تتوخى هذه الدراسة أن تلقي نظرة شاملة ومتكاملة حول مفهومي المشاركة السياسية والمقاطعة السياسية، من خلال دمج مجموعة حقول معرفية لتحصيل شمولية المقاربة، مع منح الاعتبار الأكبر للمصطلح القرآني النبوي في إضاءة كل جوانب هذه الحقول، وخاصة مصطلح الاعتزال السياسي الذي وجدناه يحبل بدلالات عميقة؛ تمنح المتفحص فيه القدرة على تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في أيما واقع أنزله، كما تمكنه من اتخاذ الموقف الصائب وإن تغايرت الابتلاءات، وتباينت الأحوال. وإنما الكلم القرآني والنبوي درر يبتغي النظم وإعادة النظم في كل آن، لتكتمل المعرفة والسلوك باكتمال العقد المنظوم، اجتهادا إلى حين، وليس ادعاء كمال فإنما الأمر اجتهاد، وإنما التوفيق من العليم الرحيم.

بين المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية

يظل السؤال فاغرا فاه أمام القوى السياسية والتنظيمات الحزبية: ما العمل لينهض كل المجتمع ليصنع تاريخه، فتكون مشاركة كل أبنائه مشاركة إيجابية من أجل غد أفضل؟

يبدو أن النظام السياسي قد جعل هذا السؤال وتوابعه في ركن قصي من اهتماماته، بعد أن أقنع معارضيه التاريخيين بأسطورة مسار الانتقال الديمقراطي، وأصبحت المشاركة السياسية تختزل في المشاركة في الانتخابات.

والحقيقة أن المشاركة في الانتخابات تمثل زبدة مسار المشاركة السياسية في المجتمعات الديمقراطية بما أنها لحظة تاريخية توحي أن:

– هناك تنافسية حقيقية بين مكونات حزبية عدة تمثل تعددية فكرية وسياسية فعلية.

– هناك إمكانية الوصول إلى مراكز السلطة الحقيقية والتحكم في دواليبها من خلال صناديق الاقتراع.

– العنصر الحاسم في اختيار المرشحين والبرنامج هو صوت المواطن، وبذلك تمثل الانتخابات عنوانا كبيرا على سيادة الشعب.

– الموعد الانتخابي يكون موعدا تأديبيا للناكثين لعهودهم التي خطوها، كما قد يكون يوما مشهودا لفرز قوى جديدة يملأها الطموح في تلبية متطلبات الأجيال الصاعدة والساعية إلى تغيير اتجاه بوصلة السياستين الداخلية والخارجية.

هذا عن النموذج الديمقراطي الغربي، أما في الحقل العربي- والمغرب لا يشكل ضمنه الاستثناء- فالمشهد لا يحمل نفس الدلالات بقدر ما تشكل الانتخابات لحظة تعبوية لفئات الشعب من أجل ضمان استمرارية اصطفافه وراء السلطة الحاكمة، وكل ما أشير إليه سابقا يظل غائبا ومنعدما:

– فالانتخابات لا تشكل لحظة ترمز إلى سيادة الشعب، ما دام هرم السلطة لا يطلب ولا يقبل استفتاء على مشروعيته؛ بل هي مشروعية لا تعترف باختيارات الناس قدر اعترافها بالتاريخ، لذلك يظل الملك في كل حقب التاريخ المغربي الممثل الأسمى للأمة، وهي مرتبة لا يمكن أن تكون محل نقاش.

– كما أن السلطة الفعلية تظل خارج المؤسسة البرلمانية، التي تظل “دار التسجيل” كما يتندر بذلك الصحفيون، أو “مؤسسة التكالم” كما توحي الترجمة الحرفية للفظ اللاتيني Parlement.

– أما الحديث عن البرامج الحزبية فهو حديث عن الوهم فقط، إذ في المغرب لا يوجد هناك حزب له برنامج خاص به، وحتى إذا كان هناك حزب له برنامجه، فما عليه إلا أن يحتفظ به في الرفوف، لأن جميع الأحزاب تطبق البرنامج الملكي، وكاذب من يقول غير ذلك) 1 .

– أما أن تكون الانتخابات موعدا تأديبيا فهو أمر مبالغ فيه، ما دام الشعب لا دخل له في اختيار حكومته ووزراؤها، وإنما يظل الأمر موكولا بالكلية إلى الملك، دستورا مسطورا؛ وعرفا متوارثا، وصمتا للنخبة مطبقا.

“نصلح دون أن نغير”

إنني أود في سياق هذا المقال أن أثير الانتباه وأؤكد مسألتين:

– إثارة الانتباه إلى أن النظام السياسي المغربي اختزل نسق المشاركة السياسية الديمقراطي بكامله في كيفية تدبير آلية الاقتراع يوم الانتخابات بعيدا عن التزوير، وبذلك احتوى المخزن مطالب القوى السياسية الرسمية بشعار “الانتخابات النزيهة والشفافة”، وغاب الحديث عن الأسس التاريخية والدستورية للنظام المخزني ومدى توافقها مع المرجعية الشرعية أو الاختيار الديمقراطي كما هو متعارف عليه عالميا.

– التأكيد أن مكونات الحركة الإسلامية المغربية لا تتخذ موقفا سلبيا من المشاركة السياسية؛ بل كلها تجمع على أهميتها وضرورتها، وأنها تمثل الطريق الأنسب لإحداث أيسر التغييرات في مسار الأمة بمأمن من الصراعات والأشلاء والدماء. ولكن السؤال يستمر جرحه مفتوحا حول مسألة المشاركة الانتخابية في ظل نظام استبدادي يريدك ديكورا وأنت توهم نفسك والآخرين بأنك فاعل في الحقل السياسي مرفوع الرأس؛ بينما أنت لم تجاوز أن تكون مفعولا به منصوبا لغرض الزينة والبهرجة والتجمل.

يمنح المشاركون في اللعبة السياسية الرسمية إجابتين مختلفتين عن السؤال، وعنهما يتفرع مساران: أما المسار الأول فأصحابه قد وصلوا إلى قناعة خلاصتها استحالة التغيير؛ فهم سعوا ويسعون إلى التواصل مع السلطة حتى غدوا مفردة من مفردات معجمها المخزني، وإذا المشروع المجتمعي الإسلامي قد وئد عندهم. ولا يغرنك حديثهم عن البرنامج الانتخابي، فإنك ستجده لا يتباين عن باقي التنظيمات التي يُدَّعى الاختلاف معها في الأسس المرجعية! كما أنه لا يسعى بالمرة إلى إثارة النقاش، بله الفعل المقاوم، حول أسس النظام السياسي القائم على الاستبداد، وتصبح المشاركة السياسية هنا مشاركة طوعية وتطوعية من أجل:

* الحفاظ على النسق السياسي كما هو قائم، والدفاع بشراسة ضد كل من تحدثه نفسه بمقاومته.

* استعمال الهامش القانوني المتاح لهم من أجل إحداث الإصلاح المقدور عليه، والذي لا يثير حنق السلطة الحاكمة.

* طمأنة الأطراف السياسية؛ والسلطة الحاكمة؛ والقوى الخارجية بسلمية التنظيم، واستعداده للاستجابة والتأقلم مع كل الظروف، بعيدا عن تبني أساليب العنف المادي تجاه المخالفين.

* إدماج كل أبناء التنظيم والمتعاطفين معه ضمن مفردات النسق السياسي القائم: إيمانا بأطروحاته، وتزكية لتشريعاته، وحفاظا على أدبياته، ومسارعة بالتهليل لمشروعاته.

وأصحاب هذا المسار يكونون قد وضعوا نقطة كبيرة في آخر صفحات كتابتهم التأريخية لمسارهم السياسي، فهم لا يفكرون في العودة إلى السطر ليخطوا صفحة أخرى بمداد المقاومة الصلبة القوية غير المهادنة في مستقبل أيامهم؛ إلا أن تفجأهم أحداث جسام أو يظل الأمر أمنيات لدى قلة منهم، يعبرون عنها عبر الإعلام وهم أول من يعلمون أن لا إمكانية للرجعة عن هذا المسار.

وأما المسار الثاني فأصحابه لم ييأسوا من إمكانية التغيير، لكنهم أصبحوا يعتقدون إمكانية تحقيقه خطوة خطوة من داخل المؤسسات النيابية للنظام السياسي، وهو تصور كان السبب تاريخيا في تغيير قوى حزبية سياسية يسارية عديدة اتجاه بوصلتها، فكان الحلم عندها أن أرباب النضال إن دخلوا البرلمان، فسيفرضون “على الرجعية العميلة” الثورة الزراعية، والتصنيع، والتخطيط الاقتصادي، وإصلاح نظام التعليم فإذا كان “نواب الشعب الثوريون” مجرد أقلية في البرلمان الآتي، لا قدر الله! فسيذيقون مع ذلك الأغلبية الرجعية جميع المرائر، وسيفضحونها علنا بالخطب الديمقراطية الصاخبة، إلى أن يصير هؤلاء النواب الثوريون أغلبية داخل برلمان مقبل، أو داخل أي برلمان مقبل، عندما يفهم الشعب فضائلهم الثورية، فيحققون له إذ ذاك مطامحه الاشتراكية المشروعة، ويبرهنون بصفة عملية على خطأ الذين “يحلو لهم أن ينددوا بالديمقراطية الاشتراكية” ويحرمون الشعب من قاعدة تحرره الحقيقي 2 ، وما على القارئ إلا أن يغير المفردات اليسارية بمعجم الخطاب السياسي الإسلامي ليجد أن نفس الشريط يعاد بثه اليوم.

وما زال جواب فقيدنا عبد الله إبراهيم على أصحاب هذا الخيار الذين نعتهم “بتيار المغالطة” هو الجواب السياسي نفسه للرافضين الدخول في نفق المشاركة الانتخابية المخزنية، قال رحمه الله: إن الأزمة المغربية الحاضرة أزمة عمق وجذور، لا أزمة برلمان وانتخابات. فالأوضاع كلها فاسدة في المغرب، والمقاييس والقيم معكوسة. وكل ديمقراطية تحضر وتطبخ في أوضاع عامة فاسدة؛ يجب اعتبارها بالتالي ديمقراطية فاسدة، لا تستطيع أن تغير من مسلسل الانهيار والتعفن قلامة ظفر) 3 . وما أشبه الليلة بالبارحة!

المقاطعة السياسية وسؤال الشرعية

إذا اعتقدت أن الأزمة المغربية من العمق حيث لا يسعفها تغيير وجوه البرلمانيين والوزراء تكون قد انتقلت من مقاربة الإصلاح من داخل النسق إلى التفكير والعمل بمقاربة التغيير من خارج مفرداته، وأول فعل ينتصب عندها هو التهوين من الانتخابات وعدها من الأحداث التي لا تعنى بتجديد المشروع السياسي المغربي قدر بحثها عن تجديد الشرعية والمشروعية للنظام السياسي القائم، وعندها تكون أولى خطوات مقاومة النسق الاستبدادي السعي إلى الرفع من نسبة المقاطعين لانتخاباته، عكس سعي النظام السياسي إلى حشد كل أجناده من أجل إنجاح محطته الانتخابية التي يعدها المؤشر الأساس على قبول الشعب بمؤسساته وتمثيلياته القائمة.

إن مفردة مقاطعة الانتخابات تنتمي إلى حقل المشاركة السياسية الفعالة والرافضة لانتخابات تفرز الوهم، وهي مفردة تسعى إلى نزع الشرعية delegitimation عن السلطة. وتحدث هذه الحالة عند عدم رغبة الشعب في تقديم قبوله العلني بالسلطة ولجوئه لأساليب المعارضة السلبية (عدم التعاون مع السلطة)) 4 ، وتنتج هذه الحالة حسب الاتجاه الاجتماعي- العلمي، الذي يتزعمه David Beetham، عندما تعرف السلطة خصاصا مريعا يتمثل في غياب ثلاث محددات:

– قانونية قواعد الوصول إلى السلطة (قانونية الأدوات، ونزاهة الانتخابات)).

– أن تعكس هذه القواعد المرجعية الموجودة أو مجموعة من المبادئ المشتركة لدى المجتمع).

– أن تستفيد السلطة علانية من قبول الشعب لها (انتخابات، مبايعة)) 5 .

لكن، هل نجد لهذه المقاطعة مسوغا وتأصيلا من الفقه السياسي الشرعي، أم هو أمر طارئ على الساحة العربية والإسلامية من الغرب فلا يجوز اتخاذه نهجا في عملنا السياسي؟ إن سؤال التأصيل الفقهي الشرعي للمسألة يتخذ الأهمية الكبرى لأبناء الحركة الإسلامية، وهو أمر لا يمكن أن نغفل عنه بالوقوف فقط عند المسوغات السياسية في رفض المشاركة في الانتخابات الموجهة.

إن مفهوم المقاطعة Boycott et boycottage بدلالاته السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والقانونية يعد حديث التداول في الفكر السياسي الغربي، وهو مفهوم تأخر ظهوره في العالم العربي والإسلامي لارتباطه بظهور التنظيمات السياسية والاجتماعية في حقل الدولة القطرية التي لم تعترف بالتعددية السياسية، حتى الشكلية منها، إلا مؤخرا. لكن الأكيد أن معاني المقاطعة ودلالاتها وجدت منذ وجد الإنسان، فما هي المفردة التي عبر عنها القرآن الكريم والحديث النبوي للدلالة على لفظ المقاطعة.

إن المقاطعة سلاح يُلجأ إليه من أجل التعبير عن الرفض لمقومات الوضع كما هي قائمة، وهي محاولة لبناء رأي عام يُجمع على نبذ الاختيارات السائدة ويحاول إسقاطها سلميا. وتتنوع عناوين هذه المقاطعة ما بين مقاطعة سياسية وأخرى اقتصادية… محاولةً للضغط على المسؤولين عن الوضع بغية تصحيح المسار، أو دحرجةً لكرة الثلج من أعلى قمة لتكبر عبر مراحل فتتطور المقاطعة إلى أشكال مقاومة أكثر قوة.

في المقال الثاني نتوقف عند سؤال المقاطعة السياسية بالمنظور الشرعي، والذي نجد أن مصطلح الاعتزال القرآني النبوي يعبر عنه أفضل تعبير، ويحيط بكل دلالاته النفسية والسيياسية والاجتماعية والاقتصادية.


[1] عبد العزيز المسيوي – من الوجوه السابقة المعروفة في حزب الاتحاد الدستوري – جريدة المساء: ع 216 – 30/05/07.\
[2] عبد الله إبراهيم: “أوراق في ساحة النضال” مطابع دار الكتاب – الدار البيضاء، ط1/1975. ص: 15.\
[3] ن. م. ص. 16.\
[4] د. امحند برقوق “الشرعية السياسية من منظور علم السياسة المعاصر” عن كتاب “الشرعية السياسية في الإسلام مصادرها وضوابطها” إعداد وتحرير عزام التميمي. طبع في بريطانيا، مارس 1997- ص. 91.\
[5] ن. م. ص: 93- 94.\