2- على مستوى آليات التدبير.. من الإهانة إلى الكرامةلأنه لم يكن نتاجا جماعيا، ولأن غياب الشرعية السياسية يدفع الأنظمة إلى توظيف الوسائل الإكراهية لتحقيق الإجماع المفقود أو ترسيخ الصمت المطلوب، فإن النظام السياسي العربي ينتهج آليات تدبيرية في الحكم هي من جنس الاستبداد وبُنَيَّات الديكتاتورية، آليات تكرس الإهانة والحط من قيمة وإنسانية الشعوب العربية.

الإهانة ودَوْس الكرامة وسحق المعنى الإنساني للمواطن العربي، عنوان بارز مصاحب في جل التدابير التي تتخذها النظم السياسية في منطقتنا، ولعل كلمة “الحُكْرَة” التي يرددها أبناء دول المغرب العربي بمرارة وحنق تختزل إلى حد بعيد طبيعة الآليات التدبيرية التي تنتهجها السلطات.

في مصر تدخلت السلطات قبل شهرين في منطقة المحلة لقمع فئات الشعب المطالبة بحقها في الرغيف، وفي تونس قتلت السلطات مواطنا لأنه خرج يتضامن مع فلسطين أثناء ما عرف بـ”محرقة غزة”، وفي المغرب دُكت المنازل فوق رؤوس أصحابها بمدينة سيدي إفني بداية يونيو الماضي لأنهم طالبوا بحق العيش الكريم… نفس الآليات القمعية تتكرر في الأردن وسوريا والسعودية وباقي الدول العربية سواء كان المطلب اجتماعيا محضا أو ارتقى لينادي بالإصلاح السياسي.

ولله ذر الكاتب الموريتاني البارز “محمد الشنقيطي” حين قال مقارنا بين حالنا وحال الدول الغربية: “وليس في دول الغرب اليوم من يبلغ به الانحطاط الأخلاقي أن يهدم مدينة على رؤوس ساكنيها نكاية بمعارضيه، كما حدث في “حماة” السورية، أو يبيد قرية كاملة بالسلاح الكيماوي، كما حدث في “حلبجة” العراقية، أو يشن “حربا قذرة” على مواطنيه تشبثا بالكرسي كما حدث في الجزائر” (مقالة الدولة والصراع، على موقع الجزيرة نت). ورغم أن النماذج التي قدمها الكاتب قديمة نسبيا فإن ما عرضنا له سابقا يؤكد أن “حليمة” مستمرة في عادتها القادمة، فأنظمتنا التي شبت على العنف والغصب والإكراه لا تستطيع التخلص من عاداتها السيئة هذه بعد أن شابت وشاخت.

وللأسف، وتلك طبيعة أصيلة في الاستبداد، لا تنحصر الإهانة والعنف والإكراه عندما تعلو لغة الحقوق الاجتماعية أو السياسية، بل إنها تمتد لتشمل مختلف مناحي الحياة العامة، فاللقمة تنتزع مصحوبة بدَوْس الكرامة، والخدمات الإدارية تقضى بعد سماع الإهانات المتتالية، والمرافق العامة يمكن الاستفادة منها بعد معركة حول الحقوق الدستورية والمدنية… وهلم جرا من يوميات المواطن العربي التي لا يشعر فيها بالأمان والكرامة بل يعيش فيها الخوف والإهانة. فالإنسان آخر ما تفكر فيه الأنظمة المستبدة.

هذا ثقب كبير وانكسار خطير ومستوى ثان يستوجب إصلاحا عميقا، يعيد للإنسان العربي ثقته بنفسه ومحيطه ووطنه، ويسترجع فيه المواطن البسيط كرامته المدوسة وشرفه المهدور، إن أرادت النظم الحاكمة أن تدشن لمراجعات حقيقية وتصالح مع الذات صادق، أما غير ذلك فهو الطلاق البائن المستمر بين الشعوب والأنظمة.

3- على مستوى مشروع الدولة.. من اللحظة إلى المستقبلثالث مستويات المراجعة التي يُطلب إلى الدولة العربية الدخول فيه هو إعادة النظر في طبيعة المشروع الإطار الذي تحمله. إذ استقر الفكر السياسي على أن صدقية مشاريع الدولة مرهونة بشرعيتها في الحكم وجماعية تأسيسها وصياغة أهدافها، وإلا كانت “دُولَة بين الحاكمين” لا تنفك غايتها عن البقاء في الحكم وتأبيد هيمنة الدولة وخضوع المجتمع، كما ألح  الفكر السياسي- على أن جدية هذه المشاريع تقاس بقدرتها على السريان إلى المستقبل وربط درس التاريخ ومعطيات الواقع بآفاق الغد، ووجود الخيط الناظم والبرنامج الجامع والهدف الواضح وانتظام كل ذلك في المشروع المستقبلي لدولة المجتمع.

استقراء “مشاريع” نظم الحكم العربية يفيد أنها تفتقد البعد المستقبلي في رؤيتها وتخطيطها، فهي لا تنظر إلى ما هو أبعد من عتبات السلطة و”أنف” الحكم وتدبير اليوم والسنة والولاية. وهو ما ينعكس على سلوكات الدول وحراكها اللصيق باليومي واللحظي، فتراها مندفعة، في ظل دوامة تعيد إنتاج نفسها، إلى انتهاج سياسة “إطفاء الحريق” الذي يندلع هنا أو هناك في ضبابية تامة تُعمِّي الرؤية عن مستقبل غير واضح المعالم.

وإذا حدث أن استطاعت “عقلية الحكم” أن تخرج من هذه البوتقة وتنظر إلى المستقبل، فإنها لا تستطيع أن تتخلص من كثافة حضور ذاتها وأنانيتها، فهي لا ترى أو تتصور غد الشعوب في غيابها أو غياب ورَّاث الأمة الشرعيين، أي “الأبناء”. فـ”مبارك” مثلا لا يعنيه في مستقبل مصر سوى أن يكون ابنه “جمال” على عرش الحكم، وهو لذلك عدل الدستور ليعد المستقبل للولد ويعد الولد للمستقبل… أما في الملكيات والإمارات فالمستقبل مرهون بأمزجة وأهواء ورغبات الأمراء، وهو حقهم الذي نالوه عن جدارة حين تفوَّقوا على كل أبناء وطنهم وجيلهم بميزة الولادة وراء جدران القصور، فليس صحيحا دائما قول الشاعر “ليس الفتى من يقول كان أبي”!!

ولأن مشروع الدولة لا يدري أصحابه وجهته ولا مآله فإن الفشل ضيف مقيم في أوطاننا بل أصبح صاحب الدار الأصيل، فأغلب خطط التعليم يتناوب عليها الإخفاق والسقوط، ومشاريع الاقتصاد يراد منها الربح السريع لأصحاب النفوذ والثروة بعيدا عن المجتمع المحروم، ورهانات السياسة لا تبرح احتكار السلطة وإقصاء المعارضة ومنع الحقوق والحريات….

في ضوء كل ذلك، من الملحاحية بمكان أن تنظر أنظمة الحكم العربية في “مشاريعها” التي يغلب عليها الطابع اللحظي والآني والفاقدة سمة المستقبلية التي تميز الأنظمة العاقلة، إذ لا نتائج للغد دون أعمال اليوم القاصدة.

أسئلة بسيطة لكنها كبيرة ينبغي أن تؤطر هذه المراجعة، ما هو المشروع الكلي للدولة العربية؟ وما إطاره العام؟ وما غايته ومقصده؟ ثم بعد ذلك يأتي التخطيط المرحلي والعناوين اللحظية والأهداف القريبة المدى، لتُمرحل المقاصد الكبرى وتنظمها في بناء منطقي.

في غياب ذلك، وفي غياب مراجعة جذرية لشرعية الحكم وآليات التدبير، لا يمكن أن نتوقع إصلاحا جديا في المستقبل ولا تنمية حقيقية في الواقع. وستبقى شعارات الدولة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، التي ترفعها الأنظمة العربية زورا، تلك الكذبة البلقاء التي ملتها شعوب المنطقة.