيرة الدويشة: قصة للأطفال

– معركة كبيرة صغيرة: قصة للأطفال

– سر اختفاء الذئب الشهير بالمحتار: قصة للأطفال

– العلمانية تحت المجهر (بالاشتراك مع مؤلف آخر): سيرة غير ذاتية غير موضوعية – رحلتي الفكرية – في البذور والجذور والثمر-

– الأكاذيب الصهيونية من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى

– الصهيونية والعنف من بداية الاستيطان إلى انتفاضة الأقصى

– قصة خيالية جداً: قصة للأطفال

– العالم من منظور غربي

– قصص سريعة جداً: قصة للأطفال

– من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية: أثر الانتفاضة على الكيان الإسرائيلي

– الإنسان والحضارة والنماذج المركبة: دراسات نظرية وتطبيقية

– مقدمة لدراسة الصراع العربي – الإسرائيلي: جذوره ومساره ومستقبله

– الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان

– العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة

– الحداثة وما بعد الحداثة (بالاشتراك مع مؤلف آخر)

بالإضافة إلى أعمال أخرى باللغة الإنجليزية، والعديد من المقالات والإسهامات في الجرائد والمجلات والحوليات، كما صدرت العديد من الدراسات عن أعمال الراحل قام بها كتاب ومفكرون.

شهادات تقديرية وجوائزحصل الدكتور على عدة شهادات تقديرية وجوائز تقديرا لأعماله، حيث حصل على شهادات تقدير من جامعة القدس، ومن رابطة المفكرين الاندونيسيين، ومن مؤتمر أدباء مصر السابع عشر، ومن نقابة الأطباء العرب، ومن نقابة أطباء القاهرة، ومن الجامعة الإسلامية بماليزيا، ومن محافظة البحيرة بمصر، ومن جامعة الإمارات عن موسوعته الكبيرة، كما حصل على جائزة سوزان مبارك لأحسن كاتب لأدب الطفل، وجائزة أحسن كتاب عن كتاب: “رحلتي الفكرية& ” بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وجائزة سلطان العويس بالإمارات العربية عن مجمل إنتاجاته الفكرية،

إلى غير ذلك من الشهادات والجوائز التي حصل عليها، وتبقى أعظم شهادة وأكبر جائزة هي نيل رضا الله تعالى التي يجب أن يسعى إليها الإنسان من وراء كل عمل يقوم به. نسأل الله تعالى له الرحمة والمغفرة والرضا والقبول.

وفاتهتوفي رحمه الله فجر يوم الخميس 3 يوليوز 2008 (قبل أربعة أيام) بمستشفى فلسطين حيث كان مصابا بمرض السرطان كما ذكرنا، وشيعت جنازته بعد صلاة ظهر نفس اليوم حيث شارك فيها المئات من المصريين والعديد من المفكرين والعلماء يتقدمهم الدكتور يوسف القرضاوي والمفكر القدير فهمي هويدي والدكتور سليم العوا ووفود عن مكونات حركة كفاية.

شهادات حول الراحلمهدي عاكف (المرشد العام للإخوان المسلمين):

إن مصر والأمة العربية والإسلامية فقدت عالما جليلا ومفكرا متميزا.. صاحب أفضل موسوعة عن الصهيونية وأكبر مؤلف عن الفساد في مصر.. جمع الرجل بين مقاومة عدو الخارج: الصهيونية وعدو الداخل: الفساد.. كان يردد دائما أنه يحارب في ثلاث جبهات: أمراض الشيخوخة والسرطان والفساد وأن الفساد كان أصعب هذه الجبهات بالنسبة إليه.. كان يحارب مرضا خبيثا (السرطان) ويحارب مرضا أخبث هو الظلم والاستبداد في مصر.. أمثال هذا الرجل من العظماء والشامخين لاعلاقة لهم بنظام منبطح وفاسد.

فهمي هويدي (مفكر مصري معروف):

كان المسيري شخصية كبيرة ذات مكانة كبيرة في الإدراك العربي من خلال مساهماته الثقافية والنقدية المتنوعة والتي امتدت إلى القصة القصيرة، عرف الراحل بدفاعه عن الهوية العربية في وجه المد الغربي.

من الصعب أن نرى شخصا واحدا بإمكانه أن يملأ الفراغ الذي تركه المسيري، لم يكن الراحل موسوعيا فقط بل كان مهموما بقضايا أمته وشارك بجهده في النضال الوطني ليكون بذلك نموذجا للمثقف الذي يخرج من برجه العاجي ليشارك في المظاهرات وليقود حركة التمرد في الشارع.

راشد الغنوشي (رئيس حركة النهضة التونسية):

كان نبأ حزينا نبأ وفاة صديقنا العزيز الدكتور عبد الوهاب المسيري رغم أن أخبار مرضه كانت معلومة عند أصدقائه، لكن مصيبة الموت تمثل صدمة ولا شك.

مثل الراحل عنوانا لمدرسة التجديد أو ما سماه بالمدرسة التجديدية الحديثة في الفكر الإسلامي، إذ إنه أعاد الاعتبار للفكر الفلسفي وسط فكر إسلامي فشا فيه التسطيح إلى حد التكفير تحت عنوان زائف من السلفية.

كان للمسيري مشروع متعدد الأبعاد وحاول أن يخرج الفكر الإسلامي من المستوى النظري إلى المستوى الميداني، ومن التحزب الضيق إلى اللقاء بين المدارس الفكرية المختلفة

انفتح على الفكر العالمي ناقدا للحداثة وما بعد الحداثة، وناقدا وأديبا، طور الدراسات الأدبية العربية وحاول الانتقال بالفكر الإسلامي إلى ميدان النضال مع التيارات الأخرى، فلم يكن عجبا أن انتهت إليه رئاسة حركة كفاية.

منير فخري عبد النور (حزب الوفد/ حزب ليبرالي مصري):

خسرنا اليوم قيمة علمية ووطنية، كان حماسه حماس شاب في العشرين وهو يدافع عن مصر..”

يجب نشر وتدريس كل ما يخص حياة المفكر الراحل للحفاظ على الميراث الثقافي والإنساني والوطني الذي تركه.. كان دؤوبا في حثه، عميقا في إيمانه، متحمسا في مواقفه، وهو من الرموز الجميلة والشامخة لهذا الجيل.. عدم مشاركة مسؤولين حكوميين في تشييع المسيري أمر متوقع ومعتاد من النظام المصري مع معارضيه ومن لا يعرف كيف يختلف مع الأحياء لا نتوقع منه أن يسامح الأموات”.

إلى غير ذلك من الشهادات التي صدرت في حق الفقيد سواء من شخصيات إسلامية أم يسارية بل وحتى من الحزب الوطني الحاكم بقبضة من حديد على مصر، فقد أشاد أحد قيادييه بالمسيري المفكر والأكاديمي وتحفظ على المسيري السياسي والمناضل.

ختاما رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته.