مفهوم العمل السياسي الإسلامي   اتضح لنا مما سبق أن السياسة، بشكل عام، عمل يتطلب تفكيرا وحركة وجهودا، لكن نريد أن نخصص هذه الحلقة لتبيان فرق نراه مهما، نميز من خلاله بين العمل السياسي في الإسلام والعمل السياسي خارجه.

   يُعَرِّف محمد عبد الجبار العمل السياسي الإسلامي بأنه: “حركة الإنسان المسلم في الواقع لتغييره، وإنجاز مشروع الثورة، واستلام السلطة، وإذا تم ذلك، يكون العمل السياسي الإسلامي، هو حركة الإنسان المسلم في ذلك الواقع، للمحافظة عليه، وتعميق أسلمته وإصلاح ما قد ينشأ فيه من انحراف. وهذه الحركة تنبثق من الرسالة الإسلامية أي من المفاهيم الكلية للكون والحياة والإنسان والمجتمع والتاريخ والثورة “. (17)

   لا نريد التعليق على هذا التعريف، فلعل في ختام هذه الدراسة سيستنتج القارئ الكريم تعريفا ورؤية أخرى، ولعل الألفاظ المستعملة محتشمة لا يريد صاحبها وهو اللبناني الذي يريد الاندماج في الحياة السياسية اللبنانية، دون حزازات طائفية- توضيح الواضح، لكن إذا رجعنا إلى علمائنا الأفذاذ، أيام عزة الإسلام، نرى الفرق واضحا، فهذا الإمام الغزالي رحمه الله يعرف السياسة بأنها: “استصلاح الخلق لإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة”(18). الطريق المستقيم!؟، الدنيا والآخرة!؟، أين هذا اللفظ الواضح من لفظ “تعميق الأسلمة”؟ ودائما في نفس السياق يقول ابن عقيل رحمه الله: “هي ما كان فعلا، يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يكن وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي”(19). ونضيف تعريفا آخر للأستاذ صلاح الصاوي يدقق أكثر في صيغة العمل السياسي باعتباره يشكل الفرق الأساس، وإن كان في رأينا تعريفه تحجيم لمعنى هذا العمل، لأنه يحصره في العمل من خلال المؤسسات الرسمية: “العمل السياسي أسلوب من أساليب التغيير المطروحة على صعيد العمل الإسلامي المعاصر، ويراد به السعي إلى تكوين الأحزاب أو المشاركة فيها، أو الاشتراك في البرلمانات ومجالس الشورى، وغيرها من المؤسسات السياسية للدولة، مع ما قد يستتبعه ذلك من التحالفات المؤقتة مع بعض القوى السياسية الأخرى، بغية التمكين لشريعة الله من خلال هذه المواقع، أو تحصيل بعض المصالح الشرعية للحركة الإسلامية، ومنع أو تخفيف بعض المظالم الواقعة عليها”.(20) هذه النظرة للعمل السياسي من قبل الإسلاميين جعلت البعض يطرح في الساحة تسمية أخرى هي الإسلام السياسي والتي هي ” عبارة عن مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره منهج حياة (…) الإسلام السياسي بالمفهوم الغربي يمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية والتي يستخدمها مجموعة يطلق عليهم الإعلام الغربي “المسلمين المتطرفين” الذين يؤمنون أن الإسلام ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة.”(21). لاحظ تعميم نعث المسلمين المتطرفين!!! وهذا مشكل آخر ليس مكانه في هذه الفقرة.

   فميزة العمل السياسي الإسلامي عن غيره:

      1- أنه يجعل مرجعيته دينا شاملا متكاملا، هو الإسلام، وهو بهذا يختلف حتى عن العمل السياسي الذي يجعل مرجعيته المسيحية للاختلاف البين بين الإسلام والمسيحية.حيث يلاحظ أن اللجوء إلى الإسلام في العمل السياسي، ليس من قبيل استلهام القيم العامة، كما هي حال الأحزاب المسيحية الأوروبية؛ ولكنه من منطلق أن الإسلام دعوة ودولة، وعقيدة وشريعة، ودين ودولة، ومنهاج حياة، سواء الحياة الدنيا أو بعد الحياة بعد العرض على الله عز وجل.

      2- أنه لا يفصل الشأن الدنيوي عن الشأن الأخروي، لأنهما لا ينفصلان. يقول الله تعالى “يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ” (آل عمران: 30). ما عملت أين؟ في الحياة الدنيا طبعا.

      3- أنه يربط بين الشأن العام والخاص، فلا يقتصر على شأن المجتمع في انفصال عن شأن الأفراد لاقتناع تام أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فقد روى الحاكم رحمه الله في المستدرك عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الدنية من نفسه طائعا غير مكره فليس مني”.

      ولنتأمل هذا الكلام النفيس “ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا؛ فاتك نصيبك من الآخرة، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة؛ مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما”.

      4- أن هدفه المصلحة مثله مثل السياسة عموما لكن هناك تمييزا كبيرا بين المصلحة المعتبرة شرعا والمصلحة المعتبرة في السياسة.

      5- أنه لا يتصور الغير عدوا ولا حتى خصما ولكنه يعتبره مستهدفا بالدعوة، وهو، في آخر الاحتمالات، منافس في الخير، والتنافس في الخير مندوب ” وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ” (المطففين: 26).

      6- أنه يعتبر السياسة وسيلة وليست غاية، لقول الله عز وجل” الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” (الحج : 41 )وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “ينبغي أن لا ينسي الوزن السياسي والوظيفة السياسية النقابية، الواجب على الجماعات الإسلامية الاضطلاع بها، وظيفتها الكبرى: ألا وهي تنشئة أجيال صادقة صلبة تخضع لشرع الله، وتعبد الله وحده لا شريك له، وتجاهد في سبيل الله، لتكون في الأرض كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا أو نافقوا واستكبروا في الأرض و ظلموا هي السفلى”(22).

      7- أنه يعتبر السياسة خدمة عمومية وليست مصدر إثراء أو وسيلة للتسلط على رقاب الناس، ولأنها كذلك فهي من أقرب الطرق الموصلة لمحبة الله عز وجل فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله». سيما إن رافق ذلك نية صالحة وصواب في الأداء.

      8- أنه لا يميز في مجال الأخلاق والتخليق بين السياسة والسياسي، لأن ما يهم في مجال السياسة عموما حين يتحدثون عن تخليق السياسة هو نزاهة الوسائل ونبل الأهداف والخضوع لضوابط مادية ومعنوية، أو قانونية وأخلاقية؛ ولا حديث عن أخلاق السياسي. فذلك شأن خاص لا علاقة له بالعمل السياسي.

في الحلقة القادمة نفصل إن شاء الله في هذه الفروق، وخاصة تلك التي تثير نقاشا واسعا في الساحة السياسية.

——————————————–

(17) محمد عبد الجبار: العمل السياسي الإسلامي بين الواقعية والمبدئية. مقال منشور بمجلة المنطلق، عدد 64، شعبان 1410، ص 64.

(18)(19) منبر الحوار، السنة 8، عدد 9، صيف 1993، ص 143.

(20) صلاح الصاوي: مدارسة العمل السياسي من منظور إسلامي، رسائل الصحوة 1، مطبعة النجاح، البيضاء، ص 3.

(21) http://ar.wikipedia.org/

(22) عبد السلام ياسين: “رسالة إلى الطالب والطالبة” رسائل الإحسان2، ط1، 1995، مطبوعات الأفق، ص17.