قال المستبد:سأحرمكم حتى يذل صعابكم *** وأبلغ شيء في صلاحكم الفقر   لم تكن أحداث السبت الأسود بسيدي إيفني إلا تعبيرا فاضحا لحقيقة وجوهر النظام المخزني الذي حاول مرارا، ورغم كل التقارير الدولية أن يظهر بغير مظهره الحقيقي وأن يدعي وصلا بالحريات وحقوق الإنسان، وهي منه براء. عهد جديد زعم أنه مسح أحزان السنوات الكبيسة، سنوات الجمر والرصاص، وجدد آمال الناس في مستقبل واعد.

   أتت هذه الأحداث المرعبة لتعلن هذه الحقيقة أن المخزن هو هو لم يتغير، ولن يتغير، وأن العهد القديم والجديد وجهان لعملة واحدة، وتضيف فصلا جديدا للسجل التاريخي الأسود الحافل بالانتهاكات لحقوق المواطنين، وتعلن عن الخطر الذي صار يهدد الوطن برمته.

   حركة احتجاجية عبرت عن واقع التفقير والتهميش الذي تعيشه ساكنة مدينة سيدي إيفني، وأخواتها من المدن المغربية المفقرة في ظل نظام سياسي استنفذ أغراضه بعد أن أعلن الملك الراحل بأن المغرب مهدد بسكتة قلبية.

   نظام مخزني قتل كل استقلالية للمجتمع وأعدم فيه كل إمكان لبناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية تتيح لقواه التعبير عن حاجياته بكل وضوح ودون خوف أو وجل.

   أريد لهذا الوطن أن يبقى في هذا السكون القاتل، لا اعتراض، ولا احتجاج، بل صبر، واحتمال، واحتساب، يهان المواطن في أعز ما يملك، تداس كرماته إن بقي منها شيء، تنهب ثرواته على مرآ ى ومسمع منه، وعليه أن يبقى شاكرا سيده وولي نعمته الذي رضي له أن يكون من بين رعاياه.

   التدخل المخزني العنيف الوحشي، وإنزال العقاب الجماعي على ساكنة سيدي إيفني كانت العبرة منه الإذلال حتى الدرجة القصوى، وقتل كل إرادة صادقة، وإسكات كل صوت حر، يأبى عليه دينه أن يعيش مستكينا مهانا، قد استولى السفهاء على حاضره ومستقبله.

   رصاص مطاطي، اقتحام للبيوت، تحرش جنسي، ضرب بلا هوادة، إهانة الشيوخ، إرهاب الأطفال، استيلاء على المدارس وتحويلها إلى ثكنات عسكرية … إلخ، كل هذه الجرائم ارتكبت من طرف من أوكل إليهم الحفاظ على أمن وسلامة الموطنين.تلك الجرائم في حق ساكنة سيدي إيفني، كانت تحمل بعدا اجتماعيا هو “العبرة”. فصانعوا السياسة في بلدنا يدركون أن البلد على فوهة بركان جراء السياسة العدمية السائدة. ولذا لابد من سحق أي حركة اجتماعية سلمية مطالبة بالحق في الحياة.    العبرة إرهاب الناس كلهم، وإجبارهم على أن يقوموا بأنفسهم بكبت تطلعاتهم وسحقها في أعماقهم، لأنها لا تخدم “المصالح العليا للبلاد”، وإلا واجهوا المصير ذاته الذي واجهه ساكنة سيدي إيفني وصفرو وما تعيشه جماعة العدل والإحسان منذ النشأة إلى يومنا الحالي.

   المخزن لا يعالج المشاكل التي تخنق المواطنين إلا بممارسة القمع والأذى المادي والمعنوي عليهم حتى يجبر الجميع على الرضوخ والسكون. وحين تتفاقم المشكلات وينفجر صبر الناس يكون الحل المخزني على طريقة داركبولا، إذ يروي كريستوفرلي في مقدمة كتابه “مجموعة الشر” كيف أن ممثلين عن قرية برازوف جاءوا إليه لينقلوا شكوى أهل القرية الذين أرهقتهم الضرائب، فلم يبق لديهم حتى ما يأكلونه، فأمر داركبولا بجمع أهل القرية في الكنيسة ثم أحرق الكنيسة بمن فيها، وحين اضطرمت النيران قال “هذا يحل مشكلة الفقراء في برازوف”.

   يريد القامع أن يقمع شيئا واحدا في المقموع هو جوهر حياته، يريد مواطنا بدون إرادة ولا حرية ولا كرامة، فهذه زوائد إن لم تقتل، وفي أعماق الإنسان يستحيل استمرارية الاضطهاد والاستغلال.

   السؤال المطروح هنا إلى متى هذا العنف والتعامل الدوابي مع هذا الشعب المغبون؟ وهل فعلا فقدنا كرامتنا وتضامننا حتى صرنا نتعود الإذلال المحيط بنا، لنا ولغيرنا؟كنا إذا أرغم الأعـــداء هيبتــنا *** أو استباحوا الحمى بالشجب ننتصر

واليوم لا شجب حتى الشجب مجترم *** تأسى له المهــج الحرى وتصطبر   علمتنا سنة الله في الكون أنه قد يتأخر انتصار الشعوب وظفرها بحريتها لسبب أو لآخر، لكنها حتما لا تخيب، وليس مطلوبا منا سوى أن نعقلها، ونتوكل على الله، وإن الأيام لحبلى وربك يمهل ولا يهمل.