مقدمات لابد منها:- سنة ماضية: سنة الله تعالى في دعوة الرسل وأتباعهم الابتلاء؛ فالتدافع بين الحق والباطل قائم ومستمر إلى يوم القيامة، من أهل الحق البلاغ ومن أهل الباطل الصد والكيد والعدوان.

– تناقض واختلاف جوهري: إن بين أهل الحق وأهل الباطل اختلافا في عدة أمور ذكرها القرآن الكريم للتبصرة والعبرة:

   * في النيات: قال تعالى: “الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت” (النساء:76).

   * في الدين: قال عز وجل: “لكم دينكم ولي دين” (الكافرون: 6).

   * في العمل: قال جل شأنه: “لنا أعمالنا ولكم أعمالكم” (الشورى:15).

   * في الغاية: فمطمح المومنين جنة الله ورضوانه قال تعالى: “إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة” (التوبة: 112) وغاية الكفار التمتع بزينة الحياة الدنيا قال عز وجل: “والذين كفروا يتمتعون وياكلون كما تاكل الأنعام والنار مثوى لهم” (محمد:12).

   * في الولاية: فالمومنون نصرتهم في الله قال تعالى: “والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض” (التوبة: 71)، والكفار نصرتهم ضد الدعوة قال عز من قائل: “والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير” (الأنفال:73) .

– “وحرض المومنين”: أمر الله تعالى في هذا التدافع رسله بتحريض المومنين وتثبيتهم وتربيتهم على نصرة المستضعفين، قال تعالى: “فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المومنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا” (النساء:84)، وقال سبحانه: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا” (النساء:75).

– “لا يخلف الله وعده”: لما أمر الله رسله وأتباعهم بالقتال في سبيله والتدافع مع أعدائه وعدهم بالدفاع عنهم ونصرتهم واستئصال شأفة الأعداء قال تعالى: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا” (الحج:38)، وقال عز وجل: “إن الذين يحادون الله ورسوله أولائك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز” (المجادلة: 20  21).

1- في معنى الابتلاء:جاء في لسان العرب جذر بلي: “وابتلاه الله: امتحنه… والبلاء يكون في الخير والشر… والله تعالى يبلي العبد بلاء حسنا وبلاء سيئا. والجمع البلايا… والبلاء: الاختبار”1.

وقال الراغب: “وسمي التكليف بلاء من أوجه:.. والثاني: اختبارات، ولهذا قال عز وجل: “ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين” (محمد:31)، والثالث أن اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء…”2.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “الفتنة الابتلائية تتمثل في ابتلاء بعض الناس ببعض، وفي تمتيع الله عز وجل بعض الناس بزينة الحياة الدنيا، وفي قبضه سبحانه عن البعض وامتحانهم بالشدة، وفي عدوان الكافرين على المومنين، وفي نزغات الشيطان، وفي فتنة الحاكم المستكبر للناس، وفي إغراء الماكرين وتخويف المعتدين”3.

للابتلاء معاني عديدة، وسيكون مدار الحديث في هذا الموضوع عن الابتلاء الذي تتعرض له دعوة الرسل ومن حمل رسالة الله بعدهم من الأعداء والمبطلين، تمحيصا من الله تعالى وتمييزا للخبيث من الطيب والقاعد من المجاهد وابتلاء لما في الصدور قال تعالى: “ما كان الله ليذر المومنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب” (آل عمران:179)، وقال عز وجل: “وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور” (آل عمران:154)، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لكن حكمته في الفتنة ليظهر في الواقع ما هو كامن في استعداد الفطر ومكنون القدر”4.

2- الرسل: صناعة على عين الله:اصطفى الله الرسل وبعثهم إلى الناس مبشرين ومنذرين، فكان منهم مومنون استجابوا لداعي الإيمان ونداء الفطرة، ومنهم مكذبون استمسكوا بما وجدوا عليه آباءهم واستفرغوا جهدهم في إيذاء الرسل وأتباعهم المومنين، قال تعالى يوصي حبيبه صلى الله عليه وسلم: “ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله” (الأنعام:34).

لاقى رسل الله بلاء من أقوامهم فصبروا وكان منهم أولي عزم وجد وثبات وصبر كما قال عز وجل آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم مسليا له عما يلقاه من كفار قريش من ألوان التكذيب وصنوف التعذيب: “فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل” (الأحقاف:35)، فبرهنوا في واقع دعوتهم على استعداد فطري كامل لتحمل الأذى والصبر على البلاء لأنهم صنعوا على عين الله تعالى كما قال عن كليمه موسى: “ولتصنع على عيني” (طه:39)، وعن حبيبه- وهما من أولي العزم-: “فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ” (الطور:48)، فكانوا مدرسة جهادية تتعلم منها أجيال الإيمان عبر الأزمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل” رواه الترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجة.

3- التربية النبوية للرجال: صناعة الجيل القرآني:

3-1- الدعوة النبوية وحضور الابتلاء:

لم تكن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بدعا من دعوة الرسل من قبله في الابتلاء، فهو حاضر حضورا قويا بينا في سيرته وجهاده بكل مراحله، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين يلخص مراحل الدعوة المحمدية ومعالمها الكبرى: “لم تكن سيرته صلى الله عليه وسلم وجهاده ملتويين، بل عمد إلى رأس الكفر كما فعل رسل الله من قبله فتحداه، ثم صبر هو وأصحابه، وصانعوا ظروفهم، حتى أذن الله بالهجرة، وبعد الهجرة كانت المواجهة والمصابرة حتى نصر الله”5.

لم يسلم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم طيلة هذه المراحل من الابتلاء المتلون المتغير بتغير تفكير الأعداء وتدبيرهم للنيل من الدعوة: سخرية وتكذيب، صد الناس عنها، إثارة الشبهات حول القرآن، تعذيب الصحابة أمثال بلال وعمار وأبيه وأمه سمية- أول شهيدة في الإسلام- وخباب …، حصار اقتصادي، التهديد بإبلاغ الخسارة في المال، الإغراء بالمال والملك، الهجرة وترك الأموال والديار، المقاتلة والمحاربة، تحزيب الأحزاب والهجوم في عقر الدار، كيد اليهود وغدرهم…

ثبت الرسول صلى الله عليه وسلم أمام كل ابتلاء، وثبت معه أصحابه رضي الله عنهم ضاربين أروع المعاني على صدق الإيمان وسلامة الفطرة وحب الدين وسمو النفس والروح المتطلعة إلى السلعة الغالية، فكانوا ” رجالا صنعتهم التربية النبوية ومحصهم الله بالأذى والشدائد”6.

3-2- الملامح الكبرى للتربية النبوية للرجال:

– صياغة جديدة وتحويل فريد من رجس الشرك إلى طهر الإيمان: يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله: “عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها، ولا يعرف محلها وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاد إلى الأرض فاوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديدة وأثار من دفائنها وأشعل مواهبها ثم وضع كل واحد في محله فكأنما خلق له، وكأنما كان المكان شاغرا لم يزل ينتظره ويتطلع إليه”7.

– رجال عدل وإحسان عملوا للمعاد وأمنوا المعاش وجاهدوا في الله حق جهاده: يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين أن السيرة النبوية تزخر” بالأمثلة الحية لرجال دعوا النفس البشرية للتسامي عن خسة الأرض ودنسها، لكنهم جاهدوا لتأمين ضرورات الأرض من عدل وإنصاف وطعام وأمن وأخوة. قاتلوا في سبيل ذلك وقتلوا. قادوا المعارك ونظموا المجتمع وربوا الرجال وسهروا على عدالة القسمة وأوصوا بالعمل المنتج النافع”8.

هؤلاء الرجال كانوا مجاهدين، وكان منهم ” ذوو كفاءات عالية متنوعة لهذا الجهاد، يتفاضلون فيها”9، يدل على ذلك الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب ولكل قوم أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح . وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى في ورعه، قال عمر: أفنعرف له ذلك يا رسول الله ؟ قال: “نعم فاعرفوا له ذلك” رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

– وحدة متجانسة جناحاها المهاجرون والأنصار آخى بينهم الرسول صلى الله عليه وسلم فجمعتهم مواطنة جغرافية وإيمانية: يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله: “ثم لا يلبث العالم المتمدن أن يرى من هذه المواد الخام … كتلة لم يشاهد التاريخ البشري أحسن منها اتزانا … كتلة فيها الكفاية التامة في كل ناحية من نواحي الإنسانية … أسست حكومة تمد رواقها على رقعة متسعة من قارتين عظيمتين ،وملأت كل ثغر وسدت كل عوز برجل يجمع بين الكفاية والديانة والقوة والأمانة”10.

– وعي رسالي حدده التكليف الإلهي والتربية النبوية لا منطق المواجهة للعدو: يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لم يكن وعيهم بوجودهم ومهمتهم في الدنيا وعيا سلبيا يحدده وجود الآخرين المعادين المغايرين، بل كان وعيا إيجابيا فاعلا في الدنيا منبعثا لتبليغ رسالة الله للإنسانية . وعلى ذلك أخرجتهم للناس تربية المسجد والاعتصام بحبل الله في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال لهم: “بلغوا عني ولو آية” وقال لهم: “إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين”11.

هذا درس بليغ على رجال الدعوة أن يأخذوا منه العبرة حتى لا يعوقهم في مسيرتهم الدعوية العدو المتربص الماكر بالدعوة وأهلها، ويشل إرادتهم ويثني من عزمهم عن مواصلة المهمة الابتعاثية التي كلف الله بها رسله ومن سار على نهجهم، ودون التبليغ الرسالي عقبات كأداء، فما الدعوة طريق ماهدة يعيش رجالها في أمن وعافية، فسنة الله لا تتغير” في كون رجال الدعوة وأمناء الرسالة يواجهون بالتكذيب والأذى، كما لا تتغير في كون النصر يعقب ذلك بشرط الصبر”12.

————–

1- لسان العرب، لابن منظور الإفريقي المصري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. ط6، 1417 ه  1997 م، ج14، ص84.

2- معجم مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى 1426ه 1427 ه  2006 ص 51.

3- تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى،1996 م ص 149.

4- المرجع نفسه ص 149.

5- المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، عبد السلام ياسين، الطبعة الثانية 1410 ه 1989 م ص 20 .

6- المرجع نفسه، ص 21.

7- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبي الحسني علي الحسين الندوي، دار المعارف، الطبعة السابعة، 1408ه 1988 م، ص 108.

8- رجال القومة والإصلاح، عبد السلام ياسين، منشورات الصفاء للإنتاج،2001 م، ص 29- 30 .

9- الإحسان، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1998 م، ج 2ص 496

10- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، مرجع سابق، ص 110.

11- العدل، عبد السلام ياسين، دار الآفاق، الطبعة الثالثة، 1422ه 2001م، ص 229.

12- الإحسان، مرجع سابق، ج2 ص290.